ما هي تنازلات أنقرة لواشنطن قبل إطلاق يدها في شمال العراق

05-01-2008

ما هي تنازلات أنقرة لواشنطن قبل إطلاق يدها في شمال العراق

الجمل: برغم التحالف التركي – الأمريكي الوثيق طوال فترة الخمسين عاماً الماضية، فقد توترت العلاقات على خط أنقرة – واشنطن بقدر كبير خلال الفترة الممتدة من آذار 2007م وحتى مطلع تشرين الثاني 2007م بسبب:
• إصرار أنقرة على القيام بعملية الاقتحام العسكري في شمال العراق من أجل:
* القضاء على قواعد حزب العمال الكردستاني وبنياته التحتية.
* القضاء على مخطط ضم كركوك لإقليم كردستان العراقي.
* درء أي احتمالات لقيام دولة كردية مستقلة في المنطقة.
* حماية التركمان والعرب الموجودين في إقليم كردستان.
• رفض واشنطن لتنفيذ تركيا أي اقتحام عسكري في شمال العراق لأن:
* أمريكا ملتزمة بالحرب ضد الإرهاب بما في ذلك حزب العمال الكردستاني المهدد لأمن تركيا.
* الاقتحام العسكري التركي سوف يؤدي إلى تهديد الجهود الأمريكية المبذولة من أجل استقرار العراق.
الاعتماد على تعاون أربيل – بغداد في القضاء على حزب العمال الكردستاني يؤدي لنتائج أفضل من الاعتماد على الاقتحام العسكري.
ولكن بعد اجتماع أردوغان – بوش الذي عقد في العاصمة الأمريكية واشنطن في 5 تشرين الثاني 2007م الماضي، تغير الموقف الأمريكي وتم الإعلان رسمياً في أنقرة وواشنطن بأن:
• الإدارة الأمريكية تؤيد حق أنقرة في الحرب ضد الإرهاب.
• الإدارة الأمريكية سوف تلتزم بدعم أنقرة فيما يخص بتقديم المعلومات الاستخبارية الميدانية الجارية والعتاد العسكري.
* ما وراء موقف واشنطن الجديد:
يعتمد متغير توازن واستقرار العلاقات الدبلوماسية، على متغير آخر هو توازن استقرار المصالح بين الأطراف وتأسيساً على ذلك: حصلت أنقرة على دعم واشنطن ولكن على ماذا حصلت واشنطن مقابل هذه الموافقة؟. بكلمات أخرى، لما كان هناك إجماعاً بين الخبراء الدبلوماسيين بأن واشنطن لا يمكن أن تقدم شيئاً دون أن تكون قد حصلت على المقابل الذي يعادل أضعاف ما قدمته، فما الذي حصل عليه بوش لكي يقدم موافقته بمثل هذه السرعة إزاء أحد أهم الملفات الشرق أوسطية: ملف كردستان الذي يرتبط بالعديد من الملفات الرئيسية الأخرى والفائقة الحساسية بالنسبة لواشنطن ومن أبرزها:
• ملف علاقات واشنطن – تل أبيب.
• ملف السيطرة الأمريكية على العراق.
• ملف الصراع العربي الإسرائيلي.
• ملف الأزمة الإيرانية.
• ملف مستقبل تركيا السياسي.
* تداعيات موقف واشنطن الجديد على أنقرة:
القصف الجوي التركي المتقطع ضد قواعد حزب العمال الكردستاني، والمصحوب أحياناً ببعض الاقتحامات العسكرية التركية المحدودة ضمن أراضي شمال العراق، من جهة اجتذب الاهتمام بسبب أنه يمثل مقدمة لعملية الاقتحام العسكري التركي الكامل لشمال العراق، ولكنه من الجهة الأخرى لم يجتذب الاهتمام لجهة أنه قد ينطوي على بعض المواقف الجديدة لأنقرة فيما بتعلق بـ:
• علاقات أنقرة بدمشق وتل أبيب.
• علاقات أنقرة بطهران.
• علاقات أنقرة ببحر قزوين ومنطقة البلقان.
• علاقات أنقرة ببغداد.
• علاقات أنقرة مع بوريفان (أرمينيا).
