«مسرح الشّوك» يودع وردته الحلبية

05-03-2015

«مسرح الشّوك» يودع وردته الحلبية

برز المونولوجيست الصامت على الشاشة، منذ تأسيس «التلفزيون العربي السوري» في العام 1960. بزغ نجمه ككوميديان من الدرجة الرفيعة. ساعده في ذلك حجمه في الكادر التلفزيوني، ولكنته الحلبية المحببة، وشاربه الكثّ في وجهه الطفولي النابض بالأسى والمرح في آن معاً، وقدرته على تغليب الساخر والمضحك العميق في مجمل أدائه. كلّ ذلك جعل من عمر حجو وجهاً استثنائياً في الكوميديا السورية، مسرحاً وسينما وتلفزيون.
كان صعوده المسرحيّ قوياً، مع رفاق دربه في «مسرح الشّوك» الذي أسّسه مع دريد لحّام ونهاد قلعي ليلعب دوراً محورياً معهما لاحقاً في عروض «أسرة تشرين». خطّ لنفسه بصمة استثنائية لممثل امتلك أدواته في صياغة مفردات شخصية شعبية. لم يستأثر بـ «كاركتر» محدّد، ولم يلجأ للتساخف المجاني، بل سعى «أبو الليث» إلى صناعة أقنعة شخصيته الشعبية بعيداً عن وهم أدوار الصف الأول.في مشهد من مسلسل "سنعود بعد قليل" مع دريد لحام
انفرد بجاذبية قلّ نظيرها في إعادة مادة الضحك إلى ميزانها الشعبي وحسّها النقدي اللاذع، من دون التخلّي عن تلك الأدوار التراجيدية التي لعبها باقتدار. وهو بذلك من قامة أولئك الممثلين الذين لا يصعب عليهم انتزاع البطولة، حتى في أدوار الصف الثاني التي أُسندت إليه.
كان حجو متصالحاً مع نفسه، معافى من أمراض النجومية ومجاملة الصحافة الفنية. ممثلٌ يعمل بصمت، متقمصاً أدقّ تفاصيل شخصياته. كان قادراً وبلمح البصر أن يحيل أي دور صغير يسند إليه إلى شخصية، مفضّلاً تلك البراءة والعفوية في الاشتغال على العالم الداخلي للشخصية، بدلاً من محاكاتها برانياً ومن الخارج عبر إكسسوار أو زيٍّ فاقع.
آثر ابن مدينة الموشّحات والقدود على مواظبة تحرير أدائه من مفردات المبالغة والتصنّع، معوّلاً على حرارة لافتة في العيش التام مع الشخصيات التي قام بأدائها. نلاحظ ذلك في لعبه لشخصية الأب غير مرة في مسلسلات الدراما السورية، مثلاً دوره في مسلسل «الانتظار» (2006) تحت إدارة ابنه الليث حجو. ذلك الأداء الحار والعميق من دون توسل البكائية، أو استجداء مرونة في الوجه أو الصوت، يظهر الأب السوري شفافاً وصادقاً لا يُرد. ظهر أيضاً في أداء حرّاق في مسلسل «سنعود بعد قليل» (2013)، الإطلالة الأخيرة لحجو مع رفيق الدرب دريد لحام.
مهارة لا تجارى وزعها الممثل الراحل بين الكوميديا والتراجيديا، ملوّناً في كلّ مرة يقف فيها أمام الكاميرا على وتريّات نفسيّة مختلفة لملامسة جمهوره، فلا تكلف ولا مهاترة شكلية أو صوتية.
وصل حجو إلى قلوب الملايين، معززاً سلطة البهلوان الحلبي على حباله العالية، موشكاً على الطيران في كلّ خطوة وإيماءة ونأمة. لا نكاد لا نصدق أن من أضحكنا في «غربة»، و «كاسك يا وطن»، و «وين الغلط»، «ضيعة تشرين»، هو ذاته عمر حجو الأب والجد في أدوار الدراما التلفزيونية. تلك الأدوار التي لم تكن لتصير شخصيات لا تُنسى لولا أنه قام بأدائها أيما أداء، مترافعاً كممثل عن فطرية فن التمثيل وعفويته، بعيداً عن كل أكاديميات المسرح والسينما... ففاقد الشيء لا يعطيه.
رحل عمر حجو تاركاً لحيته الطيبة وعينيه تنظران نحو حلب. مات الكناري بعيداً عن ماء موشحاته، مات وفي قلبه شيءٌ من حلب.

