عجز الميزان التجاري بين قرارات الحكومة واتهامات المصدّرين

27-12-2009

عجز الميزان التجاري بين قرارات الحكومة واتهامات المصدّرين

وفق مؤشرات وزارة الاقتصاد، رجحت كفة الميزان لمصلحة الصين في علاقاتنا التجارية معها، وبلغت قيمة مستورداتنا للعام الحالي ما يقارب المليار ليرة سورية، وصادراتنا بالكاد تتجاوز بضع مئات من الألوف؛ ما دفع الصين إلى منح جهاتنا الاقتصادية امتيازات وإعفاءات مالية تصل إلى الصفر وفق قائمة تفضيلية للصادرات السورية، ومع ذلك لم يصدِّر أحد؟!.
تصريحات المجلس الاقتصادي الأعلى، وكافة الجهات الاقتصادية، تشير إلى ارتفاع الصادرات السورية من حيث الحجم والقيمة، إلا أنَّ ارتفاع قيمة المستوردات كان أكبر، وتشير وزارة الاقتصاد إلى أنَّ أرقام اتفاقاتنا التجارية من حيث العدد في زيادة منذ أعوام التسعينات وحتى تاريخه، وهي تغطِّي 90 % من إجمالي حجم التبادل التجاري السوري، ومع ذلك- وفق تصريح اتحاد غرف التجارة- فإنَّ الطرف الآخر (أوروبا، والغرب) يستفيد من هذه الاتفاقات أكثر منا؟!. فما هي أسباب العجز في الميزان التجاري السوري، ولماذا شراكتنا مع الدول العربية ناجحة ولمصلحتنا، ومع تركيا متوازنة، في حين مع الاتحاد الأوروبي والصين وغيرهما ترحج الكفة لمصلحتهم؟!.
• بصراحة
مسؤول في وزارة الاقتصاد، تحدَّث عن واقع تجارتنا وتجَّارنا، والأسباب الحقيقية وراء العجز في الميزان التجاري، حيث أشار إلى أنَّ المشكلة الحقيقية في تجَّارنا ومصنِّعينا، وليس في الحكومة وقراراتها، وليست أيضاً المشكلة في موضوع الضرائب والرسوم، كما يدَّعي المصنِّعون وغيرهم، فالحكومة تبذل مجهوداً واضحاً متمثِّلا في قراراتها ومراسيمها الاستثمارية والإدارية التي تنطوي على الكثير من المزايا، ولكن جشع التاجر على ما يبدو لا يتوقَّف عند حدود رغبته في مضاعفة ربحه حتى حدود 300 %، ويريد أن يحقِّق مرابح بذات القدر وأكثر من الحكومة أيضاً.  ويضيف المصدر: «وفق النسب العالمية، فإنَّ أعلى نسبة للأرباح هي 12 %، خلاف ما عندنا؛ حيث تصل نسب أرباح تجّارنا ومصنِّعينا إلى 300 %، ورغم ذلك يتغنُّون بالاستثمار في الخارج والتسهيلات الممنوحة، وهم كمَن يكذب على نفسه، بدليل أنه عندما دخلنا السوق العربية المشتركة في العام 2007 تعرَّض تجارنا ومصنِّعونا ومصدِّرونا إلى صفعة أفقدتهم حضورهم السلعي في السوق لمدة عامين متتاليين حتى استطاعوا أن يتوازنوا ويعودوا من جديد إلى ساحة الأسواق العربية، والسبب هو التقليدية في العمل، وقدم الآلات التي تعطي منتجاً غير منافس لا مِن حيث الجودة ولا مِن حيث السعر، فمصنِّعونا يريدون- وخلاف كلّ مصنِّعي العالم، وخلاف المعادلة التجارية التي تقول إنه يتوجَّب عليك «دفع التسعة حتى تاكل العشرة»- أن لا يدفعوا أيَّ قرش، وأن يحصدوا أرباحاً تصل إلى 300 %.. ومن جانب آخر، معظم التجار والمصدرين وأصحاب المصانع هم خلف لسلف أقام علاقات مع تجار بعض الدول، وحقَّق حضوراً معقولا في تلك الحقبة، وأتى خلفه واستمرَّ في التصدير لذات الأسواق وبنفس سوية الجودة والسعر، في حين أنَّ كلَّ شيء تبدَّل، ولم يرغب هذا الخلف في تطوير علاقاته وتنشيط أسواقه من خلال إيجاد الجديد منها، بدليل أسواق الصين- كمثال للذكر لا للحصر- وعدم إقبال أحد من تجّارنا ومصنِّعينا في التصدير إليها.. إذاً، هذا سبب مباشر أضعف ميزاننا التجاري».

