الوجود الأمريكي في العراق: انسحاب أم إعادة انتشار؟

16-03-2009

الوجود الأمريكي في العراق: انسحاب أم إعادة انتشار؟

الجمل: تشهد العلاقات التركية – العراقية في هذه الأيام نشاطاً متزايداً وعلى ما يبدو لم يعد الأمر على خط بغداد – أنقرة متعلقاً بالملفات التقليدية مثل ملف الأزمة الكردية وملف التجارة وملف مياه دجلة وإنما بدأت تبرز العديد من الملفات الجديدة التي بدأت تظهر على خلفية القاسم المشترك الأعظم على خط بغداد – أنقرة والمتمثل في تأثير العامل الأمريكي.
مثلث بغداد – أنقرة – واشنطن:
أشارت اتفاقية وضع القوات الأمريكية في العراق وتناقلت التقارير بعض المعلومات والتسريبات التي تفيد لجهة أن عملية سحب القوات الأمريكية من العراق ستتم عن طريق الأراضي التركية.
لاحقاً، وعلى خلفية النوايا الأمريكية -التي ما زالت خافتة- القائلة أن عملية سحب القوات الأمريكية من العراق ستتم وفقاً لمخطط إعادة انتشار القوات الأمريكية في العراق فإن بعض التحركات الأمريكية وعلى وجه الخصوص على الصعيد الدبلوماسي تشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى الآتي:
• إكمال مشروع نشر القواعد العسكرية الأمريكية في العراق.
• ربط شبكة القواعد الأمريكية في العراق مع شبكة القواعد الأمريكية في تركيا وشبكة القواعد العسكرية في السعودية والخليج.
تشير التسريبات والمعلومات إلى أن الربط العسكري الأمريكي سيستند إلى ربط مصالح خط الرياض – بغداد – أنقرة ضمن شبكة تعاون اقتصادي – أمني تكون لواشنطن فيه الكلمة العليا واليد والعليا.
* دبلوماسية واشنطن ومساعي جمع مثلث أنقرة – بغداد – الرياض:
تخطيط الدبلوماسية الأمريكية الشرق أوسطية يقوم على أساس اعتبارات عاملين رئيسيين هما:
• المتغير الأمني الإقليمي: ويركز على أولويات أمن إسرائيل.
• المتغير الاقتصادي الإقليمي: ويركز على أولويات السيطرة على الموارد النفطية.
على هذه الخلفية تستند عملية تخطيط الدبلوماسية الأمريكية الشرق أوسطية، على أساس بناء التحالفات والتجمعات الإقليمية التي تساعد واشنطن لبناء مجال حيوي إقليمي شرق أوسطي يتكون من حلفائها الرئيسيين في المنطقة، أو بالأحرى الأطراف والقوى السياسية التي نجحت واشنطن في السيطرة عليها، وتأسيساً على ذلك، نشير إلى الآتي:
• نجحت واشنطن في السيطرة على العراق بالوسائل العسكرية بما أدى إلى وضع العراق تحت الاحتلال العسكري الأمريكي المعلن.
• نجحت واشنطن في السيطرة على السعودية وبلدان الخليج بالوسائل العسكرية طالما أن نشر القواعد العسكرية الأمريكية بكثافة قد أدى إلى وضع هذه البلدان تحت الاحتلال العسكري الأمريكي غير المعلن.
• نجحت واشنطن في ربط تركيا بسلسلة من الاتفاقيات العسكرية والأمنية والسياسية بما أدى إلى وضع تركيا لفترة طويلة تحت دائرة السيطرة والنفوذ الأمريكي وإن كان صعود حزب العدالة والتنمية بات يهدد هذه السيطرة.
حتى الآن لم تنجح دبلوماسية واشنطن في تجميع أطراف مثلث أنقرة – بغداد – الرياض، في صيغة تحالفية إقليمية معلنة فلم يتم أي اجتماع قمة مشترك معلن ولم يتم التوقيع على أي معاهدة أو اتفاقية تضم أطراف هذا المثلث ولكن ما هو واضح يتمثل في التحركات الدبلوماسية  الأمريكية المكثفة على خط مثلث أنقرة – الرياض – بغداد.
* جدول أعمال الدبلوماسية الأمريكية إزاء مثلث أنقرة – بغداد – الرياض:
