أمراض المبدعين خفيفها مطلوب وشديدها يدفع إلى الانتحار أو الجنون

20-06-2007

أمراض المبدعين خفيفها مطلوب وشديدها يدفع إلى الانتحار أو الجنون

تحقيق ـ سعاد جروس : هل للمهنة علاقة بالمزاج؟ الطب النفسي يجيب على هذا السؤال بنعم دامغة. والدليل على ذلك، هو ان الانتحار نادراً ما يكون مصير المعلمين أو المحامين، لكنه يراود الأدباء والمبدعين، وقد أطاح بالعديدين منهم في التاريخ القريب والبعيد. لكن إذا كان الرأي القائل بأن الاكتئاب هو من طباع المبدعين، من كتاب وفنانين تشكيليين، قد بات معروفاً ومألوفاً فإن الجديد اليوم، هو رأي طبي نفسي يقول إن الإعلاميين أكثر عرضة من غيرهم للإصابة بـ«الهوس» ومثلهم رجال الأعمال ونجوم الفن. فهل الإعلاميون مهوسون فعلا؟

انشراح مزاجي، درجه عالية من الحيوية والاندفاعية في التحدث بصوت مرتفع ومتواصل، أفكار مبالغ فيها عن الذات، الشعور بالعظمة، كثرة الانخراط بأنشطة ممتعة، من النوع الذي ينتج عنه قدر عال من الألم، النشاط الزائد المصحوب بسلوك طائش أو متهور، كالاتصال تلفونيا بصديق بعد منتصف الليل، الاستمتاع بشراء أشياء لا حاجه لها، إلخ. أعراض تحدث عنها الطبيب النفسي باسم عكاش، أثناء محاضرة اقيمت مؤخراً ، حول «الهوس والاكتئاب». وقال الطبيب إن المبدعين من أدباء وشعراء ورسامين أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب، أما الإعلاميون والممثلون ورجال الأعمال، فهم أكثر عرضة للإصابة بالهوس. بالعودة إلى بعض أعراض الهوس، استنتج المتناقشون أن غالبية من يعرفونهم من الإعلاميين والممثلين تنطبق عليهم تلك الأعراض، وكذلك الأمر بالنسبة لأعراض الاكتئاب، حتى أن الكآبة تكاد تكون الصفة الملازمة للمبدع، فهل كل هؤلاء مرضى في نظر علم النفس؟
نهلة حواط، طبيبة وزوجة إعلامي، ترد بالقول: مجرد دخول المرء إلى ميدان العمل الإعلامي يعني أنه أصيب بالهوس، ولا ترى أيا من الأعراض التي ذكرت «ينطبق على زوجها ومن تعرفهم من زملائه، سوى الاتصال بعد منتصف الليل للحديث عما أنجزوه خلال النهار، أو ما سينجزونه». وترى حواط أن أعراض الهوس أو الكآبة لها علاقة بدرجة الاستعداد الشخصي. وتضيف أنها تعجب بالمهوسين بعملهم أكثر من المكتئبين، فهي رغم متابعتها للنتاج الإبداعي وتقديرها للكثير من المبدعين، إلا أنها تفضل عدم التعاطي معهم شخصياً، بسبب سوداويتهم ونرجسيتهم. لأنها كما تقول «تبحث عن الفرح والتفاؤل بصمت».
بالعودة إلى تاريخ الأدباء والمبدعين، تطالعنا قصص عشرات المشاهير ممن دفعتهم الكآبة إلى الانتحار، كالرسام فان كوخ، الذي عبر عن الإحساس المقيت بالكآبة في رسالته الأخيرة لأخيه تيو: «إنني أتعفن مللا لولا ريشتي وألواني هذه. كل الأشياء تغدو باردة وباهتة بعدما يطويها الزمن... ماذا أصنع؟». سؤال لا بد أنه راود الكثيرين ممن أقدموا على الانتحار مثل كوستلر، همنغواي، يسينين، ماياكوفسكي، مونترلان، بولنتزاس، كاواباتا، فرجينيا وولف، جاك لندن وميشيما، الذي غرس السيف في صدره، بينما تولى شخص آخر قطع رأسه على مرأى من الجميع.
