من الذي أوصل الاقتصاد السوري إلى هذه النقطة؟

22-06-2013

من الذي أوصل الاقتصاد السوري إلى هذه النقطة؟

 أدت الحرب التي أطلقها "الجيش الحر" على سوريا في بداية حزيران 2011 إلى انكماش اقتصادي هائل. تقديرات "الإسكوا" تحدثت عن انكماش بنسبة 35%، وآخرون تحدثو عن 40%، وعن 50%، وببعض الحسابات الموضوعية في وقتنا الراهن يمكن أن نتحدث عن أكثر من 60%. طبعاً السبب في تباين الأرقام هو الفترات الزمنية لإجراء التقديرات. فالانكماش كان أقل في 2011 وتنامى في 2012، ولكنه في 2013 كانت سرعته في التنامي مضاعفة.

الانكماش Deflation هو عكس النمو الاقتصادي Economic Growth وهو يعني تناقص إجمالي الناتج المحلي GDP وإجمالي الناتج القومي GNP، أو بعبارةٍ أخرى هو التراجع في الإنتاج الذي يقوم به المجتمع. وبتراجع الإنتاج يتراجع عرض المنتجات في الأسواق (كماً ونوعاً)، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار من جهة وإلى تراجع الصادرات من جهةٍ أخرى. ومع تراجع الصادرات بدرجة كبيرة وبقاء المستوردات ثابتة (أو تراجعها بدرجة أقل) يصبح هنالك خلل في الميزان التجاري Trade Balance، ويصبح الطلب على القطع الأجنبي (اليورو أو الدولار) أعلى من الطلب على العملة الوطنية (الليرة السورية)، مما يؤدي إلى ارتفاع سعر الدولار وانخفاض سعر الليرة.

على صعيدٍ آخر، فإن سفر 6 ملايين من سكان سوريا – بينهم 4 ملايين سوري فيهم 1 مليون لاجئ – خلال عامين، أي بمعدّل 3 ملايين نسمة سنوياً، هو سبب إضافي لزيادة الطلب على القطع (وتحديداً الدولار)، ومن ثم رفع سعره بشكل كبير. وارتفاع سعر الدولار انعكس بالتالي على ارتفاع إضافي لأسعار السلع المستوردة في السوق. وفي نفس الوقت، فإن المخاوف من الأوضاع الأمنية ومن انهيار الاقتصاد خلق تراجعاً في الثقة بالليرة السورية، ومن هنا بدأ الكثيرون يبحثون عن "ملاذٍ آمن": في ظل جمود أسواق العقارات والسيارات – والتي تشكل ثلث الكتلة المالية للسوريين وفق بعض التقديرات – كان الملاذ الآمن المفضل هو "القطع الأجنبي"، وخاصةً "الدولار". وهذا ما زاد الطلب على الدولار بشكل كبير، ومن ثم رفع سعره بشكل هائل.

ومن أهم أسباب هذا الانكماش: (1) الخوف من الأوضاع الأمنية وبالتالي الهجرة وإخراج رؤوس الأموال إلى خارج البلاد، و(2) دمار وخراب وسرقة الكثير من المنشآت الصناعية والإنتاجية واستحالة تعويضها لأسباب أمنية، و(3) قطع الطرق وصعوبة النقل والانتقال والشحن التجاري، و(4) فقدان الكثيرين لوظائفهم ومداخيلهم وبالتالي تفاعل ذلك مع الهجرة البشرية المكثفة بما يؤدي إلى خفض الاستهلاك في الأسواق، و(5) نزوح 4,25 مليون سوري داخل سوريا، وبالتالي خروج هؤلاء من دائرة الطاقات المنتجة، و(6) العقوبات الاقتصادية التي ضربت الصادرات السورية بشكل رئيسي وأدت إلى تراجع القدرة على الإنتاج.