• مراسيم وقوانين
أكَّد خالد سلوطة، معاون وزير الاقتصاد والتجارة لشؤون التجارة الخارجية أنَّ: «هناك مجموعة من المراسيم صدرت خلال العام 2009 تتمثَّل في المرسوم التشريعي رقم 19 لإقامة هيئة تنمية وترويج الصادرات، والقانون رقم 27 الخاص بإقامة اتحاد المصدّرين السوري، والمرسوم التشريعي رقم 6 لإقامة المجلس الأعلى للتصدير، والمرسوم التشريعي رقم 61 لإلغاء الحصر والقيد والعمولة على جميع المستوردات للمؤسسات الحصرية المتمثِّلة في المؤسسة العامة للتجارة الخارجية والمؤسسة العامة للخزن وتسويق المنتجات الزراعية والحيوانية والمؤسسة العامة الاستهلاكية ومؤسسات الصناعات الغذائية والهندسية والكيميائية والنسيجية.. وتلك المراسيم تصبُّ جميعها في خدمة المنتج السوري والارتقاء به كي يصل إلى مختلف الأسواق الخارجية العربية والأجنبية؛ فمثلاً تمَّ استثناء مادة العدس المصنّع المجروش والمقشور من أحكام القرار 1201 للعام 2008 والسماح لأصحاب المنشآت الصناعية حصراً بتصدير مادة العدس المصنَّع من العدس المحلي لكمية 30 ألف طن لكلِّ منشآة، واستثناء مادة المشروبات الروحية من البنود الجمركية 2203-2204-2205-2206-2208 المستوردة من منشأ ومصدر لبنان ومن الرسم المفروض بموجب المادة 1من قرار الوزارة 1577 للعام 2009، وفق المبادلة بالمثل، والسماح للمستوردين باستيراد مادة العنب المجفَّف (الزبيب) في البند الجمركي 0806 باستثناء أحكام المنع».  وأضاف سلوطة: «هناك قرارات اتُّخذت وعُدِّلت فيما بعد، مثل إيقاف العمل بالقرار 202 للعام 2007 الذي سمح بتصدير ذكور الأغنام والماعز الجبلي اعتباراً من 1/12/2009 ولنهاية 31/3 /2010، وتعديل المادة الأولى من القرار 2599 للعام 2008؛ بحيث يحتسب سعر الطن الواحد من ذكور الأغنام والماعز بمبلغ لايقلُّ عن 5500 دولار، فيما تبقى المواد الباقية سارية المفعول، وتعديل الفقرة (ب) من المادة 2 من القرار 1512 للعام 2009؛ إذ تمَّ بموجبه تصحيح إجازات الاستيراد بإضافة القيمة مهما كانت الزيادة الناجمة عن تقديرات الجمارك أو جهات الحصر نتيجة رفع أسعار المواد من قبلها بعد تسديد فارق عمولة جهة الحصر عند توجُّبها، وتعديل المادة الأولى من القرار رقم 3264 للعام 2008؛ إذ يتمُّ بموجبها تسديد قيم مستوردات القطاعين الخاص والمشترك بموجب تعليمات مصرف مركزي، والفقرة (ب) من المادة الأولى من قرار وزارة الاقتصاد رقم 1007 للعام 2002؛ ويسمح بموجبها استيراد سيارات النقل العاملة على المازوت شريطة ألا تقلَّ سعة محركاتها عن 2450 سنتمتراً مكعباً وإلغاء شرط الوزن القائم»..

• قرارات أُلغيت
أشار سلوطة إلى أنَّ هناك قرارات تمَّ إلغاؤها، خدمة للمصلحة العامة؛ مثل قرار اتُّخذ في العام 2009 يسمح للمستوردين كافة باستيراد مادة الاسمنت الأسود اعتباراً من 1/6/2009 حتى إشعار آخر، وهناك قرار أوقف منح إجازات الاستيراد الخاصة باستيراد الإسمنت الأسود اعتباراً من 2/4/2009 ويسمح بتخليص إجازات الاستيراد لهذه المادة قبل تاريخ 2/4/2009 حتى نهاية الدوام الرسمي لنفس التاريخ ويسمح بإدخال المادة من الدول العربية الأعضاء وتركيا، ومؤخراً صدر قرار إلغاء الحصر والقيد والعمولة المتوجِّبة على بعض المستوردات المحدَّدة في اللوائح، وإلغاء العمل بنظام المخصَّصات الصناعية لتلك المواد ومنح إجازات هذه المواد لجميع المستوردين، وتمَّ السماح لأصحاب المنشآت الصناعية بتصدير مادة البرغل بنسبة 60 % من القمح المستورد لمصلحة تلك المنشآت المحدَّدة في القرار، كما تمَّ استثناء مصدِّري جلود الغنم والماعز (بمرحلة البيكلس, خامية محمضة) من أحكام المنع، والاستمرار في السماح بتصدير جلود الغنم والماعز (بمرحلة الويت بلو أو كراست) لأصحاب المنشآت الصناعية، والسماح للدول والشركات الأجنبية المشاركة في معرض دمشق الدولي حصراً بوضع معروضاتها في الاستهلاك المحلي وغيرها من القرارات..
إذاً، ركَّزت قوانين العام 2009 على جميع جوانب التجارة الخارجية وتدعيمها مع أغلب الدول والحرص على حضور منتجاتنا في الأسواق الخارجية بقوة، ولاسيما المنتجات الزراعية، فأين تكمن المشكلة؟!.