ظاهرة انتحار المبدعين معروفة تاريخياً ولا تزال مستمرة. ومنذ أشهر قليلة وجد الروائي العراقي مهدي علي الراضي، منتحراً في منزله بدمشق. كما أحصت الكاتبة جومانة حداد في كتابها الصادر حديثا بعنوان «سيجيء الموت وستكون له عيناك» مائة وخمسين شاعراً انتحروا في القرن العشرين، بينهم خمسة عشر شاعراً عربياً، هم: خليل حاوي (لبنان)، منير رمزي (مصر)، عبد الباسط الصوفي (سورية)، انطوان مشحور (لبنان)، تيسير سبول (الأردن)، عبد الرحيم أبو ذكري (السودان)، ابراهيم زاير (العراق)، قاسم جبارة (العراق) عبد الله بوخالفة (الجزائر)، كريم حوماري (المغرب)، صفية كتّو (الجزائر)، أحمد العاصي (مصر)، فخري أبو السعود (مصر)، فاروق أسميرة (الجزائر) مصطفى محمد (سورية). وإذا عدنا نحو التاريخ فهناك من الدارسين من يقول إن طرفة بن العبد وعمرو بن كلثوم، وأبو حيان التوحيدي انتحروا.
الانتحار بحسب علم النفس: «سلوك متعدد الدوافع، لا يولد في لحظة تنفيذه، وإنما يكون رابضاً كخيار في طبقات الوعي الغائرة إلى أن يطفو فوق السطح وينشط في ظروف معينة ليكون الخيار الوحيد». أما الشخص المصاب بالكآبة، فيكاد لا يشعر بالمحيط الذي حوله، وينعزل عن المجتمع ولا يفكر في المستقبل. لكن هناك من خرج من الكآبة، كالشاعر الراحل محمد الماغوط الذي دخل في عزلة بعد وفاة زوجته الشاعرة سنية صالح، استمرت لعدة سنوات، انقطع خلالها عن العالم الخارجي وتوقف الكتابة، مما حير أصدقاءه الذين ثابروا على زيارته، وكان ذلك عاملا ساعده على تجاوز محنته والعودة إلى العمل والحياة في العام 2000.
القاصة وكاتبة السيناريو والصحافية كوليت بهنا، تؤكد أهمية الصداقة لتجاوز الكآبة التي لا بد أن يمر بها كل الأشخاص، لأننا جميعاً معرضون لظروف صعبة. ومن خلال تجربتها تغلبت كوليت على حالة الكآبة التي عاشتها منذ فترة، عبر التماهي مع الطبيعة والناس وإعادة الدفء للعلاقات الإنسانية التي تربطها بالأصدقاء.
يرى بعض المختصين أن اجتماع الذكاء مع الحساسية، بالإضافة للشرارة الإبداعية لا تخلو من بذور جنون كامنة، قد تزيد من وهج الإبداع، كما قد تزيد في ظهور أعراض الأمراض النفسية، إلا أن ذلك لا يشكل يقيناً، رغم أن الاضطراب النفسي سمة من سمات التاريخ الشخصي لغالبية المبدعين. وقد تناولت الدراسات ظاهرة الكآبة والعزلة لدى الأدباء، فكتب تلمان جينز: «الشعراء غالباً ما يقدمون على الانتحار، ونادراً ما يقدم عليه المحامون والحرفيون والمعلمون، وكأن الانتحار خاصية وظيفية للكتاب والشعراء. اختيار الموت باعتباره آخر صفحة من رسالة الحياة، وبوصفه نهاية سعيدة، يصنعها فنانون تتماهى كتاباتهم مع الحياة فيعجزون عن الاستمرار في الكتابة، ويشعرون بعدم قدرتهم على مواصلة العيش، ما يدفعهم لوضع النهاية بعمل مستنكر».
الاهتمام الذي لاقته ظاهرة الكآبة لدى المبدعين، لم يلقه غيرها من الظواهر. فمن النادر العثور على قصة مبدع دفعه الهوس نحو الجنون، ليس لعدم إصابة أي من المبدعين بالهوس، بل لأن الهوس ما لم يكن بدرجة شديدة لا يعتبر مرضاً، كما أن الفرح والتفاؤل والمزاج العالي تعتبر من سمات الصحة.
الدكتور باسم عكاش الاختصاصي بالطب النفسي قال لنا: إن تشخيص المرض النفسي يعتمد على عدة معايير، أهمها انتفاء وجود مرض عضوي أو تأثير دوائي، وأية أعراض لا تعتبر مرضية إلا حين تشتد وتؤثر سلباً على حياة الشخص، فهناك أشخاص يمتلكون طبيعة حزينة، ليس بالضرورة أن يكونوا مصابين بالاكتئاب، طالما حالتهم لا تؤثر على نشاطهم الاجتماعي أو على العمل.