كانت النتيجة النهائية هي ارتفاع الأسعار بنسبة تزيد على 100%، وارتفاع سعر الدولار بنسبة تزيد على 400%، مع كل ما يعنيه ذلك من تبعات.

 الأداء الحكومي:

 لا نستطيع أن نتهم الأداء الحكومي بالتقصير عملياً، فمن الناحية الاستراتيجية كان أداء الحكومة على الصعيد الاقتصادي ممتازاً بالمقارنة مع إمكانياتها وقدراتها، وبالنسبة إلى حجم الهجوم وحجم المشكلة. ولكن يمكن للمؤيد لأداء الحكومة الاقتصادي أن يستثني نقطتين من حُسن الأداء: قضية "الهدر والخسائر الاقتصادية" التقليدية في القطاع العام – وهذا ليس خبراً جديداً ولا دور للمصرف المركزي فيه – وكذلك "المضاربات" و"الفساد" المتواطئ في هذه المسألة، وهنا قد يكون للمصرف المركزي دور ومسؤولية.

 ولكن هذه المضاربات لا تشكّل الجوهر الرئيسي للمشكلة، فهي عامل ثانوي جداً بالمقارنة مع مسألتي الهجرة البشرية والانكماش الاقتصادي وبالمقارنة مع عامل الثقة والإقبال على الدولار كـ "ملاذ آمن": فهذه المضاربات ذاتها هي عبارة عن رد فعل طبيعي ناجم عن حالة "الذعر والهلع" وفقدان الثقة. ومن الصعب جداً منعها بشكل كامل، إن لم يكن ذلك مستحيلاً. وبالتالي فهذا الموضوع ليس بيد د. أديب ميالة وحده، وإنما فيه جانب أمني؛ والمشكلة فيه أن التشدد الأمني قد يوقعنا في المزيد من فقدان الثقة وفي المزيد من الانكماش الاقتصادي، وبالنتيجة إلى مزيدٍ من الهجرات البشرية. وهذه العوامل أكبر وأخطر بكثير من المضاربات، وتأثيرها أكبر وأعمق.

وإنما اتهمَ أداء الاقتصاد السوري – سواء على مستوى وزارة الاقتصاد أو على مستوى المصرف المركزي – على المستوى التكتيكي بالخلل لعدة أسباب: (1) أن الإجراءات التي اتخذها المصرف المركزي وفق سياسات د. ميالة لم تقم بحلّ المشكلة جذرياً، فاستمرت المشكلة تتفاقم. (2) أن الحكومة تأخّرت جداً في تفعيل اتفاقيات التجارة مع روسيا وإيران علماً بأن التصدير يحل جزء كبير من المشكلة، وهو الحل الأساسي الذي يعوَّل عليه. و(3) طرح سياسات اقتصادية مفاجئة مالية من قبل وزارة الاقتصاد والمصرف المركزي وعلى دفعات مما أربكَ الأسواق والتجار وزاد في حالة الخوف وتراجع الثقة، من ذلك قرار منع الاستيراد الذي صدر في أيلول 2011 ثم تم تعديله إلى منع الاستيراد إلا بموافقة وزارة الاقتصاد، ومن ذلك قوانين تقنين السحوبات المصرفية وتأخّر المصرف المركزي في بيع القطع للتجار والصناعيين مؤخراً، نتيجة دخول وزارة الاقتصاد على الخط واشتراط مرور عمليات الاستيراد عبرها وبعد موافقتها. فهذا النوع من التأخير لم يقتصر على إزعاج الصناعيين وعرقلتهم فقط – في ظل ظروف إنتاج هي أصلاً صعبة جداً – ولكن أوقعتهم حتى في خسائر متعددة الأوجه.

