لماذا الجمل؟

06-12-2021

لماذا الجمل؟

شرائح الفلاحين والمثقفين هم الأغزر إنتاجا والأكثر فقرا في مجتمعنا، بسبب فشل سياسة تسويق إنتاجهم : قلت هذه الجملة أثناء تقديمي لأستاذي وصديقي الأديب حنا مينة بمكتبة الأسد لمناسبة توزيع جوائز الدورة الأولى لمسابقة حنا مينة للقصة والرواية التي أعلنت عنها وزارة الثقافة عام 2003 ، وحين قرأت هذه الجملة منشورة في جريدة "النور" قلت لنفسي: لماذا لا أعمل على تسويق الإنتاج الثقافي الوطني وتحسين أوضاع المثقفين وتوسيع سوق الإستهلاك الثقافي لدى السوريين مستغلا معرفتي بالوسط الثقافي؟ وهكذا نشأت فكرة إنشاء مجمع ثقافي وطني يستقطب إنتاج الأدباء والشعراء والمفكرين والفنانين وكتاب الدراما والموسيقيين والمسرحيين والمخترعين والحرفيين، وغير ذلك من الأنواع الثقافية والعلمية.. وقد تحمس لتمويل المشروع بعض رجال الأعمال السوريين وخصصوا أرضا لإقامة المجمع، وقدمت في حينه دراسة موسعة لاستراتيجيته القريبة والبعيدة ضمن مفهوم الأمن الثقافي الوطني، ثم لخصتها بثلاث صفحات قُدمت لمؤسسة الرئاسة التي يحق لها البت بهكذا مشروع وطني. وبانتظار الموافقة أسسنا لموقع الجمل ليكون ناطقا باسم المجمع وناشرا لنشاطاته، إضافة إلى مشروع مجلة خاصة بالمرأة سميتها "بنت البلد" كون المرأة هي مربية الجيل، وحررنا ثلاثة أعداد تجريبية منها بانتظار الحصول على ترخيصها، إضافة إلى العمل على موسوعة "رواية اسمها سورية" بهدف افتتاح المشروع الكبير بعمل يناسب مستواه.. وبعد انتظار سنة رفض رئيس الوزراء ترخيص المجلة بتوصية وتحذير من وزير الإعلام ، كما تم تعطيل ترخيص المجمع الثقافي من قبل شخصية رفيعة في الدولة (استشهد في تفجير خلية الأزمة رحمه الله) وبقيت الموسوعة التي أنجزتها في ثلاثة أجزاء خلال ثلاثة أعوام بالتعاون مع 42 باحثا سوريا ونشرتها عام 2007 وكانت الإصدار الأشهر بين الإصدارات السورية، ولم تمر الموافقة عليها دون تعنت من دائرة الرقابة بوزارة الإعلام وطلبهم حذف بعض الأشياء، فهددتهم بنشرها في مؤسسة جريدة النهار بلبنان مؤكدا لهم أن منعها في سورية سوف يحقق دعاية جيدة لها، كما حصل مع كتاب باتريك سيل "الصراع على سورية" فاستسلموا للأمر الواقع، وقمت بتسويقه إعلانيا كسلعة مادية حيث نفدت نسخ الطبعة الأولى بثلاثة أشهر.. وبقي مشروع الجمل الذي تحول إلى منصة تنويرية ناقدة لبنية الإستبداد والفساد في السلطة والمعارضة والمجتمع السلفي، بعد عرقلة مشروع المجمع الثقافي.

كنا أحرارا فيما نقدمه للناس دون رقيب، رغم الإستدعاءات الأمنية الشهرية لي حول كتاباتي الساخرة من أعضاء الحكومة والحزب القائد وشكاواهم علي .. وبالطبع لم يزجرني كل ذلك عن قول ماأريده، ولكم أن تتأكدوا من مقالاتي في زاوية "شغب", وللحق يجب أن أقول أن مطالب رئيس فرع المعلومات المكلف بمراقبة المواقع الإلإلكترونية آنذاك كانت تتمحور حول حذف بعض المقالات أو إبقائي في ضيافتهم بضعة نهارات عندما أرفض. وكنت أعتبر ذلك جزءا من متاعب المهنة في البلدان العربية من دون إعلان بطولات فردية في وطن يسير نحو الخراب..