• الجهل أخرجنا من الأسواق
من جانبه، قال عمر الشالط، رئيس غرفة زراعة دمشق: «قنوات صادرتنا إلى السوق الأوروبية ضيقة وذات شروط تعجيزية، والحل في اتفاقية الشراكة التي ستزيد من حصة المستوردات الأوروبية في السوق السورية، كما ستزيد من صادراتنا إليها خاصة من النسيج والإنتاج الزراعي، ومشكلتنا الحالية مع الدول الأوروبية أنَّ منتجاتنا لم تتكيَّف مع شروطها من حيث النوعية والجودة والمنافسة السعرية، وإذا لم نحقِّق هذين الشرطين لا نستطيع دخول أسواقها. وعليه فإن المشكلة فينا وليس فيها. والسؤال المهم: هل حاجتنا تقف على المراسيم والقوانين التشجيعية؟.. إذا كانت كذلك، فقد صدر العديد منها ولم نحرِّك ساكناً؛ فقد صدر المرسوم 29 للعام 2007 لدعم الإنتاج الزراعي وحقَّق خفض تكاليف واستقراراً للمنتج، كما صدر مرسوم بتشكيل هيئة تنمية وترويج الصادرات السورية، واتحاد المصدرين، ومعاً سيحسِّنان من قدرتنا على ولوج الأسواق الأوروبية والعالمية، ولكن هل هذا يكفي؟!.. مطلوب منا أيضاً كمصدِّرين ومنتجين ومصنِّعين، تحسين عنصر الجودة في منتجنا وتحديث آلاتنا والعمل على رفع كمية الإنتاج رأسياً، فمثلاً متوسط إنتاج الدونم الواحد من التفاح لدينا 4 أطنان، بينما عالمياً يصل إلى 6 أطنان».
ويضيف الشالط: «من الضروري الإنفاق على الإعلان، فالقاعدة التجارية تقول، إنَّ 75 % من رأسمال على الإعلان والترويج و25 % المتبقية على التصنيع والإنتاج، ومثالنا في فرنسا؛ حيث أقيم معرض كبير لعرض المنتجات الزراعية، ووجدنا جناحاً كبيراً جداً ومتميِّزاً للصين تعرض فيه مادة واحدة، وهي التفاح الصيني. أيضاً لابدَّ لنا من التقيُّد بشروط الأسواق التي نصدِّر إليها من خلال معرفتنا الجيدة بها، فمثلاً في سوق العنب البريطاني هم يريدون وزن عنقود العنب بين 375 - 400 غ وأن يكون مغلفاً بشكل جيد وموضوعاً في علبة خاصة، بينما نحن نصدِّر لهم عنقود عنب يصل وزنه إلى 2 كغ ونفتخر به، ولكن هذا لا يفيدنا في شيء».