 ولكن حقيقة الأمر أن هذه المآخذ ليست في محلّها على الإطلاق. فإجراءات المصرف المركزي صحيح أنها لم تتمكن من تثبيت سعر الصرف عند مستوى واحد – وهذه المهمة كانت أصلاً مستحيلة بغض النظر عن حجم الاحتياطي من القطع – ولكنه ثبت للتراجع إيقاعاً معيناً ووتيرة شبه ثابتة. وهذا ما حافظ على قدرة الناس على التوقع وعلى شيء من الثقة، لعب دوراً مهماً في قدرة الاقتصاد السوري على الصمود حتى هذه اللحظة.

وأما عن التأخير في تفعيل الاتفاقيات فهو أمر لم يحصل حقيقةً، لأن المشكلة في الأصل هي "الانكماش الاقتصادي" وبالتالي "تراجع الإنتاج": فإذا كان الإنتاج السوري لا يكفي لسد احتياجات السوريين، فماذا سيصدّر السوريون؟ وبالرغم من خط التمويل الائتماني الذي فتحته إيران لتمويل توسيع قاعدة الإنتاج وبالتالي إحداث نمو اقتصادي يكافح ويعاكس هذا الانكماش، إلا أن الظروف الأمنية كانت حتى زمنٍ قريب لا تسمح بوجود نطاق آمن اقتصادياً ولا بوجود نقل آمن للبضائع حتى يتم إطلاق حملة التنمية الاقتصادية المذكورة. لذلك كان من الضروري على الطاقم الاقتصادي أن ينتظر إنجازات الطاقم العسكري على الأرض.

وأما تلك السياسات المالية والاقتصادية التي طُرحَت بشكل مفاجئ ومربك، فقد كان لا بد منها للتخفيف من حدة الضرر ومن حجم الخسائر. فمنع الاستيراد مثلاً – إلا بموافقة الدولة – كانت غايته خفض الفجوة في الميزان التجاري بين الاستيراد والتصدير: وهذا الخلل هو أحد أهم أسباب ارتفاع سعر الدولار. وقرار قيام الدولة بتنفيذ عملية الاستيراد والشحن إلى المرافئ السورية بحيث يستطيع التجار أن يقوموا بالتوزيع لاحقاً، كان هدفه منع عمليات "الاحتكار" و"الاستغلال" في ظل هذا الانكماش الاقتصادي، وذلك للتخفيف قدر الإمكان من وطأة المشكلة.

4 – ماذا حدث مؤخراً؟
 كانت الحكومة السورية خلال عامي 2011 و2012 تلجأ إلى استراتيجية تفكيك وتشتيت الضربات الاقتصادية الموجّهة لها؛ فهي إن علمت بأنها لا تستطيع منع الضربة، فإنها كانت تؤخرها أو تقدّمها أو تتعامل بشكل انتقائي مع الضربات الموجهة لها، بحيث تأتي هذه الضربات متسلسلة ومتتالية وليس دفعة واحدة. وكانت تعالج الضربة تلو الأخرى على هذا النحو. ولكن جاء الهجوم الأخير خلال الشهرين الأخيرين مركّزاً ومكثفاً ومتزامناً ليحدث هذه القفزات الكبيرة في سعر الدولار وأسعار المنتجات في الأسواق عموماً؛ ويمكن تلخيصها بما يلي: (1) تصعيد غير مسبوق في حملات تزوير العملة، و(2) زيادة غير مسبوقة في الانكماش الاقتصادي، و(3) تراجع غير مسبوق في الثقة والطمأنينة نتيجة زيادة غير مسبوقة في التصعيد الخارجي أمنياً وعسكرياً، و(4) حملة مكثفة لسحب القطع من الأسواق وضخ الليرة فيها من قبل "المعارضة" ورجالها الموجودين في الأسواق السورية، و(5) زيادة كبيرة في الهجرات والسفر نتيجة جميع العوامل السابقة ونتيجة التوقيت الذي هو أصلاً تزيد فيه حالات السفر والهجرة، ويزيد فيه الطلب على المنتجات والسلع.