بعد مرور تسعة عشر عاما على ذكرى تعطيل مشروع المجمع الثقافي، أرى اليوم خسارتنا الكبيرة حيث كان بإمكاننا تجميع النخب الوطنية الذين استهلكهم الصراع السياسي وباتوا ضحايا بدلا من كونهم مبدعين فاعلين، حيث كانت إغراءات الأعداء لهم كبيرة، وساعدهم في ذلك ضيق أفق مسؤولي السلطة وعدائهم للذكاء والإبداع. مع التذكير بأن المعارضة الخارجية بتمويلها الخرافي اشترت بعضا من أولاد السلطة نفسهم ليشاركوا في حكومة الإئتلاف، وليؤكدوا مقولتنا أن نخب السلطة والمعارضة وجهان لعملة واحدة، وهم يحسبون مكاسبهم هنا أوهناك ويتخذون مواقفهم بناء عليها، بينما الخاسر من صراعهم هو الشعب والوطن.

شكلت التعليقات على موقع الجمل مساحة للرأي الآخر غير الرسمي وكانت متابعة شعبيا ورسميا، وقد تجلى ذلك في بداية الأزمة السورية قبل أن تتحول إلى حرب طاحنة، حيث كنا نقرأ تعليقات وأفكارا مهمة حول الحدث الذي أكتب عنه، ونتج عن ذلك كتاب "المختصر المفيد في حرب الشعب السوري العنيد" في تجربة جديدة جمعت فيها مقالاتي عن الأحداث مع المداخلات التي وردت في التعليقات لتغني الحدث وتضيف إليه، بحيث ذيلت غلاف الكتاب بجملة: (حرره نبيل صالح وقرّاؤه)، وصدرته عام 2014 بالقول "أن السوريين يموتون من قلة المعرفة".. وكنت فخورا بالمستوى الفكري الرفيع لقراء الجمل، رغم بعض الإساءات التي كنت حريصا على نشرها وإعطاء مساحة للقراء لكي يحاوروا بعضهم.. ولكننا مع تقدم الحرب وتوضح مساراتها، انحزنا إلى مؤسسة الجيش العربي السوري باعتباره ممثلا لكل شرائح وأطياف السوريين، وهو الضامن لوحدة الأراضي السورية. وتبعا لذلك وجدنا أنفسنا في خندق السلطة التي كنا ننتقد استبدادها وفسادها قبل الحرب، لكونها بدت أقل سوءا من إرهابيي الإخونج وداعش ومرتزقة فقاعة الغاز قطر الذين ساوموا السوريين كل أنواع الظلم والعذاب.. وهكذا تحولت الآلة الإعلامية للمعارضة الخارجية ضدنا، وشتمتنا محطات العربية والأورينت ونغل الجزيرة فيصل القاسم ومواقع المعارضة الممولة أمريكيا، وحُجب الجمل عن القراء في السعودية، وهددت المعارضة الخارجية الشركة الكندية المستضيفة لمخدم الجمل بأنها تخالف قانون العقوبات الأمريكية ضد سورية، فأنذرتنا الشركة بإلغاء اشتراكنا خلال 24 ساعة أنقذنا فيها مهندس البرمجيات الصديق الأيهم صالح بنقل داتا الجمل إلى مخدمه الخاص، حيث تنقلنا بعدها إلى مخدمات في ألمانيا ثم روسيا، وكان أسوأ ماحصل للجمل اضطرارنا إلى منع خدمة التعليق على الموقع منذ عام 2019 بسبب محاولة إغراقه بآلاف الرسائل الإلكترونية على مدار الساعة بغية ضرب الموقع بعدما عجزوا عن اختراقه بفضل البرمجة المميزة والترقيات الدورية لبرنامج دروبال التي يقدمها لنا الأيهم. وقد عدنا اليوم في إصدارنا الجديد للجمل إلى فتح باب التعليقات على المواد المنشورة بتقنية خاصة يقدمها الأيهم عبر "دروبال" وتتضمن الحماية من محاولات إغراق الموقع، غير أننا وللأسف مازلنا مضطرين لمراقبة التعليقات قبل نشرها حيث نمنع نشر الإساءة إلى الذات الإلهية والأديان و مقام الرئاسة وإلى أي مواطن باسمه الصريح قبل صدور حكم بحقه، وذلك بسبب خوفنا على القارئ وعلينا من شرطة "الجرائم الإلكترونية" التي خفضت سقف حرية التعبير أكثر مما كان عليه الحال قبل الحرب. وقد عارضت اعتقالها للناس قبل محاكمتهم وصدور حكم عليهم في فترة نيابتي بمجلس الشعب، واعتبرتها نوعا من المكارثية الجديدة التي تمنع الرأي الآخر. ذلك أن السلطات مازالت تعيد إنتاج نفسها كما هو الحال عند المعارضة السلفية، لتستمر معاناتنا وعرقلة إنتاجنا وتقدمنا ..