وكل عاصمة من هذه العواصم ترتبط بملف شرق أوسطي فائق الحساسية بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية، فدمشق ترتبط بالصراع العربي – الإسرائيلي والملف اللبناني وتل أبيب ترتبط بملف التعاون الاستراتيجي الأمريكي في الشرق الأوسط. وطهران ترتبط بملف البرنامج النووي، ومنطقة بحر قزوين ترتبط بملف النفط والضغوط على روسيا، ومنطقة البلقان ترتبط بملف كوسوفو والوجود العسكري الأمريكي في جورجيا وغيرها. وبغداد ترتبط بملف السيطرة على العراق. وبوريفان ترتبط بملف المذبحة الأرمنية. كل ذلك بالإضافة إلى خصوصيات علاقات واشنطن – أنقرة التي ترتبط بملفات حلف الناتو والحرب على الإرهاب في أفغانستان وآسيا الوسطى والوجود العسكري الأمريكي في تركيا.
تقول المعلومات المعلنة بأن أنقرة تنظر للتطور الجديد باعتباره يمثل نجاحاً كبيراً لحكومة حزب العدالة والتنمية بزعامة غول – أردوغان:
• نجاح دبلوماسي: تمثل في الموقف الأمريكي الجديد الداعم والمساند لتركيا وهو ما دفع المجتمع الدولي إلى تأكيد حق تركيا في استهداف حزب العمال الكردستاني المتمركز في شمال العراق والرد بكافة الوسائل على تهديداته، إضافة إلى أن الإعلام العالمي وبالذات القواعد الإعلامية الرئيسية في أمريكا وغرب أوروبا كانت جميعها إلى جانب أنقرة في التعامل مع أحداث ووقائع الاستهداف التركي لشمال العراق.
• نجاح عسكري: تمثل في عدم وجود أي أخطاء في العمليات العسكرية التركية الجوية والبرية، فالطائرات الحربية التركية لم تخطئ أهدافها والقوات البرية التركية لم ترتكب أي تجاوزات.
• نجاح سياسي: يتمثل في أن الرأي العام التركي أصبح يقف موحداً إلى جانب حكومة حزب العدالة والتنمية وتجاوز حالة الانقسام التي نشأت بفعل تأثير ملف صراع الحزب مع القوى العلمانية. إضافة إلى أن المؤسسة العسكرية التركية التي ظلت تمثل مصدر الخطر الرئيسي الداخلي الداهم في مواجهة الإسلاميين، أصبحت تقف إلى جانب الزعيمين الإسلاميين غول وأردوغان.
• نجاح اقتصادي: تمثل في عدم حدوث أي أضرار نفطية أو تجارية فيما يتعلق بتدفق النفط العراقي إلى تركيا، وتدفق السلع والخدمات التركية إلى العراق.
* محور أنقرة – واشنطن: "ما فوق" السؤال و"ما تحت" الإجابة:
سمحت واشنطن لأنقرة بالعمل العسكري ضد شمال العراق وبموافقة الإدارة الأمريكية أصبحت الطائرات العسكرية التركية تدخل المجال الجوي العراقي، وبالاعتماد على المعلومات الاستخبارية الأمريكية أصبحت القوات التركية تحدد أهدافها الحيوية في شمال العراق وتصيبها "بدقة متناهية".
"ما فوق السؤال" ينطوي على السؤال الآخر: ما الذي التزمت أنقرة بتقديمه لواشنطن؟ ولما كان الزعيم أردوغان قد صرح بعد عودته من لقاء بوش قائلاً بأنه حصل على موافقة بوش دون أن يقدم أي مقابل فإن "ما تحت الإجابة" يقول بأنه إذا كان بوش لم يطلب شيئاً كمقابل هل قدّم أردوغان عرضاً "استباقياً" لبوش، وكان العرض مغرياً مما جعل بوش يكتفي به ويقد موافقته دون طلب أي شيء إضافي؟
تقول التسريبات الواردة من أنقره أن "العرض الاستباقي" الذي قدمه أردوغان لبوش في بداية اجتماع 5 تشرين الثاني 2007م الماضي كان على النحو الآتي:
• الاعتراف التركي بـ"الإدارة الإقليمية" لإقليم كردستان.
• الاعتراف التركي بـ"قيادة البرزاني" لإقليم كردستان العراقي.