 ذلك أن خروج الرقة ودير الزور وحلب من ومناطق أخرى من المعادلة الاقتصادية لسوريا، وفقدان إيرادات النفط والقطن وغيرها من الثروات السورية، كل ذلك أدى إلى تراجع حجم أعمال ونشاطات القطاع العام – الذي هو من يعوّل عليه في حمل الاقتصاد السوري – وهو ما أدى إلى انكماش اقتصادي كبير خلال آذار ونيسان وأيار وحزيران من 2013 يعادل كل الانكماش الذي حصل في 2011 و2012. وجاء ذلك متزامناً مع تنامي وتصاعد حملات تزوير الليرة السورية خلال 2013، استغلالاً لظاهرة تحاشي الكثيرين إيداع أموالهم في المصارف، مما يؤدي إلى صعوبة اكتشاف النقود المزوّرة. ولكن جاء فوق كل ذلك التصعيد الأميريكي الشرس على الحدود الأردنية وتأجيل "جنيف-2" فضلاً عن حديث الأوروبيين والأميريكيين عن تسليح "الجيش الحر"، فأدى كل ذلك إلى تراجع كبير ومفاجئ ومضاعف في الثقة بالليرة السورية، مما خلق حالةً من الذعر والهلع والإقبال غير المسبوق على الدولار والقطع عموماً. وتم توقيت هذه الهجمة في أيار وحزيران، لأنها فرصة الصيف ونهاية الدوام المدرسي، فهي الوقت المناسب للسفر والهجرة؛ وجاء هذا التوقيت في بداية الصيف حيث يرتفع الطلب على المنتجات في الأسواق بشكل طبيعي – مما يرفع الأسعار – وكذلك قبيل رمضان والعيد، لاستغلاله من خلال رفع ثمن المواد الغذائية والاستهلاكية في الأسواق بشكل كبير.

بالتزامن مع كل ذلك جاء دور صندوق "المعارضة". ففي أعقاب "خطاب النصر" للرئيس الأسد في الشهر الأول من 2013، خرج السيد "فراس طلاس" بمقابلتين على قناتي "العربية" و"الجديد". وكرر في المقابلتين ما كان قد ذكره سابقاً من أنه يسعى لتأسيس صندوق لتمويل ودعم "الثورة". وبالفعل، فقبيل بدء هذا التدهور السريع في قيمة الليرة مقابل الدولار، أعلن "ما يدعى بـ"منتدى الاعمال السوري" الذي أسس في قطر، عن خطة تقوم على ما أسماه "التعاون والتنسيق مع المنتديات والمؤسسات والجمعيات العاملة في الميدان الاقتصادي لدعم الثورة السورية". كما أعلن المنتدى المذكور بأنه سيقوم بـ"خطوات خاصة في دمشق وحلب لإنشاء صندوق بقيمة 300 مليون دولار أميركي لمأسسة الدعم للثورة السورية، ومقاومة النظام اقتصادياً"."

فمن الواضح أن هذا الصندوق هو الذي كان يتحدث عنه "فراس طلاس"، وأن تأسيسه في المناطق المحتلة من قبل "الجيش الحر"في سوريا (تحديداً في حلب ودير الزور) هدفه شراء الناس في تلك المناطق، ومن الواضح أيضاً أن الحديث عن "مؤسسات" فاعلة في الميدان الاقتصاد لدعم "الثورة" يشير إلى قوى اقتصادية مؤثرة في هذا الاتجاه. ويجري الحديث عن 3 شخصيات مجهولة الهوية هي من اللاعبين الرئيسيين في السوق السوري الداخلي، وفي نفس الوقت هي من الأعضاء في "مجلس إدارة" هذا المنتدى المذكور في قطر. ومن الواضح أيضاً أن هذه الشخصيات هي إما ممثلة لـ "السيد فراس طلاس" ولمصالحه في سوريا - بشكل سري - أو له ولمن معه (وبشكل خاص "السيد عبد الحليم خدام").