مستمرون في إغناء الجمل، وقريبا سنوفر خدمة الخريطة التفاعلية لأرشيف الموقع،  وهي ميزة جديدة غير مستخدمة بعد في المواقع العربية، ستكون مواد أرشيفنا خلال ستة عشر عاما متاحة للقراء حسب المدينة أو البلد أو السنة واليوم والشهر بمجرد أن تضغط المؤشر على المدينة أو البلد المطلوب، يساعدنا في ذلك غنى محتوى الأرشيف ودقة أرشفته، كما نسعى لفتح صفحة خاصة بتجديد الفكر الديني حيث يحتوي أرشيفنا على أكثر من خمسة آلاف مقالة ودراسة حول ذلك.

كان "الجمل" ومازال سفينة الإصلاحيين السوريين الذين يرغبون بترقية المجتمع والدولة بمايليق بتضحيات شعبنا وجيشنا، حيث أرخنا لسنوات الحرب وأحداثها ساعة بساعة، فهو منكم ولكم فلا تتأخروا عن المشاركة في إغناء صفحاته بمقالاتكم وتعليقاتكم، فالمعرفة هي تربة المواطنة الصالحة التي تذوب فيها كل أنواع العصبيات، غير أن السلطات السورية المتعاقبة منذ الإستقلال فشلت في تنمية المواطنة كشجرة مثمرة تجدد دورة الحياة وتفيء حياة المستظلين بأوراقها الخضراء..

 

نبيل صالح

 

 

التعليقات

شكرا

نشد على يدك أستاذ نبيل وفقك الله في مسعاك كنت و ما زلت الباحث و الأديب الغيور على وطنه و المحب لأبناء شعبه من كل الأطياف وفقك الله و حماك من كل مكروه

اسعدتنا بعودتنا إلى واحة الجمل الغناء .قد يكون الجمل رمزا للصحراء ،لكنه هنا رمز لتحمل الاوجع المقيم ،والصبر على المصاعب.سنكون معك ونحاول أن نضبط مانكتب كي نحميك ونحمي أنفسنا .لك كل التحيات والتقدير

جميل هذا الطرح ، وأهفو إلى المشاركة معكم ، خاصة وأنه نابني بعض مانابكم من وزارة الإعلام واتحاد الكتاب الذي تحول الى فرع أمن جديد .. لم يوافقوا على روايتي ( فارس الندى ) لأنها تعدت الخطوط الحمراء ، فطبعتها في بيروت ولا أدري كيف سأحصل على السماح بتداولها داخل سورية ..
أستاذ نبيل : لقد أخبرني أخي المحامي عماد عبيد عن تاريخك النضالي والثقافي ، كوني كنت مغتربا حوالي 45 سنة وأتردد صيفا لإلى القطر إلى أن تم الاستقرار الآن ولي كبير الشرف بالتعاون معكم .. مودتي .

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...