تنظر واشنطن بقلق بالغ إلى صعود مثلث دمشق – طهران – أنقرة باعتباره يمثل الخطر الحقيقي للنفوذ الأمريكي في المنطقة، إضافة إلى تزايد مخاوف الإسرائيليين من صعود هذا المثلث وما هو مقلق لأمريكا وإسرائيل بقدر أكبر يتمثل في صعود هذا المثلث الذي سيترتب عليه انضمام بغداد لاحقاً بعد خروج القوات الأمريكية بحيث يتحول المثلث إلى مربع دمشق – أنقرة – بغداد – طهران، وعندها سوف لن يكون لمحور القاهرة – الرياض أي قيمة استراتيجية حقيقية في المنطقة، إضافة إلى احتمالات أن يسعى محور الرياض – القاهرة إلى الانضمام إلى هذا المربع. والذي يمكن لاحقاً أن يتحول إلى تجمع إقليمي كبير شديد القوة يمارس سيطرة حقيقية على منطقة الشرق الأوسط ذات الأهمية الحيوية استراتيجياً وجيو-ستراتيجياً على مستقبل النظام الدولي، وبالتالي فمن الواضح أن التحركات الدبلوماسية الأمريكية الناشطة على أطراف المثلث تسعى إلى تطبيق أجندة دبلوماسية وقائية أمريكية تهدف إلى تحقيق الآتي:
• إرغام الرياض وبقية دول الخليج لجهة المزايا بما يغري أنقرة على بناء الروابط مع الرياض.
• إرغام بغداد على القيام بدور الجسر الواصل بين أنقرة والرياض.
• ربط الأطراف الثلاثة بشبكة بنيات تحتية تتيح إدماج أسواقها الداخلية ضمن شبكة مصالح تجارية – مالية – اقتصادية إقليمية.
• ربط الأطراف الثلاثة باتفاقيات تعاون أمني – عسكري بإشراف أمريكي ضمن مظلة محاربة الإرهاب.
على ما يبدو، فإن الهدف الحقيقي للدبلوماسية الوقائية الأمريكية يتمثل في:
• إبعاد أنقرة عن دمشق وطهران.
• إبعاد بغداد عن دمشق وطهران.
مع ملاحظة أن دبلوماسية واشنطن تسعى حالياً إلى العمل بشكل مزدوج من أجل:
• السعي لإبعاد دمشق عن طهران عن طريق التلويح لدمشق ببعض المزايا والوعود الدبلوماسية.
• السعي لإبعاد طهران عن دمشق عن طريق المشاورات والتفاهمات الجارية حالياً مع إيران لجهة إقناعها بالتعاون مع أمريكا في أفغانستان وآسيا الوسطى.
برغم أن السياسة هي فن الممكن كما يقولون فإن حقائق معطيات التاريخ والجغرافيا ظلت تؤكد بوضوح أن الدبلوماسية مهما أوتيت من قوة فإنها لن تستطيع تجاوز هذه الحقائق أو إبطال فعاليتها فالجوار الإقليمي التركي – السوري تفرض معطياته حضوراً قوياً على دبلوماسية خط دمشق – أنقرة والجوار التركي – الإيراني تفرض معطياته حضوراً قوياً على دبلوماسية خط أنقرة – طهران والشيء نفسه بالنسبة لخط دمشق – بغداد، وأنقرة – بغداد، وبغداد – طهران.
تحدث رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل قائلاً أن الأمريكيين لا يلجأون لتطبيق ما هو صحيح إلا بعد أن تفشل محاولاتهم في تطبيق كل ما هو خاطئ، والشيء ذاته ينطبق بحذافيره على دبلوماسية واشنطن الوقائية الشرق أوسطية، فقد حاولت إبعاد الرياض والقاهرة عن دمشق، ولكن قمة الرياض المصغرة الأخيرة أكدت أن هذا غير ممكن، والآن بدأت دبلوماسية أمريكا المساعي لتطبيق المسار الخاطئ الثاني الذي ربما يليه المسار الثالث، ولكن بعد أن تستنفد دبلوماسية واشنطن كل مساراتها الوقائية الخاطئة، فإنه سوف لن يكون أمامها سوى المسار الصحيح الذي كلما طال انتظاره كلما كانت خسائر المصالح الأمريكية في المنطقة أكثر فأكثر، كما تقول حقائق تاريخ وجغرافيا الشرق الأوسطية القديم والمعاصر.


الجمل: قسم الدراسات والترجمة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...