 من هنا نستطيع أن نفهم أن هذا المبلغ اللذي تم من خلاله تأسيس الصندوق - أي 300 مليون دولار - قد تم جمعها من السوق السورية التابعة لسلطة الدولة، وبشكل مفاجئ: ولذلك جاء التأثير مفاجئاً أيضاً. وهو ما نشّط عمليات التهريب بشكلٍ كبير، وأدى إلى هذه القفزات القياسية والمفاجئة في أسعار المواد الغذائية.

5–ماذا عن المواطن وما هو الحل؟

 لا شك في أن باستطاعة سوريا ضخ القطع في السوق – بغض النظر عن ما يقال من استنزاف الاحتياطي السوري – لتخفيف المشكلة، ولكن ذلك لن يحل المشكلة فطالما أن هنالك "نزيف" وأن هنالك "خسائر اقتصادية" تقع، فإن التدخل باحتياطيات القطع هو ليس إلا استنزافاً لهذه الاحتياطيات.

 الحل هو بالقيام السير عكسياً في الطريق الذي أوصلنا إلى هنا: أي التركيز على الحل العسكري بالدرجة الأولى، ومن ثم على الحل الاجتماعي. الحل هو بالتنمية الاقتصادية ومكافحة الانكماش، من خلال العمل والإنتاج.

 المطلوب هو استثمار الإنجازات العسكرية المتحققة مؤخراً، وفتح وتحويل منطقة الساحل السوري وحمص وحماه ودمشق والطرق الواصلة بين هذه المناطق إلى مناطق آمنة تماماً وإلى نطاق اقتصادي استراتيجي واحد، والتركيز على أمن المطارات والحدود مع لبنان والتركيز على طرطوس للتصدير البحري. هذا يجب أن يفتح مجال للطاقات الشابة الموجودة في البلاد لكي تستفيد من الخط الائتماني الإيراني من أجل التصدير وإعادة التوازن للميزان التجاري، فضلاً عن توفير زيادة في عرض المنتجات تؤدي إلى خفض الأسعار.

المطلوب أيضاً تحريك سوق العقار بالدرجة الأولى وبدء التنقيب عن النفط في الساحل السوري. فبمجّرد إطلاق الحديث عن هذا الأمر، وبمجرّد الإعلان عن بضعة مشاريع ذات صلة بالإنشاء والعقار والإسكان ستقوم بها الدولة – أو الدول التي تقدّم مساعدات لسوريا من حلفاء سوريا – فإن هذا الأمر سيزيد ثقة الناس بالليرة ويخفف من الهجرة ومن اللجوء إلى الدولار كملاذ آمن لأموالها.

 لمحاسبة والتحقيق والتدقيق: أيضاً تسهم في الحل. ولكن هذه المسألة دقيقة جداً وحساسة: فمن جهة عملية المحاسبة تزيد من الإحساس بالمسؤولية وتدفع المسؤولين والتجار لتفادي الوقوع في الفساد أو التقصير، كما تمنح المواطن شعوراً بالرضى والأمل وتحفزه لكي ينتج. ولكنها في نفس الوقت كان تتحول إلى مدخلٍ للفساد ولابتزاز هؤلاء المسؤولين وهؤلاء التجار، وقد تخلق عند المسؤول حالة من الخوف والحذر الشديد تقتل لديه حسّ المبادرة والفكر الخلاق الذي يقدّم حلولاً مبتكرة، وعندها سيتحول وجود المسؤول وعدمه إلى أمرٍ واحد، وسيصبح هذا المنصب مستقطباً لأسوأ النوعيات من المسؤولين، وهم الذين لا همّ لهم سوى الفساد وتحقيق أكبر قدر ممكن من الفائدة في أقل زمن ممكن، وبعدها لا مشكلة لديهم - لا اجتماعياً ولا اقتصادياً ولا سياسياً - في أن تتم محاسبتهم.لذلك، فإن طريقة وآلية القيام بعمليات المحاسبة والتحقيق والتدقيق والجهات القائمة بذلك وأسلوب عملها يحددان ما إذا كان هذا الأمر يسهم في الحل أم في المشكلة.