سامر محمد اسماعيل- السفير

قُم ناجِ جِلَّق يا عمر
هرج الصّالة ومرجها يعكس بهجةَ جمهورٍ ضرب موعداً مسبقاً مع الضّحك. تُطلّ صباح السّالم من الكواليس، تقف وحيدةً في منتصف الخشبة، تعرّف بأعضاء فرقة «مسرح الشّوك». يجيء اسم دريد لحام في نهاية القائمة فيطول تصفيق الحاضرين، لتتركهم مقدّمة الحفل على موعدٍ مع كلمة الافتتاح، يُلقيها عليهم «غوّار الطّوشة». وما إن يهمّ الأخير بتحيّة الجمهور حتّى يصدح صوت أحدهم من بين النّاس قائلاً «قُم ناجِ جِلَّق وانشد رسم من بانوا... مَشت على الرّسم أحداثٌ وأزمانُ»، فيصفّق الحاضرون مجدداً، يُصفّقون كثيراً. ربما يكون أمير الشّعراء أحمد شوقي راضياً على هذه المُعترضة الشّعرية، فقائلها كان الحلبيّ الجميل عمر حجو.
 ]]]في مشهد من مسرحيّة «صانع المطر» العام 1993 (أرشيف «السفير»)
ارتبط اسم عمر حجو (1931 ــ 2015) بـ«مسرح الشّوك»، فهو مؤسّسه الأوّل، وصاحب التّجربة البكر التي تعود إلى ستينيات القرن الماضي. ولـ «مسرح الشّوك» من اسمه نصيب، فهو الواخز النّاقد المتحدّث بصوت النّاس، وهو المشاغب المشاكس الباحث عن الأفضل. ولأنّ شموليّة النجم كانت سائدةً في تلك الحقبة من عمر الفنّ السّوري، فقد صار اسم عمر حجو جزءاً من جوقةٍ ضمّت أسماء بقيمة صباح الجزائري، وحسام تحسين بك، والرّاحلين ناجي جبر، ومحمد الشّيخ نجيب. استطاع هؤلاء أن يحجزوا لأنفسهم متسعاً في مربّعات الضّوء، وصاروا نجوماً لهم حظوة في قلوب السّوريين، لكنّ تعويم فكرة النّجم الأوحد جعل بريقهم يخفت لصالح القطع السوري النادر، والحديث هنا عن الفنّان دريد لحام.
حين نذكر «غوّار الطّوشة»، و«حسني البورظان»، و«أبو عنتر»، و «أبو صيّاح»، و «ياسين بقّوش»، و«بدري أبو كلبشة»، لن نستطيع استحضار شخصيّةٍ بعينها لنربطها باسم عمر حجو. فالأخير كان متبايناً عن أبناء جيله، وصاحب رؤيةٍ مختلفةٍ لفنّ الممثل. فقد حرص على أن يُسجّل حضوره العفوي ضمن معادلة المدرسة الكلاسيكية في التّمثيل: «كن حقيقياً، كُن كما أنت، صدّق نفسك، فيُصدّقك المُشاهد». هكذا بدأ عمر حجو، رفيقاً للنّاس وقريباً منهم، وهكذا جاءت الخواتيم، فذاكرتنا غير الأصيلة التي تبكي المبدعين بعد غيابهم فقط، لن تنسى دموع «أبو عبدو» في مسلسل «سنعود بعد قليل» (2013، تأليف رافي وهبي وإخراج الليث عمر حجو)، ذاك الرجل الثمانيني الذي بكى فراق ولده فجاء الدّمع سورياً، وجاءت الوصيّة بأن لا تفقدوا ابناً أو وطناً يعادله، سوريّةً أيضاً.
أشقياءٌ يا رجال المسرح، ومُتعَبون يا من بقيتم أوفياء للخشبة السورية التي اصطفت جمهورها واختارت النّخبة فطردت المساكين من بيتها وتجاهلت بعضاً من إرث المؤسّسين، ومنهم عمر حجو. ترجّل الراحل عن حصانِ المسرح العام 2011، فكانت مسرحيّة «السّقوط» الّتي قدّمها، رفقة دريد لحام، على خشبة «مسرح قطر الوطنيّ» محطّة الختام في دربٍ لم يكن فقيراً بالعمل التلفزيونيّ الّذي احتفى بآخر ظهور لحجو في مسلسل «الينابيع الزّرقاء» العام 2014 (تأليف نور الدين الهاشمي وإخراج غازي ابراهيم).
وبرحيله، من الضروريّ الاعتراف بأنّ لعمر حجو دَيْناً في رقبة المسرح، وأنّ للمسرح دَيْناً على الشّعوب، وأنّنا لم نحتف بالجنديّ المعلوم/ المجهول كما يجب، وأنّنا حزانى لغياب الجسد، وأنّنا آسفون لأنّ الدروب إلى مسقط الرأس والقلب في حلب مغلقةٌ مقفلة. فحسبُ عمر أن يوارى جسده في الثّرى في دمشق، ويظلّ اسمه حيّاً حياة أعماله، فنهمس له كلّما شاهدنا واحدةً منها: قُم ناجِ جِلَّق يا عمر.

