غسان الرفاعي: بربرية متحضرة

25-10-2010

غسان الرفاعي: بربرية متحضرة

-1-
مازال خبراء الشرق المعتمدون يتحدثون عن (شبح مرعب) يهدد الحضارة الغربية، على الرغم من (الفضائح المرعبة) التي بدأت المواقع الالكترونية تكشف عنها والتي تثبت بأن رسل الحضارة الغربية ارتكبوا حديثاً جرائم مذهلة ضد المدنيين الآمنين في العراق وأفغانستان وباكستان وفلسطين المحتلة، وأن وثائق رسمية بعشرات الآلاف سوف تنشر كأدلة وشهادات على (بربرية العالم المتحضر) وإذا كان ماركس قد أسهب في وصف (المستغل الرأسمالي) الذي يحمل السكين بين أسنانه فإن خبراء الشرق المعتمدين يسهبون في وصف (الأصولي الإسلامي) الذي (يحمل العلم الأخضر بين أنيابه) وهؤلاء يزعمون بأن كل ما يجري ويجري منذ 11 أيلول 2001 إنما هو استمرار للمجابهة بين الشرق والغرب وتكريس لحرب دينية قديمة ولدت على ضفاف البحر الأبيض المتوسط ولم تعرف حتى الآن وقف إطلاق النار. ‏

وما زال الإعلام المتغطرس يتحدث عن هذا الحشد من ذوي اللحى الذين (يلقون بأنفسهم علينا وهم متمنطقون بالقنابل، هؤلاء يذكرونا بالأندلس وطارق بن زياد و14 قرناً من الصراع الدموي بين الشرق والغرب). ‏

-2- ‏
أهم مفكر سياسي أميركي طرح فكرة (صراع الحضارات) هو (صموئيل هنتيكتون)، مستشار الرئيس السابق (كارتر) وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفرد، ومؤسس مجلة (فورين افيرز) صدر له حديثاً كتاب جديد أسماه من نحن؟ يتهم فيه النخب الأميركية المتعولمة بأنها تنكرت للقيم الأنكلوساكسونية الأصلية. إنه ما زال متعصباً (لليبرالية المنفتحة) التي تجسد- كما يزعم- الأكثرية البيضاء المتمركزة في مدينة بوسطن، في وجه انحطاط الغرب (الملوث بالحضارات الأخرى التي تحاصره) وتسعى إلى تخليه عن أصالته وطهارته أجرت معه أسبوعية (لوبوان) مقابلة مهمة حول كتاب (مَن نحن)؟ رأيت أن أقتطف منها فقرات مهمة. ‏

-3- ‏
س: أعلنت منذ عشر سنوات في مقال نشر في مجلة فورين افيرز عن قرب قيام حرب بين الغرب والاسلام، فهل تعتقد أن هذه الحرب قد قامت في 11 أيلول 2001، والرد الأميركي عليها في الشرق الأوسط وفي العراق وفي فلسطين؟ ‏

ج: أنا لم أتنبأ بقيام هذه الحرب، وإنما تنبأت بصراع بين الحضارات وما قمت بتحليله هي المخاطر الناجمة عن انتشار صراعات حدودية في كل مكان في العالم تقوم على أسس التوترات الإثنية والعشائرية والدينية بين الحضارات المختلفة وأشرت بشكل خاص إلى الصراع الذي سيقوم بين العالم العربي والإسلام والعالم الغربي، في شقيه الأميركي والأوروبي، ووجدت أن الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1970 هي المنطلق لهذا الصراع بين الحضارات، وما نشاهده اليوم هو تكملة مأساوية لهذه المجابهة بين الإسلام والغرب التي تهدد بإشاعة عدم الاستقرار في العالم. ‏

س: ولكن ما خصائص هذه المجابهة؟ ‏

ج: إنها مجابهة على امتداد الكرة الأرضية هناك مجموعات صغيرة من الإسلاميين المنظمين على شكل خلايا تضرب بشكل منهجي ومنظم المصالح الغربية في كل مكان، وهي مزروعة في كل البلدان الغربية (كطابور خامس) تعمل على التخريب في الداخل. وفي قناعتي أن عولمة الصراع بين الإسلام والغرب بدأت منذ عام 1990 بعد أن تكاثرت وتنوعت الصراعات الإقليمية وقامت جماعات إسلامية مختلفة بالسعي إلى التحرر من سيطرة البلدان غير المسلمة وهذا ما رأيناه في كوسوفو والبوسنة والشيشان وكشمير، وهذا ما حدث بعد انطلاق الانتفاضة الثانية في الصراع العربي- الاسرائيلي، وبعد احتلال أفغانستان والعراق، لقد خلقت الولايات المتحدة مواطن متقدمة للمجابهة بين الغرب والإسلام وعليها أن تتحمل النتائج المدمرة لهذه المجابهة. ‏