 الدور الكبير في الحل هو في النهاية للمجتمع: من الضروري توعية المجتمع بخصوص المفاهيم الاقتصادية، وبخصوص المفاهيم الإدارية، وتعديل الثقافة الاقتصادية السائدة وروح الاتكال على الوظيفة بدلاً من تأسيس وريادة الأعمال، واللجوء إلى الهروب والهجرة بدلاً من استغلال الفرصة المتاحة وطنياً، واللجوء إلى الدولار واليورو كـ "ملاذ آمن" بدلاً من الذهب مثلاً (وهو وسيلة أكثر سيولةً من العقار وإن لم يكن بسيولة القطع)؛ كما أنه بحاجة للتوعية لمكافحة الكثير من الظواهر المترتبة على الظرف الراهن (منها ظواهر صحية وطبية ومنها ظواهر تجارية ومعاشية ذات صلة بالإدارة المالية وذات صلة بزيادة الطلب على المواد المستوردة).

هنا يأتي دور ثلاثة جهات أساسية: أولاً الحكومة، وثانياً المجتمع الأهلي المنظم (الجمعيات الأهلية)، وثالثاً النخب من أصحاب الثقافة والخبرة والتخصص في المجتمع، ليقوموا جميعاً بدور الرعاية والتوجيه والتوعية لعموم المجتمع. فالدولة عليها إعادة تنشيط وتفعيل مؤسسات دعم الاستثمار المتناهي الصغر وذلك لتوفير حاضنات أعمال لتوجيه ومساعدة الشباب الراغبين بتأسيس المشروعات المتناهية في الصغر، سواء في الريف أو في المدينة، مع توفير المعلومات والتسهيلات اللازمة لذلك. وكذلك عليها إعاد الدور والاعتبار للمراكز المهنية والحرفية وإنهاء حالة التنافس المرضي التي سادت لفترة ما بين وزارتي الصناعة والتربية والتعليم في هذا الموضوع.

وأخيراً فعلى المجتمع الأهلي أن يطرح جمعيات أهلية في المجالات التالية: (1) الرقابة على الأسواق وعلى الوضع التجاري وحماية المستهلك، و(2) الرقابة على الوضح الصحي والطبي والتوعية الاجتماعية من النواحي الصحية والطبية، و(3) التوعية والتوجيه (أمنياً واقتصادياً وإدارياً واجتماعياً)، وذلك بما يشمل التنسيق مع "مؤسسات التوعية الاجتماعية الأخرى" كالمدارس والمؤسسات الدينية – الجوامع تحديداً – لنشر الثقافة الدينية السليمة.

القيام بكل هذه الإجراءات بشكل متعدد الجبهات، وبالتزامن مع حملة أمنية لرصد تزوير العملة بالدرجة الأولى وحملة إعلامية لبيان وإثبات أن كل ما يفعله الأميريكيون على الحدود الأردنية والحديث عن مناطق "عازلة" هو أمر لا أساس له ولن يقود إلى شيء، وأن غايته اقتصادية أكثر من عسكرية: هم يرفعون الدولار بمحض الكلام والوعود والقرارات على الورق، في الوقت الذي هم مضطرون لنقل قاعدتهم من البحرين إلى الأردن في جميع الأحوال.


ليس الأمر خارق ولا معجز: الحرب الاقتصادية مستمرة على سوريا بالتوازي مع الحرب العسكرية. والجيش العربي السوري يقوم بواجبه على أكمل وجه في المجال العسكري؛ اليوم الكرة في ملعب المواطن المدني، فهل سيثبت أنه على حجم المسؤولية والمعركة؟

حسن حسيني: أوقات الشام

 

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...