* القراءة "عبر نافذة" اجتماع بوش – أردوغان:
بسبب الارتباط الوثيق بين الدبلوماسية والحرب فإن سيناريوهات التحركات الدبلوماسية تتطابق مع سيناريوهات التحركات العسكرية، وتأسيساً على ذلك فبرغم الإغلاق المحكم لباب غرفة اجتماع أردوغان – بوش فإن هناك إمكانية متوفرة لاستخدام "النافذة" من اجل الوصول إلى ما بذل الطرفان من جهد في إخفاءه:
• مدى مصداقية أن أنقرة لم تقدم أي تنازلات لواشنطن: في ساحة الحرب يعاني الطرفان من الخسائر، وفي النهاية يكون الطرف المهزوم هو الأكثر خسارة والطرف المنتصر هو الأقل خسارة، وبالتالي فإن الحصول على النصر يدخل ضمن إطار عملية الأخذ والعطاء، ولما كانت الدبلوماسية تنطوي على الأخذ والعطاء أيضاً، فمن غير الممكن القول بأن أردوغان قد أخذ ما أعطاه له بوش، ولم يقدم شيئاً بالمقابل حتى ولو كان قليلاً. وبرغم ذلك فهناك تفسير يؤكد على أن أردوغان لم يقدم لبوش شيئاً ولكنه أطلعه فقط على أن أنقرة عازمة على تنفيذ مخططاتها إزاء العراق وطلب منه المساعدة، وبالمقابل أكد بوش على أن واشنطن لا تؤيد مثل هذا الإجراء على الأقل في الوقت الحالي، ولكن بسبب الاتفاقيات التي تربط واشنطن بأنقرة فإن واشنطن ستقدم الدعم المحدود الذي يتضمن المعلومات الاستخبارية الميدانية المتعلقة بقواعد حزب العمال الكردستاني.
• مدى مصداقية أن أردوغان "لم يقدم وعداً" بأي تنازلات لواشنطن، وتقول التسريبات الواردة من أنقرة أن أردوغان قد قدم وعداً لبوش بأن تقوم أنقرة في نهاية المطاف بالاعتراف بـ"إدارة" إقليم كردستان وبالتعاون مع رئيسها البرزاني ولكن بعد أن تتأكد أنقرة تماماً بأن وجود هذه الإدارة والبرزاني:
* سوف لن يشكلا أي تهديد لوحدة وسلامة العراق بحدوده الحالية.
* سوف لن يؤديا إلى تصعيد الحركات الكردية في بلدان المنطقة الأخرى لأنشطتها على النحو الذي يوسع نطاق الاضطراب الإقليمي.
كما اشترط أردوغان أن تقوم أنقرة قبل تنفيذ أي وعد أن يتم التأكد من مدى موافقة الرأي العام التركي لذلك.
الأداء السلوكي للسياسة الخارجية التركية في فترة ما بعد اجتماع 5 تسرين الثاني 2007م بين أردوغان وبوش، هو أداء لم يتغير مجراه الرئيسي الذي ظل ساكناً، وبرغم ذلك فهناك بعض الملاحظات المتمثلة في الآتي:
• التسريبات حول القاعدة التجسسية الأمريكية في جنوب تركيا.
• تصريح الرئيس التركي عبد الله غول القائل بأن أنقرة سوف تقدم الدعم لأمريكا في العراق.
• توقيع أنقرة لخمسة اتفاقيات تعاون اقتصادي مع دمشق.
• التزمت أنقرة بإقامة مجمّع صناعي في قطاع غزة دعماً للفلسطينيين، ولكنها أعلنت فجأة عن قرار بتحويل هذا المجمع ليقام في الضفة الغربية.
وحتى الآن، ما هو واضح يتمثل في أن الأكثر رجحاناً هو أن تسوية توتر أنقرة – واشنطن قد انطوت على تهدئة وتائر العلاقات بين أنقرة والفلسطينيين وعدم تضييق الخناق على الحركات الكردية وتوسيع التعاون العسكري – الأمني مع الولايات المتحدة الأمريكية إضافة إلى الإيفاء بتوجهات أنقرة إزاء التعاون الاقتصادي الشرق أوسطي.


الجمل: قسم الدراسات والترجمة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...