رامي كوسا- السفير 

الرجل الذي يشبهنا دائماً
ما من كلمةٍ يمكن لها أن تختزل مسيرة الفنّان الراحل عمر حجو، أكثر من «المعلّم». وما من وصف شامل يمكن له أن يقدّم صورة وافية عن عطائه اللامحدود أكثر من عبارة «الممثّل المِثَال». في تجربة الراحل الفنية التي تزيد عن خمسين عاماً، بُنى جمالية عن المُعاش، مصونة بالعطاء والاندفاع والحبّ والأخلاق. في تجربته، أساسيات تعرّف الفنّ باعتباره إحدى المهارات المنطقية المطلوب منها ترسيخ الإنساني لا التحايل عليه، توظيف الواقعي لا الابتعاد عنه. إنها تجربة يمكن اختصارها بالقول إنّ عمر حجو كان «الرجل الذي يشبهنا دائماً».
الفنان الحلبيّ القدير الذي توفيّ صباح أمس عن عمر ناهز الرابعة والثمانين عاماً، إثر أزمة قلبية، أدّى أدواره بمزيج من العقل والعاطفة. في عفوية المزج يكمن سرّ هذا الفنّان، وفي الفهم البسيط لإمكانية تقديم دراما تُمتِع وتحاكي الواقع في آن. أدوار الأب الطيّب الحنون لازمته مراراً، لكن مسحة القلق رافقته في أدوار أخرى بعد وفاة زوجته وفقد ابنه مثل إبراهيم في مسلسل «أرواح عارية» (2012/ تأليف فادي قوشقجي، الليث حجو)،، ولاحقاً في «سنعود بعد قليل» حيث يبكي على مدينته المتداعية.
حبّه المفرط للعمل، حيويته أمام الكاميرا، قدرته على التقاط الإنساني من الدور الذي يؤديه، تطويره له... كلّ ذلك يظهر واضحاً على الشاشة. رجل يكتفي بالحبّ كميزان حياتي وعمليّ، يتقن البحث في أدواره، هو الذي بقي يحمل مشروعه الفني حتى اللحظة الأخيرة. فالفنّ بالنسبة إليه قيمة مستمرّة من دون استعراض، لذلك لم يتعب، ولم يَشِخ.
الممثّل المؤسّس لـ «مسرح الشوك» في الستينيات، لم يعنه الظهور في المقدّمات، إذ «عليك أن تحبّ الفنّ أكثر من حبّك لنفسك». وشكل أول فرقة مسرحية خاصة فيه بعد العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956 مع الفنان عبد المنعم أسبر حملت اسم «الفنون الشعبية، وكان أول من أدخل التمثيل الإيمائي إلى المسرح العربي في عرض «النصر للشعوب» العام 1959 في القاهرة. ساهم في تأسيس المسرح القومي والتلفزيون السوري ونقابة الفنانين السوريين.
وفي العام 1973، أسّس مع دريد لحام ومحمد الماغوط فرقة «تشرين» المسرحية التي قدّمت عروض «ضيعة تشرين» (1974)، و«غربة» (1976»، و«كاسك يا وطن» (1979)، و«شقائق النعمان» (1987). كما أسّس المسرح «الجوّال» بالتعاون مع المسرحي سعد الله ونوس والمخرج علاء الدين كوكش. في رصيد الراحل السينمائي أفلام عديدة منها «صحّ النوم» (1975)، و «إمبراطورية غوّار»(1982)، و»الحدود» (1984)، و»التقرير» (1986)، و»كفرون» (1990).
وللراحل رصيد كبير في الدراما التلفزيونية، فهو من أبرز شخصيات سلسلة «بقعة ضوء» في كلّ أجزائها، وصولاً إلى جزئها العاشر العام الماضي، وصولاً إلى «سنعود بعد قليل» العام 2013، وإلى جانب عشرات الأعمال التلفزيونيّة، من أحدثها «باب الحارة 6» (2014)، و«الخربة» (2011)، و«باب المقام» (2008)، و«الانتظار» (2006)، و«سيرة آل الجلالي» (2000)، و«الثريا» (1998)، و«الدغري» (1992).

