دوحة فلسطينية في باريس..ساركوزي يسرع الخطا نحو مصالحة فلسطينية

29-07-2008

دوحة فلسطينية في باريس..ساركوزي يسرع الخطا نحو مصالحة فلسطينية

من يعرف إيف أوبان دو لا ميسوزيير وعلاقته بالعالم العربي عموماً وبالوضع الفلسطيني خصوصاً، يعرف أن زياراته المتكررة الأخيرة لغزة ليست أكاديمية، فمسار الرجل يشبه إلى حد بعيد مسار جان كلود كوسرون سواء إبان عملهما الوظيفي الدبلوماسي أم غيره ويعرف الرجلان جيداً كيف يوظفان خبراتهما ومعرفتهما فلا تبقى معرفة أكاديمية ولا تبقى الدبلوماسية وظيفة ينتهي مفعولها بزوال المنصب.
إيف أوبان دو لا ميسوزيير، رئيس دائرة الشرق الأوسط سابقاً في الخارجية الفرنسية وسفير سابق في أكثر من دولة عربية وخاصة في تونس التي كانت محطة فلسطينية مهمة. بنى خلالها معظم علاقاته الممتازة مع الأوساط الفلسطينية وغيرها والتي كانت تتخذ من تونس مقراً أساسياً لنشاطاتها (الدبلوماسية جداً). هو اليوم محور التحرك الفرنسي في فلسطين.
كان قد زار غزة عدة مرات لأسباب (أكاديمية) كما يحلو للخارجية الفرنسية أن تسوّغ هذه الزيارة. بالطبع يمكننا أن نصدق أن أكاديميات غزة وأكاديمييها ومراكز البحوث المنتشرة فيها على (الشاطئ) وفي رفح وفي شارع صلاح الدين وشارع شارل ديغول، محط اهتمام هذا الدبلوماسي الفرنسي وفريق عمله وخاصة في هذا الوقت بالذات وتحت الحصار.
لكن ليس المهم أن نصدق، نحن المتابعين أو المراقبين، بل على العكس المهم ألا نصدق، المهم أن هذا الرجل هو اليوم في فلسطين في مهمة. وكما اعترف وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير في السابع عشر من حزيران أن إيف أوبان دو لا ميسوزيير التقى فعلاً قيادات من حماس بعد أن سرب هو نفسه خبر الزيارة، فإن الجميع ينتظر أن يعيد كوشنير اعترافه مضيفاً عليها نتائج أولية لها بعد أن صارت باريس قادرة على أن تقوم بدور ما.
واللافت أيضاً أن كوشنير نفسه كان قد أعلن في اليوم التالي لاعترافه بلقاء إيف أوبان دو لا ميسوزيير بقيادات حماس (في ١٨ حزيران) عن تهدئة بين إسرائيل وحماس التقطتها مصر وأهدتها باريس لها.
المصادر الفرنسية تروج أن فكرة الانفتاح على حماس جاءت في إطار السعي لإنجاح مشروع الاتحاد من أجل المتوسط وأن توافقاً أوروبياً ضمنياً قد جرى حول ضرورة هذا الانفتاح والتحضير لشطب اسم حماس من لوائح المنظمات الإرهابية في الاتحاد الأوروبي وإطلاق الجندي الإسرائيلي- الفرنسي جلعاد شاليط. وكان حزب اللـه وحماس. رفضا بشكل قاطع عرضاً ألمانيا بضم شاليط إلى شروط عملية تبادل الأسرى التي جرت بين حزب اللـه وإسرائيل. ويقول الخبراء: إن حزب اللـه وحماس قد وعيا جيداً أن وراء هذا العرض الولايات المتحدة التي كانت تسعى لإضعاف أوراق حماس التفاوضية مع الاتحاد الأوروبي وفرنسا خصوصاً. على حين تعززت هذه الأوراق بشكل كبير في الشهرين الأخيرين وخاصة مع الانفتاح السوري- الفرنسي الذي يراهن عليه ساركوزي بشكل كبير لحلحلة مجمل العقد في المنطقة وفتح أبواب واسعة لدور فرنسي لا ينحصر بدور دافع الشيكات وترميم ما تدمره الآلة العسكرية والسياسية الأميركية- الإسرائيلية.