من طرفه يرى المسرحي والشاعر والإعلامي ماهر الخولي انه: من الطبيعي أن يصاب المبدع بالكآبة لأنه يغوص في العمق المعرفي. والأدباء أقرب للكآبة، ولكن ما يجب التنبه له أنه حتى الكآبة تصبح عند البعض ادعاء كاذباً.
هل تلتقي مظاهر الكآبة بأعراض الهوس؟ يشرح الطبيب عكاش أعراض الهوس بأنه ليس من الضروري أن يكون الشخص المتفائل صاحب المزاج العالي مصاباً بالهوس، إلا في حالة تحوله إلى سلوك غير مقبول، يؤثر سلباً على عمله وحياته العادية، فيظهر على شكل إفراط في النشاط وقلة النوم والإحساس بالفرح الشديد، والقيام باتصالات كثيرة بدون حاجة والإقدام على مغامرات غير محسوبة. وجود هذه الأعراض بدرجة خفيفة ومن دون تأثير سلبي، يمكن أن يكون «تحت الهوس» أو «الاضطراب الهوسي». هذا شائع بين الأغنياء، رجال الأعمال، التجار، الإعلاميين ونجوم الفن، بسبب طريقة حياتهم التي تتطلب حيوية وسلوكاً اجتماعياً نشيطاً وواسعاً وثقة عالية بالنفس، على عكس الأدباء الذين تحتاج طبيعة عملهم إلى العزلة.
كوليت بهنا كونها اديبة وإعلامية معاً، تقول ممازحة عن حالتها، ربما لذلك انتقل من الكآبة والحزن إلى الفرح والتفاؤل، لكن لا أرى في ذلك شيئا غير طبيعي. يعلق الطبيب باسم عكاش على تناوب أعراض الكآبة الخفيفة والاضطراب الهوسي على الشخص ذاته، بأنه «اضطراب مزاج دوري». فالمزاج مثل كفة الميزان، إذا ارتفعت الطاقة وزادت عن حدها تصل إلى الهوس، وإذا تدنت بشدة تكون اكتئاباً، أي قد ينقلب الهوس الى كآبة والعكس صحيح. تضحك كوليت بهنا حين تسمع بأعراض «المزاج الدوري»، وتقول مازحة، اشعر بأن غالبيتها ينطبق عليَّ وعلى غالبية زملائنا. أما الهوس بمعنى إسراف الأشخاص بتقدير ذاتهم، فتظنه أحد أشكال التعبير عن الإحساس بالغبن. وغالباً ما يكون هؤلاء أشخاص لديهم منجز ما، لم يلق التقدير المطلوب معنويا وماديا، فيعوضون عن ذلك بالحديث عن ذاتهم ومنجزهم ويبالغون في ذلك، لإحساسهم بأن الآخرين يأخذون فرصتهم عن عدم جدارة.
الروائي والصحافي في القسم الثقافي في جريدة «الثورة» السورية عقبة زيدان، لا يجد دقة في القول، إن الإعلاميين عادة يصابون بأعراض «المزاج الدوري» بسبب طبيعة عملهم، فهو مثلا لا ينطبق عليه هذا الكلام ولا حتى على زملائه في القسم، لأن معظمهم جاء إلى الصحافة عن طريق الأدب، والكاتب يعيش حالة عزلة وحتى حالة فصام عاطفي، ومن يعمل في الإعلام الثقافي له صفات الأدباء. فهو يعيش الظروف المهنية ذاتها، ويتحرك في محيط ضيق، فلا مكاسب مادية تذكر ولا علاقات عامة واسعة، أما معنوياً يضيف عقبة: حين تصدر رواية أو كتاب أو ينشر مقال لأحدهم يتعرض لأراء متناقضة ومختلفة. فهناك من يرفعه إلى مصاف العباقرة، وآخر يحط به إلى أسفل السافلين، إذ لا معايير واضحة ومحددة في النقد، وهذا بحد ذاته مدعاة للشعور بالحزن والأسف بشكل دائم. أما الإعلاميون في المجالات الأخرى، كالاقتصاد والسياسة والمجتمع، فربما هؤلاء أكثر عرضة لحالات مثل «تحت الهوس»، كون العلاقات العامة جزءاً أساسياً من عملهم، كما أن العائد المادي واضح ومعيار النجاح أو الفشل محدد ومعروف.