روز سليمان- السفير

استراح أخيراً قرب أسوار دمشق
ووريَ جثمان عمر حجّو أمس في مقبرة «باب الصغير» في دمشق، على مقربةٍ من أسوار دمشق التاريخية، بعدما عبر موكب جنازة الراحل الكبير شوارع العاصمة السوريّة، مخترقاً ازدحامها، ومتخطيّاً حواجزها، انطلاقاً من مشفى «الرازي» الكائن في شارع «المهدي بن بركة» (أوتوستراد المزّة)، مروراً بجامع «لالا باشا» في شارع بغداد، حيث كانت صلاة الجنازة. جنازةٌ كانت أفضل حالاً من حيث عدد الحضور، مقارنة بجنازات فنّانين سوريين كبار فقدتهم البلاد العام الفائت كعبد الرحمن آل رشي، وعصام عبه جي.

ربما أراد بطل «الانتظار» جنازةً تعبر شوارع حلب، وقبراً يواريه تراب مدينته الأم التي ولد فيها. لكن رياح السوريين، باتت تأتي بما لا تشتهيه سفنهم، منذ أربعة مواسم ربيع، استحالت شتاءاتٍ قاسية. هكذا استراح جَسَدُ حجو ليس بعيداً عن أزقّة «باب توما» التي أدى فيها مع رفيق دربه دريد لحّام، أحد أروع المشاهد في مسلسل «سنعود بعد قليل» (2013). في ذلك المشهد، أدار الصديقان ظهريهما للكاميرا، متكئاً أحدهما على الآخر، ينشدان لـ»مهرة الخلف الجبل خيل العدا ما تطالها... تخطر وراعيها البطل جالس يغني قبالها».
على باب جامع «لالا باشا»، أسند لحّام ظهره أمس في انتظار إقامة الصلاة، دامع العينيين، عاجزاً عن رثاء رفيقه، بكلماتٍ ألحّ الصحافيون على طلبها، لكنّه امتنع معتذراً بلطفه المعتاد، وسط مواساة ابن الراحل المخرج الليث حجو. مخرجون، منتجون، فنيّون، وممثلون وقفوا على باب الجامع بدورهم، ينتظرون أداء الصلاة الأخيرة على روح الفقيد، بينما تتنقل كاميرات الصحافيين، وميكروفوناتهم لأخذ شهاداتٍ يدلي بها الحاضرون بحق الراحل.
84 عاماً كان خلالها شاهداً حقيقياً على العصر مع أبناء جيله، كما الراحل تيسير السعدي، ونحن بحاجة في سوريا إلى دراسة تاريخية عبر هؤلاء الشخوص، يقوم بها مؤرخون ونقّاد بعيداً عن الشعارات، وليس وفقاً لطريقة المؤسسات الرسميّة. من المهم تعريف الأجيال بأن هذا العصر تقدّم عبر الثقافات التي راهنت على تغيير حقيقي وجذري في حياة مجتمعنا. معركة لطالما خاضها الفنّان السوري، والفترة التي عاشها حجو جديرة بالدراسة لناحية معركة التغيير الاجتماعي الواجب حصوله على مستوياتٍ عديدة، بدءاً من شخصيّة المواطن، وحقوقه، وحريّاته، وانتهاءً بالقضايا الكبرى. بخسارة عمر حجو خسرنا واحداً من أهم شهود عصرنا».
أدى المشيّعون صلاتهم الأخيرة على راحة نفس الراحل وحُمل نعشه على أكفّ مشيعيه، يتقدمهم ولداه الليث وسالم، والمخرج المثنى صبح، وتابعوا موكب الجنازة إلى حيث يأخذ عمر حجّو استراحته الأخيرة على مقربةٍ من أسوار دمشق. ربما يحضر في الذاكرة هنا مشهدٌ لم تدوّنه الكاميرا في كواليس «بقعة ضوء» (2014 )، وكانت «الأخبار» شاهدةً عليه. يومها، أنهى حجّو الأب المتعب للتو تصوير مشاهده في إحدى لوحات العمل، ليودّعه باسم ياخور، والمخرج عامر فهد، بقبلة على الخد واليد، استقبلها الراحل بحنوٍ متواضع. هيئته وقتها كانت كما لو كان أعدّ العدّة للرحيل: قبعةٍ وشال يقيانه نسمات الربيع الغادرة.