وقد سبق زيارة إيف أوبان دو لا ميسوزيير زيارة القنصل العام الفرنسي في القدس المحتلة آلان ريمي إلى غزة مباشرة بعد لقاء الرئيس الأسد والرئيس ساركوزي في محاولة من ساركوزي للإيحاء أن الرئيس السوري منفتح على المشاركة في حل مشكلة غزة عموماً والسعي لبلورة عملية متشابكة متكاملة تضم في سلة واحدة إطلاق الجندي شاليط، الغالي على قلب ساركوزي،
وشطب حماس من لائحة الإرهاب، والعمل على مصالحة فلسطينية- فلسطينية وأن القصر الجمهوري الفرنسي مستعد للذهاب بعيداً في هذه المصالحة بمساعدة سورية وقطر أيضاً. ولا يخفي الفرنسيون قناعتهم أن الفرصة سانحة جداً لتغيير قواعد اللعبة بعد المصالحة الفرنسية– السورية في الظروف الحالية التي تمر بها إسرائيل وفي ظل استمرار عملية التفاوض غير المباشر بين سورية وإسرائيل والرغبة السورية بدور فاعل لفرنسا وأوروبا في المرحلة التالية.
ويعلق الفرنسيون أهمية خاصة على دور دولة قطر وأميرها الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني على صورة ما حدث في لبنان. لكن المصادر الفرنسية لا تخفي خوفها الكبير من ضغوط عربية أكبر وأوسع وربما لانتقال الخلافات العربية إلى مرحلة أخرى نتيجة تعاظم الدورين السوري والقطري في المنطقة، وخاصة أن ثمة اتفاقاً سابقاً برعاية سعودية لم يتم احترامه ولم تستطع السعودية فرض احترامه. كذلك الأمر بالنسبة لما يسمى المبادرة اليمنية وهذه الأخيرة لا تزعج فرنسا على الإطلاق حيث إن لقاء قريباً جداً بين الرئيس اليمني والرئيس ساركوزي سيجري البحث فيه بإعادة صياغة للمبادرة، كما أن دخول قطر وفرنسا على الخط الفلسطيني سيثير غضب مصر التي ترى أن الملف الفلسطيني وتحديداً ملف غزة هو ما تبقى من دور أعطي لها وليس من السهل التخلي عن آخر أوراقها كلاعب رئيسي في المنطقة.
لكن الدوائر الفرنسية تتخوف من أن تكون الاشتباكات الأخيرة في غزة والتراشق الإعلامي مؤشراً إلى رفض بعض الأطراف إعطاء دور لفرنسا وأوروبا في الملف الفلسطيني، بعد النجاح في الملف اللبناني، يمكن أن ينقل مجمل ملف الشرق الأوسط إلى أيد أوروبية. ولا تخفي المصادر الفرنسية قلقها من الاختراقات داخل الصف الفلسطيني وخاصة أن أي مصالحة لن تكون بلا ثمن يدفعه طرف أو جهة ما، وهي تعزو بشكل غير مباشر ما حدث في اليومين الأخيرين في غزة إلى هذه الاختراقات وتراقب باهتمام ما ستقوم به حماس وردود الفعل العربية والإسرائيلية والفلسطينية عليه.
ويبدو واضحاً من باريس أن ساركوزي وفريقه الخاص يسعيان لأن ينتهيا من ملف المصالحة الفلسطينية في بنوده المتعددة قبل زيارته لدمشق على أن يبدأ التنفيذ بعد الزيارة مباشرة، ولا يخفي مقربون من الرئيس ساركوزي أنهم تلقوا إشارات إيجابية من إسرائيل للخوض بهذه المبادرة، إشارات قدمتها وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني وكذلك رئيس الوزراء الحالي إيهود أولمرت ورئيس دولة الكيان شمعون بيريز معاً، أي إنها ضمنت الأقطاب، فالجميع لهم مصلحة الآن وربما ليس غداً.

عيسى الأيوبي

المصدر: الوطن السورية

 


 

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...