-4- ‏
س: ولماذا لم يأخذ الغربيون تحليلك على محمل الجد؟ ‏

ج: كان الغرب في التسعينيات، يعيش في مناخات الحرب الباردة، وقد بدا له صراع الحضارات آنئذ، وكأنه يقوم على احتمال عودة الأنظمة الشمولية التوتاليتارية، وأنا أفهم هذا الموقف وأعلم لماذا غلب التفاؤل معظم القادة السياسيين في الولايات المتحدة وأوروبا، إذ كان يجمعهم قاسم مشترك هو الاعتقاد بأن قيام عالم موحد متجانس يتبنى الديمقراطية والليبرالية أصبح وشيكاً بعد سقوط جدار برلين، وأن هذا العالم سيكرس الحضارة الغربية الموحدة في كل مكان، وقد ثبت أن هذه الرؤيا هي خاطئة. ‏

س: ولماذا لم يؤخذ برأيك حول العراق؟ ‏

ج: فكرة الحرب على العراق فكرة رديئة، وقد قلت بكل صراحة، قبل بدء هذه الحرب: (إذا دخل الأميركيون العراق فستقوم حربان، لا حرب واحدة، الحرب الأولى ضد (صدام حسين) ونظامه وجيشه وأعوانه، وسيكسب الأميركيون هذه الحرب بسهولة في غضون شهر ونصف. أما الحرب الثانية فستكون ضد الشعب العراقي)، وقد بدأت فعلاً بعد سقوط نظام (صدام حسين) وتفجرت بشكل خطر بعد ثورة السنة في مدينة الفالوجة، وثورة الشيعة في النجف، وهذه الحرب لن يكسبها الأميركيون على الإطلاق. ‏

س: موقفك المعادي لحرب العراق أدهش الكثير، لأنك تدافع عن القيم الغربية في وجه الزحف الإسلامي، ألم تكن الحرب على العراق رد الفعل المنتظر بعد حوادث 11 أيلول؟ ألم يكن المحافظون الجدد على حق حينما أصروا على ضرورة نشر الديمقراطية والازدهار داخل العالم العربي الإسلامي، ولو بالقوة؟ ‏

ج: أنا مؤمن بالقيم الغربية، وبضرورة الدفاع عنها، ونشرها في كل مكان، وأنا مؤمن بضرورة الالتزام بحقوق الإنسان والديمقراطية، ولكن علينا أن نكون واقعيين، لم يعد الغرب يسيطر سيطرة كاملة على العالم، كما كان يفعل عشية الحرب العالمية الأولى، والحضارة الإسلامية تشكل اليوم كتلة ايديولوجية قادرة على إرغام الغرب على التخلي عن كل مشروع يدعو إلى عولمة حضارته، علينا أن نعترف أن حضارات عظيمة كالحضارة الصينية، والحضارة العربية الإسلامية تزدهر من دون أن تقاسمنا قيمنا، وتتطور وتتفولذ بتسارع خاص بها، لا علاقة له بتوجهنا ولا بمصالحنا، إن محاولة فرض التغيير عليها أمر غير مرغوب ولا مطلوب، ولا هو بالأمر الممكن. ثم إن هامش الحركة عندنا، وحماية مصالحنا تفرضان علينا أن نراهن على تطور النخب في هذه البلدان لا على مدفعيتنا وطائراتنا وصواريخنا. ‏

-5- ‏
س: ولكن هل يمكن أن تستقر الأمور في العالم العربي الإسلامي؟ ‏

ج: مشكلة العالم العربي- الإسلامي أنه منقسم- ولا توجد دولة كبيرة تمثله وتوحده كما هو الأمر في الصين، الدول الكبيرة القادرة على الصهر والتوحيد، طبعاً هناك مصر، الباكستان، العربية السعودية، إندونيسيا، إيران، تركيا، ولكن هذه الدول متنازعة وغير قادرة على توحيد العالم الإسلامي، على أن تركيا مرشحة لأن تلعب دوراً قيادياً مهماً، ولكن من المؤسف أن يزداد العالم الإسلامي شرذمة وتفتيتاً، ولا أمل في التوصل إلى وحدته في المستقبل القريب. ‏