محمد الأزن- الأخبار

عمر حجو... ركن انطفأ في وجدان الفن السوري
لم تكن هذه المرة شائعة. ولن يتمكن من طاولته المزحة السمجة أن يخرج لينفيها عبر وسائل الإعلام. حتى أصدقاؤه ليس بوسعهم أن يفعلوا شيئاً لأنهم يستعدون للجنازة وفق قاعدة «إكرام الميت». مات عمر حجو (1931-2015) أمس، وأسدل ستار الحداد على «مسرح الشوك» إلى الأبد. رحل صاحب الوجه الأكثر تعبيراً عن الألم في الدراما السورية، وترك الآهات ترسم تجاعيد سوريا التي تشيخ بسرعة نيزك يعبر حضن السماء، بينما بحة الطرب الحلبي ولازماته تتحول نحيباً على تراث وتاريخ عريق يحترق.
غادر ركن جديد من ذاكرة الفن السوري مكانه من دون أن يكتب له رؤية جدران «قلعة حلب» وإلقاء نظرة وداع على مكانه المفضل وحاراته القديمة قبل السفرة الأخيرة.

ربما كان الرجل أكثر من تعرض للظلم والإجحاف في حياته إذا ما قورن ببقية الأسماء التي صنعت مجد الفن السوري بامتياز، ومن هؤلاء شركاء غادروا كنهاد قلعي ومحمد الماغوط، ومنهم ما زال بطاقته وعطائه كدريد لحام. شاء القدر أن يعيش النجم المخضرم قاعدة تقليدية تقول «يولد الإبداع من رحم المعاناة»، فسنوات الطفولة الأولى التي عاشها في «عاصمة الشمال» السوري كانت مسكونة بهاجس الترحال بقصد البحث عن رزق. هكذا، لم تعرف عائلته الحلبية الفقيرة طعم الاستقرار. في مطلع مُحرّم ـــــ الشهر الأول من كل سنة هجرية ـــــ كانت تبدأ رحلة عائلته عن موطئ قدم آخر. قال لـنا عن هذه الحالة ذات يوم: «كان هناك اعتقاد لدى فقراء المدينة بأنه إذا غيّر أحدهم بيته في شهر محرم، قد تكون رزقته أفضل في المكان الجديد. تلك كانت فرصتي للتعرّف إلى نماذج مختلفة من الناس، ومعايشة طبقة القاع التي تشبهني» (الأخبار 28/7/2010). وإذا كان الوطن الأول لأي شخص هو المنزل، فقد كان وطن عمر حجو هو وعائلته، عبارة عن عقد إيجار موقت لأربعة جدران في أحد الشوارع الفقيرة، ولا ضير لو تقاسموا مع مجموعة عائلات أخرى بؤس منزل آيل إلى السقوط في أي لحظة. أرادت له والدته الأمية أن يحقق حلمها ويعوضها عما فقدته، وأن يحصّل شهادات عليا، فمنع سوء الحال المادي أحلام الأم من أن تتحول واقعاً. توقف تعليمه عند المرحلة الإعدادية وعلّق لاحقاً شهادته الابتدائية على حائط بيته ساخراً من الظروف التي منعته من إكمال التعليم. لاحقاً، أدى الغليان السياسي ومرحلة التقلبات الحرجة التي عاشتها سوريا والمنطقة العربية دوراً كبيراً في صقل شخصيته، وتكوين وعيه وفكره على نحو عميق. بدأ العمل المسرحي بفرقة هواة أسسها بنفسه، لكن صداها تجاوز الحدود عندما قدمت بالتزامن