ماهر خولي يعتبر أن الكلام عن إصابة الأدباء بالكآبة والإعلاميين بالهوس له أساس في الواقع، وهو ناجم عن الظروف الحياتية والمهنية التي يعيشها كلا الفريقين. فالشاعر أو الروائي يقضي كل وقته في نحت جملة أو صياغة فكرة، ولا يجد من يهتم به وبعمله، وإذا ما دعي لإلقاء محاضرة على سبيل المثال في أحد مراكزنا الثقافية قد لا يتجاوز الحضور عدد أصابع اليدين، وفي أحسن الحالات ينال مكافأة مالية لا تتجاوز الـ 40 دولاراً، بينما يمكن لإعلامي أو صحافي درجة عاشرة، ظهر مرة على الشاشة أن يتحول إلى نجم، أو على الأقل يتعامل مع نفسه كذلك. وبالتالي من الطبيعي أن يصاب الأول بالكآبة والإحباط والثاني بالهوس.
الناقد الأدبي عبد الرحمن الحلبي (معد ومقدم البرنامج الإذاعي المعروف كاتب وموقف)، يؤكد ما قاله الخولي من خلال تجربته مع الإعلاميين والكتاب عبر الندوات التي عقدها البرنامج على مدى سنوات طويلة، فلاحظ أن ظاهرة المبالغة بتقدير الذات والحديث المشتت والتكلم بشكل متواصل وبصوت عال متوافرة لدى الإعلاميين الذين جاؤوا إلى المهنة بطرق لا علاقة لها بالمهنة، فيبالغون بمنجزهم للتغطية على فشلهم في أن يكونوا إعلاميين مميزين. ويقول هناك من كان يمسك المايكرفون في البرنامج، ليأخذ وقته ووقت غيره في الكلام، مشرقاً ومغرباً، من دون توقف رغم خروجه عن الموضوع المطروح واحتجاج الجمهور. في حين يعيد الإعلامي عساف عبود طغيان مظاهر الهوس على الوسط الإعلامي، إلى أنهم يعيشون داخل دائرة الضوء الذين هم من صناعها. والأضواء تدفع إلى الهوس، كما أن الإعلامي، كجامع وناقل ومحلل للمعلومات، يجذب اهتمام المحيطين به، فيتعاملون معه كمصدر للمعلومات لا كناقل لها، فأينما جلس يوجد من يسأله عن الأخبار وتحليله لما يجري، فيشعر وكأنه هو صانع الحدث. هذا بحد ذاته يعزز لدى الإعلامي الشعور الزائد بالثقة بالنفس، قد تصل إلى درجة التعنت والاستخفاف بآراء ومعلومات الناس العاديين، فيسقط أسير الشخصية التي رسمها له المجتمع، وسرعان ما يسعى بكل جهده للحفاظ على هذه الصورة، لذلك من الممكن جداً ان تظهر عليه أعراض الهوس، خاصة أن أغلبها يتصل بحب الظهور والفعالية والمزاج العالي والعلاقات العامة، وهي صفات الإعلامي عموماً.
ويقول الطبيب باسم عكاش، يلجأ مريض الاكتئاب إلى الطبيب النفسي بعد أن يمر على كافة الأطباء من الاختصاصات الأخرى، بينما مريض الهوس، قد لا يأتي إلينا إلا حين تتفاقم حالته الى درجة تهدد حياته. فما بالنا بمن لديه اعراض «تحت الهوس»، فهذا بالأساس لا يحتاج لطبيب.
قد يجد البعض في الحديث عن أعراض «إضطراب المزاج الدوري»، ترفا لا يستحقونه، مثلما قال ماهر الخولي الذي تمنى أن يصاب بالهوس ـ طبعاً بأخف درجاته ـ فقال بأنه شرف غير جدير به، مع أن كل ما حوله يدفعه إلى الاكتئاب، وبالمصادفة خلال إجراء الحوار معه، كان يقف وسط ازدحام وضجيج لا يطاقان، ولم يمر أمامه وجه مبتسم لطفل أو شيخ ولا حتى رجل أو امرأة، الكل عابس ومتجهم. فالحالة العامة غائمة، كلياً، حتى في عز الصيف


 الشرق الأوسط

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...