س: تتحدث عن تركيا، فهل من الخطأ أن تقبل في الاتحاد الأوروبي؟ ‏

ج: كثيرون في أوروبا مقتنعون بأن الاتحاد الأوروبي لن يتحمل دخول 70 مليون مسلم فيه، والزعامات الأوروبية محقة على رفض إدخال تركيا إلى الوحدة الأوروبية، وقد أعلن الرئيس السابق (جيسكار ديستان) أنه ضد قبول تركيا بكل صراحة، وحذا حذوه الرئيس الحالي (ساركوزي)، وأنا مقتنع بأنه من الأفضل لتركيا أن تختار الانضمام إلى العالم العربي الإسلامي، وأن تلتزم بتراثها الإسلامي الذي حاول (أتاتورك) أن يطمسه ويزيله من دون طائل، تركيا بلد إسلامي مستقر، ونظامها الديمقراطي قد ثبت أمام التحديات، ويمكنها أن تلعب دوراً ريادياً في العالم العربي الإسلامي. ‏

-6- ‏
على أن (برونو اتيين) -خبير غربي آخر في شؤون الشرق- يؤكد أن المجابهة الحالية بين الإرهاب المتطرف والعولمة والمتغطرسة لا علاقة لها بعالم (صلاح الدين) و (ريتشارد) قلب الأسد وأن الإسلام الحديث يستهدف الأنظمة الفاسدة في العالمين العربي والإسلامي أكثر من استهدافه العولمة الغربية وأن عدد ضحايا (الإرهاب) من المسلمين يفوق عدد ضحاياه في الغرب، وأن 90% من الفرنسيين المهاجرين هم اندماجيون ومتأوربون، وهذا ينطبق على أتراك ألمانيا وباكستانيي بريطانيا، وها هو (جاك غودي) في كتابه الحديث (الإسلام في أوروبا) وهو أستاذ مشهود له بالكفاءة في جامعة كامبردج يؤكد أن الإسلام هو دين (أوروبي) تغلغل في إسبانيا والبلقان وأن هناك 15 مليون مسلم في أوروبا وهذا يعني أن الإسلام لا يمثل (الآخر) و لا (الفكر المعادي) وإنما هو جزء لا يتجزأ من الثقافة الغربية ثم هاهو (فيدرين) وزير خارجية فرنسا السابق الذي يرى أن هناك ثلاث زمر من الناس تؤجج الصراع المزعوم بين الحضارتين دعاة العولمة الشمولية الذين يعتقدون أن هناك أنموذجاً موحداً للحضارات لابد من أن يسود العالم والمتعصبين ضد الإسلام من مستشرقي الغرب الذين لا يرون في الإسلام إلا التحجر المذهبي، وأخيراً الإسلاميون الحداثيون الذين يرفضون التراث الإسلام لأنه يضعهم بين المطرقة والسندان. ‏

-7- ‏
أذكر أنني أجريت لقاء مع (هنري كيسنجر) نشر في حينه في صحيفة تشرين وكان قد ترك الخارجية وأصبح أستاذاً في جامعة جورج تاون: ‏

سألته سؤالاً (مهنياً) كان من الممكن أن يطرحه أي صحفي مبتدئ: ‏

- السلام هل هو آتٍ إلى الشرق الأوسط؟ ‏

قال بصوته الأجش: ‏

- نعم، إنه آتٍ ‏

فقلت مستوضحاً: ‏

- السلام العادل والشامل؟ ‏

فقال بغطرسته: ‏

(أي سلام عادل؟ إنه سلام الأمر الواقع، ألا ترى أن الشرق الأوسط هو برميل بارود، هل استسلمت اليابان إلا بعد هيروشيما، ويبدو أنكم في الشرق الأوسط لن تتأقلموا إلا بعد هيروشيما مماثلة. ‏
وشعرت بالذعر وفي مثل الحدس الخفي أدركت أن النظام العالمي الجديد آت بكل بربريته وعنجهيته وأنه سيحاول القضاء على التماعة المقاومة، ووقفة الكرامة وها قد تحققت نبوءة (كيسنجر) اللعين. ‏

-8- ‏
ويزعمون في عواصم الغطرسة المعولمة أن الخطر الحقيقي آتٍ من المتحدرين من الجبال الذين يلقون بأنفسهم وهم متمنطقون بالقنابل؟ ‏


د. غسان الرفاعي

المصدر: تشرين ‏

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...