مع العدوان الثلاثي على مصر (1956)، مسرحيات مثل «استعمار في العصفورية» و«مبدأ ايزنهاور». الأخيرة عرضها في دمشق، فاحتجت السفارة الأميركية ومعها الرقابة التي أرعبتها جرأة الأفكار المطروحة، فقرر التحايل عليها من خلال فنّ الإيماء أو «البانتوميم». بعد ذلك، أسهم في تأسيس «المسرح الجوال» و«المسرح القومي»، وكان عضواً مؤسساً في «نقابة الفنانين»، لكنّ «مسرح الشوك» ظلّ يعدّ أهم تظاهرة فنية مهدت الطريق أمام فن الكوميديا الناقد والراقي الذي أطلق على يديه مطلع الستينيات من القرن الماضي. وربما كان هذا أثرى منجز له.
وبالفعل، حقق حضوراً جماهيرياً وترك أصداء عربية مدوية ونال قبول الصحافة والإعلام، ما منح فرصة للشعور بديمقراطية الحياة الفنية في دمشق. طبعاً، العمل طوّره لاحقاً ابنه المخرج الليث حجو وقدمه على شكل تلفزيوني في مسلسل «بقعة ضوء» (نتيجة فكرة واقتراح ومساهمة كل من أيمن رضا وباسم ياخور) الذي ما زال مستمراً حتى الآن. أدى الراحل أدوار بطولة في بعض أجزائه، وتعاون مع نجومه في تطويره. بعد تأسيس «مسرح الشوك» والصراع المرير مع الرقابة، أسهمت النكسة في رفع سقف الجرأة لدى صناع الفن، وساعد تعاون دريد لحام مع حجو على تقديم أعمال مهمة. هكذا، شاهدنا حجو في الثلاثية الشهيرة «ضيعة تشرين»، و«غربة»، و«كاسك يا وطن» في مسرح الساعة العاشرة أو «الكباريه السياسي». وبعد اعتزال «غوار» المسرح إثر فشل «صانع المطر»، انكفأ حجو نحو التلفزيون، الذي قدم فيه عشرات الأدوار المهمة مثل « خان الحرير»، و«الثريا»، و«سيرة آل الجلالي» لهيثم حقي، و«مبروك» لهشام شربتجي، و«أحقاد خفية» لمروان بركات، و«قلبي معكم» لسامر البرقاوي، و«بقعة ضوء» و«أهل الغرام» و«الانتظار» و«أرواح عارية» و «سنعود بعد قليل» لابنه الليث حجو. لاحقته شائعات الموت أكثر من مرة نتيجة تدهور وضعه الصحي، لكنها كانت تخيب إلى أن صدقت أمس. انسحب حجو قبل أن يقدّر له تحقيق حلمه الكبير بتأسيس مهرجان مسرحي للشباب في مدينة حلب، على أن يتولى الإشراف عليه بنفسه. كان يأمل أن يعيد الشباب تقديم مسرحيات مثل «غربة» و«المهرج»، وتوجيه تحية إلى الراحل محمد الماغوط، وضخّ دماء فنية في حلب بمواجهة الدمار، والحرب التي تنهش خاصرتها. حتى اللحظة الأخيرة، كان قلب عمر حجو ينبض بالأحلام وعقله يطمح إلى مشاريع جديدة. 84 عاماً حيرت النقاد وأبناء جيله، في تصنيف موهبته، التي كانت هواية بسبب شغفها الذي لا ينضب أم محترفة للحد الأقصى بذريعة الاتقان والتميز.


وسام كنعان - الأخبار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...