أصدقاؤنا السعوديون هم من يموِّلون عمليات القتل الجماعي في الشرق الأوسط

10-12-2013

أصدقاؤنا السعوديون هم من يموِّلون عمليات القتل الجماعي في الشرق الأوسط

الجمل ـ باتريك كوبيرن – ترجمة عبد المتين حميد:
قام المتبرّعون السعوديون علانيّةً بلعب دورٍ محوري في إنشاء الجماعات الجهاديّة طوال السنوات الثلاثين الماضية. و على الرغم من قرار الولايات المتحدة و حلفائها منذ 9/11 بشن "الحرب على الإرهاب", إلا أنّهم أظهروا قدرة عجيبة في الامتناع عن الضغط على السعودية و الملكيات الخليجية لإجبارهم على إيقاف دعمهم المالي الذي يؤمّن استمرارية الجهاديين.
يوجد تصريحين أمريكيين يؤكدان على خطورة هذه التبرعات و قد بُنيت الاستنتاجات فيهما بالاعتماد على أفضل المعلومات المتاحة لدى الحكومة الأمريكية. التصريح الأول في "تقرير لجنة الحادي عشر من أيلول" و فيه "لم يقم أسامة بن لادن بتمويل القاعدة لأنه و منذ عام 1994 لم يعد يملك سوى القليل من المال و كان يعتمد على بعض الشخصيات السعودية الغنية التي ارتبط بها خلال الحرب الأفغانية في الثمانينيات". و بعد استناد اللجنة إلى تقرير تحليلي الصادر عن وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إي) بتاريخ 14/11/2002, خلصت إلى مايلي: "يبدو أنّ القاعدة تعتمد على مجموعة مركزية من الوسطاء الماليين لجمع الأموال من العديد من المانحين و جامعي التبرعات الآخرين المتواجدين بشكل رئيسي في دول الخليج وخاصة في السعودية".
مرّت سبع سنوات على كتابة تقرير السي آي إي قامت خلالها الولايات المتحدة بغزو العراق لمحاربة فرع القاعدة المُنشأ حديثاً في العراق دون غيره من أفرع القاعدة في العالم, و أيضاً انغمست الولايات المتحدة في حرب دموية مع حركة طالبان في أفغانستان. و استخدمت خلالها الزنانات  لضرب الكثير من الأهداف, لمجرد الاعتقاد بأنها مرتبطة بالقاعدة, على كامل امتداد المنطقة من وزيرستان في شمال غرب باكستان إلى القرى في تلال اليمن. و لكن طوال هذا الوقت لم توجه الولايات المتحدة سوىا القليل من عبارات اللوم تجاه السعودية حيال قيامها بتنمية المقاتلين الطائفيين المتعصبين خارج حدودها.
الدليل على دعم السعوديين للإرهاب هو البرقية المذهلة عن "تمويل الإرهاب" التي أرسلتها وزيرة الخارجية هيلاري كلنتون إلى السفارات الأمريكية بتاريخ 30/12/2009 و التي سربها موقع ويكيليكس في العام 2010. أكّدت كلينتون فيها: "يشكّل المتبرعون في السعودية المصدر الرئيسي لتمويل الجماعات الإرهابية "السنية" في شتى أرجاء العالم". فبعد ثماني سنوات على أحداث 9/11, و التي ثبت أنّ 15 من أصل 19 مختطِف كانوا سعوديين, تكرر السيدة كلنتون في نفس البرقية: "تبقى السعودية الداعم المالي الأهم لكلٍّ من القاعدة و طالبان و جماعة عسكر طيبة في باكستان و غيرهم من الجماعات الإرهابية". على الرغم من أنّ السعودية هي الطرف الأبرز في استمرارية هذه الجماعات إلا أنها لم تكن الداعم الوحيد, فتنظيم القاعدة و غيره من الجماعات الإرهابية تابعت استغلالها للكويت كمصدر للتمويل و كنقطة عبور رئيسية".
هنا ياتي السؤال: لماذا يُعامِل الأمريكيون و حلفاؤهم الأوروبيون السعوديين بهذا القدر العالي من ضبط النفس, مع علمهم بأن السعودية هي المركز الرئيسي للقاعدة و غيرها من التنظيمات الجهادية الطائفية؟ يوجد تفسير واضح لذلك و هو: عدم رغبة الولايات المتحدة و بريطانيا و غيرهما بإثارة استياء الحليف المقرب, بالإضافة إلى أنّ العائلة الحاكمة السعودية قد استخدمت أموالها لتحجز مقعدها ضمن الطبقة الحاكمة الدولية. و قد جرت العديد من المحاولات البائسة لربط إيران و العراق بالقاعدة, مع أنّ المجرم الحقيقي على مرأى من الجميع.
و لكن يوجد سبب أقوى يُجبر القوى الغربية على التلكؤ في شجب آل سعود و الحكام الخليجيين لنشرهم التعصب و الكراهية الدينية. فأعضاء القاعدة أو الجماعات المتأثرة بالقاعدة لديهم وجهتي نظر متناقضتين حول تحديد عدوهم الرئيسي. فبالنسبة لأسامة بن لادن كان عدوه الرئيسي هو الأمريكيين, بينما بالنسبة لغالبية الجهاديين الآخرين بما فيهم أفرع القاعدة في العراق و سوريا (داعش و جبهة النصرة) فهدفهم هو الشيعة. و الشيعة هم الذين يموتون بالآلاف في العراق وباكستان، وحتى في بلدانٍ يتواجد فيها القليل من الشيعة لقتلهم, مثل مصر. أما في سورية فقد عمد تنظيما داعش و جبهة النصرة إلى تكفير كل من يخالفهما و تحليل قتله حتى و لو كان من أهل السنة. لم تعد الصحف الباكستانية تعير اهتماماً لمئات الشيعة الذين يذبحون في كويتا أو لاهور. وفي العراق فإن قنابل تنظيم القاعدة في العراق حصدت أكثر من 7 آلاف مواطن عراقي هذا العام غالبيتهم من المدنيين الشيعة.