• صادراتنا خاماً
يعوِّل بهاء الدين حسن، نائب رئيس اتحاد غرف التجارة، على اتحاد المصدرين وهيئة تنمية وترويج الصادرات السورية، اللذين سيحقِّقان قفزات نوعية بالنسبة إلى المنتج السوري وحضوره في الأسواق الخارجية، ويؤكِّد حسن أنَّ علاقتنا مع تركيا متوازنة ووصل التبادل التجاري معها إلى 2 مليار دولار، حصة سورية منها 45 %، وهذه النسبة ترتفع في علاقاتنا التجارية مع الدول العربية، وتصل إلى الصفر في علاقاتنا التجارية مع الصين، ومن الصعوبة دخول سوق الصين، نظراً إلى المنافسة الشديدة، والحال يقاس على منتجات العالم التي تعاني في السوق الصينية.
يقول حسن: «من المفيد التركيز على القيمة المضافة، فمعظم صادراتنا الصناعية والزراعية والثروات الباطنية، معظمها صادرات خام، وبالتالي في حال فكَّرنا في التصنيع وتحميلها قيمة مضافة ومن ثم تصديرها؛ فإنَّ هذا من شأنه أن ينعكس على الميزان التجاري السوري.. إذاً، لابدَّ من إعادة النظر في هيكلية الصادرات السورية وفي صناعتنا، وعدم التفكير في تصدير المنتجات خاماً، وجميعها عوامل تسهم في ردم الفجوة بين الصادرات والمستوردات».  
    • التكتل مفيد
يقول المثل الشعبي «أنا لم أمت ولكنني رأيت غيري يموت».. ومناسبة القول، أنه من الجيد الإفادة من تجارب الآخرين، فمثلاً التفاح المغربي يُصدَّر إلى جميع أنحاد العالم تحت دمغة واسم «مراكو»، أما تفاحنا ونسيجنا وغيرهما، فكلٌ له اسم، وكلٌ يغنِّي على ليلاه ؟!.
وفق تقرير التنافسية العالمي، مازال مؤشر كفاءة أسواق السلع في سورية يحصد تراجعاً مستمرَّاً منذ العام 2007؛ إذ تراجع هذا المؤشر الكلي من المرتبة 81 في العام 2007 إلى المرتبة 92 في العام 2008؛ أي بمقدار 11 مرتبة، وما لبث أن استمرَّ في التراجع في العام 2009 ليصل إلى المرتبة 101؛ أي بمقدار 9 مراتب.‏  وبحسب التقرير أيضاً، فإنَّ مؤشر كفاءة أسواق المال قد شهد تراجعاً للعام الثالث على التوالي؛ إذ تراجع من المرتبة 112 في العام 2007 إلى المرتبة 116 في العام 2008، واستمرَّ في التراجع في العام 2000 لتحتلَّ سورية المرتبة 123.. في المقابل، حصلت سورية على المرتبة 102 في مؤشر سهولة الحصول على القروض، وكان أفضل المؤشرات مؤشر سلامة ومتانة البنوك الذي احتلَّت فيه المركز 68 عالمياً.‏  وبالنسبة إلى مؤشر حجم السوق الذي يقيس حجم كل من السوق المحلي والخارجي، فهناك تراجع من المرتبة 62 في العام 2007 إلى المرتبة 63 في العام 2008 واستمرَّ في التراجع في العام 2009 لتحتلَّ سورية فيه المرتبة 64.‏  
 • بالأرقام 
يقول حسام اليوسف، مدير هيئة ترويج وتنمية الصادرات السورية: «الأرقام تشير إلى زيادة مستمرَّة في الصادرات السورية منذ العام 2000؛ حيث بلغ معدل النمو السنوي الوسطي لهذه الفترة حوالي 14 %، وهذا يعكس زيادة في الطلب على السلع السورية في الأسواق الخارجية، لكن في المقابل يبدو أنَّ كمية المستوردات كانت أيضاً في زيادة وبلغ معدل نموها السنوي الوسطي حوالي 18 %».
- في العام 2000 بلغ حجم التجارة الخارجية 28.655، حصة صادراتنا 216.190، والمستوردات 187.535، وعليه سجَّل الميزان التجاري فائضاً لمصلحتنا بلغ 403.725 مليار ليرة، ليبدأ التراجع وليسجِّل الميزان عجزاً تصاعدياً.
- في العام 2004 بلغ حجم التجارة الخارجية 735.172، حصة صادراتنا 346.166، والمستوردات 389.006، والعجز 42.840 مليار ليرة.
- في العام 2006 بلغ حجم التجارة الخارجية 1.036.336، حصة صادراتنا 505.012، والمستوردات 531.324، والعجز سجَّل 26،312 مليار ليرة سورية.
- في العام 2007 بلغ حجم التجارة 1.263.591، والصادرات 579.034، والمستوردات 684.557، ووصل العجز إلى 105.523 مليار ليرة.
- في العام 2008 بلغ حجم التجارة 1.547.217، والصادرات بلغت 707.798، والمستوردات 839419، وارتفع العجز حتى 131.621 مليار ليرة.
- في العام 2009 وصل حجم التبادل إلى 1.570.000، حصة الصادرات 720.000، والمستوردات 850.000، وتراجع العجز إلى حدود 130.000 مليار ليرة.

رياض إبراهيم أحمد

المصدر: بلدنا

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...