لنفرض أنّه تم توجيه واحداً بالمئة من هذه الاعتداءات الشرسة ضد أهدافٍ غربية, هل كان سيُظهر الأميركيون و البريطانيون كل هذا اللطف تجاه السعوديين و الكويتيين و الإماراتيين؟ بالطبع لا. فغض الطرف عن دعم السعودية و الدول الخليجية للإرهاب يفضح زيف الادعاءات التي تطلقها البيروقراطيات الأمنية في واشنطن و لندن حول نجاحها في محاربة الإرهاب بهدف تبرير ميزانياتها الضخمة و تبرير التضييق على الحريات المدنية للأشخاص الآخرين. جميع الزنّانات في العالم التي استهدفت القرى الباشتونية في باكستان أو مثيلاتها في اليمن أو الصومال لن تشكّل فارقاً فيما لو اتفق الجهاديون السلفيون في سوريا و العراق –كما فعل بن لادن ذات يوم– بأن عدوهم الرئيسي هو الولايات المتحدة وبريطانيا و ليس الشيعة.
فبدلاً من انشغال الأجهزة الأمنية بالهواة ممن يضعون المتفجرات في أحذيتهم أو في ألبستهم الدخلية, يجب عليها أن تتصدى للحركات الجهادية في العراق وسوريا وليبيا، التي تفرّخ المئات تلو المئات من صانعي القنابل و الانتحاريين. فقط في هذا العام و بشكل تدريجي بدأت مقاطع الفيديو الواردة من سوريا، التي تظهر فيها عمليات قطع رؤوس أشخاص من غير السنة وبدوافع طائفية، بإثارة اهتمام القوى الغربية التي لم تكن تكترث بالجهاديين طالما أن أعمالهم ليست موجهة ضد الغرب.
و فيما يتعلق بالحرب في سوريا, فقد احتلت الحكومة السعودية موقع الوصيف في تمويل المتمردين تاركةً الصدارة لقطر، و لكن و منذ الصيف الماضي أمسكوا بكامل الملف السوري. كانوا يرغبون في تهميش داعش و جبهة النصرة مقابل شراء العديد من عصابات الحرب الأخرى وتسليحها لإسقاط الرئيس بشار الأسد. و يخطط القادة السعوديون (وزير الخارجية سعود الفيصل ورئيس جهاز المخابرات السعودي بندر بن سلطان ونائب وزير الدفاع سلمان بن سلطان) لإنفاق المليارات لأجل إنشاء جيش من المتطرفين السنة يتراوح تعداده ما بين 40 ألف إلى 50 ألف مقاتل. و قد تمّ بالفعل اتحاد العديد من زعماء الحرب المحليون لكي ينالوا نصيبهم من السخاء السعودي فكما يبدو أنّ حماستهم للمال أكبر من رغبتهم في القتال.
هذه الخطوة السعودية مدفوعة جزئياً بغيظ الرياض من قرار الرئيس أوباما بعدم شن الهجوم على سوريا عقب استخدام الأسلحة الكيمياوية في 21 آب الماضي. فما من شيء قادر على إسقاط الأسد سوى الهجوم الجوي الكاسح الأمريكي على غرار حملة الناتو الجوية في ليبيا في 2011. و قد استشاط السعوديون غيظاً عند نجاح المفاوضات التي قادتها الولايات المتحدة مع إيران و نتج الاتفاق المؤقت حول البرنامج النووي الإيراني.
من المحتمل أنّ السعوديين قد ارتكبوا خطأً بخروجهم من الظل في سوريا. فلن تفيدهم أموالهم سوى بشراء المزيد من المقاتلين, بينما الوحدة المصطنعة ما بين جماعات المتمردين, متسوّلي المال السعودي, لن تستمر. وهؤلاء سيُنظر إليهم من قبل الجهاديين المتعصبين و عامة السوريين على أنهم ليسوا أكثر من بيادق بيد أجهزة الاستخبارات السعودية و مثيلاتها. المعارضة المنقسمة سوف تزداد تفتتاً.
قد يقوم الأردن باستضافة أجهزة المخابرات السعودية و الكثير من أجهزة المخابرات الاجنبية, ولكنه لن يرغب بأن يكون مركز تجمّع "جيش محاربة الأسد".
تبدو الخطة السعودية فاشلة منذ بدايتها, ولو أنها قد تنجح في إيقاع المزيد من القتلى السوريين قبل إعلان هذا الفشل. قام "يزيد صايغ" من مركز كارنيغي للشرق الأوسط وبشكل موجز بتحديد المخاطر جراء التورّط في هذه المغامرة, حيث قال: "قد تجد السعودية نفسها تكرر تجربتها في أفغانستان, حيث أنشأت جماعات متمايزة من المجاهدين تفتقر إلى إطار عمل سياسي موحّد. هذه القوى عجزت عن إدارة كابول بعد الاستيلاء عليها, مما مهد الطريق أمام طالبان و من بعدها القاعدة لفرض سيطرتهما. إلى أن وصلت العواقب الوخيمة لهذا الدعم إلى السعودية نفسها."

باتريك كوبيرن – صحفي إيرلندي عمل مراسلاً لصحيفة الفايننشال تايمز في منطقة الشرق الأوسط منذ 1979, و حالياً هو مراسل صحيفة الإنديبندنت.

الجمل

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...