هزيمة رموز الثورة البرتقالية الأوكرانية في الجولة الانتخابية الأولى

18-01-2010

هزيمة رموز الثورة البرتقالية الأوكرانية في الجولة الانتخابية الأولى

الجمل: تابع المراقبون والمحللون السياسيون والخبراء الدوليون حملة الانتخابات الرئاسية الأوكرانية, وذلك بسبب الأهمية الجيو-سياسية الفائقة لنتائج هذه الانتخابات, وما يمكن أن يترتب عليها من تداعيات في مستقبل العلاقات الروسية-الأميركية, والروسية-الأوروبية, والأوروبية-الأوروبية, إضافة إلى مستقبل منطقة القوقاز وآسيا الوسطى.
الصراع الأوكراني-الأوكراني:
تقع أوكرانيا في النقطة الفاصلة بين القارة الأوروبية والقارة الآسيوية, إضافة إلى أنها تمثل البلد الأكثر خطورة في الجوار الروسي, وذلك على أساس اعتبارات أن أوكرانيا وكازاخستان وبيلاروسيا, يمثلون البلدان التي تمتلك قابلية تهديد منطقة القلب الحيوي للدولة الروسية.
تبلغ مساحة أوكرانيا 603,628 كم مربع, وتقع على امتداد الساحل الشمالي للبحر الأسود, وتجاور روسيا من جهة الشرق, وبيلا روسيا وبولندا من جهة الشمال, وسلوفاكيا وهنغاريا من جهة الغرب, ورومانيا ومولدافيا من جهة الجنوب الغربي, إضافة إلى البحر الأسود وبحر أزوف من جهة الجنوب.Victor Yanukovich
يبلغ الناتج الإجمالي للاقتصاد الأوكراني 337,3 مليار دولار, بحد أدنى يبلغ 179,6 مليار دولار, ويتميز الاقتصاد الأوكراني بالأنشطة الصناعية والزراعية والخدمات السياحية, بعد تفكك وانهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية. نالت أوكرانيا وضع الدولة المستقلة في 24 آب "أغسطس" 1991م, وذلك بعد أن قضت حوالي 70 عاما ضمن اتحاد الجهموريات السوفييتية السابقة, حيث تم ضمها إلى هذا الاتحاد في 30 كانون الأول "ديسمبر" 1922م.
بعد استقلال أوكرانيا, دار صراع سياسي حاد بين النخب السياسية الأوكرانية, وتبلورت عمليات الاستقطاب السياسي ضمن تيارين هما:
•تيار يطالب بالتعاون مع روسيا وبلدان المنطقة بعيدا عن الهيمنة الأميركية والغربية.
•تيار يطالب بالعمل من أجل إدماج أوكرانيا في الإطار الأوروبي والعمل أكثر فأكثر من أجل بناء التحالفات مع واشنطن.
التيار النخبوي الذي كان يطالب لضرورة الحفاظ على استقلالية أوكرانيا, بحيث لا يتم استبدال النفوذ السوفييتي بالنفوذ الغربي, كان يراهن على مدى أهمية ما يمكن أن يولده ذلك من فرص تستطيع بموجبها أوكرانيا تعظيم الفوائد والمكاسب من خلال المناورة بين الشرق والغرب.
أما التيار الذي كان يطالب بإدماج أوكرانيا ضمن الإطار الأوروبي والأحلاف الأميركية, فكان يراهن على أن خطر النفوذ السوفييتي سوف يكون موجودا وبالتالي, فإن إدماج أوكرانيا ضمن الإطار الأوروبي والأحلاف الأميركية هو السبيل الوحيد لردع خطر موسكو, إضافة إلى أنه يتيح لأوكرانيا الحصول على الدعم والمساعدات الغربية.
بعد استقلال أوكرانيا, كانت النخب ذات التوجهات الشيوعية والاشتراكية تسيطر على مقاليد الأمور, وقد أدى ذلك إلى تزايد مشاعر الرأي العام الأوكراني, بان النفوذ السوفييتي الشيوعي ما زال موجودا, طالما أن رموز النظام الشيوعي والاشتراكي القديم ما زالت موجودة, وما زالت العقلية الشيوعية والاشتراكية هي الأكثر حضورا في عملية صنع واتخاذ القرار الأوكراني.Yulia
على خلفية التحول الديموقراطي, التي شهدتها الساحة السياسية الأوكرانية خلال مرحلة ما بعد الحقبة السوفييتية, استطاع الزعيم السياسي فيكتور يوشيشينكو زعيم حزب أوكرانيانا, والزعيمة السياسية يوليا تيموشينكو زعيمة حزب عموم أوكرانيا, أن يؤسسا التحالف السياسي المعارض الذي قاد الثورة البرتقالية في عام 2004م, وهو التحالف السياسي الذي اعتمد التأكيد على رهانات إدماج أوكرانيا في الإطار الأوروبي الغربي, وتعزيز تحالفاتها مع الولايات المتحدة الأميركية, وإسرائيل, واعتمد برنامجا سياسيا إقليميا-دوليا, يقوم على الاعتبارات الآتية:
•السعي لضم أوكرانيا لعضوية الاتحاد الأوروبي.
•السعي لضم أوكرانيا لعضوية حلف الناتو.
•السعي لاعتماد سياسة داخلية أوكرانية تركز على اعتماد قوى السوق والخصخصة وسيطرة القطاع الخاص.
•السعي لاعتماد سياسة خارجية تركز على ردع نفوذ موسكو عن طريق الانخراط في الأحلاف والروابط الغربية والأميركية.
•السعي للتعاون مع دول المنطقة المناوئة لموسكو, وعلى وجه الخصوص جورجيا.
استمرت سيطرة نخبة الثورة البرتقالية طوال الفترة الممتدة من عام 2004م وحتى مطلع عام 2010م الحالي, وكانت نخبة الثورة البرتقالية تسيطر على مقاليد الأمور من خلال الحكومة الائتلافية, ضمن صيغة أقتسام السلطة بحيث تولى فيكتور يوشيينكو زعيم حزب أوكرانيانا منصب رئيس الجمهورية, وتولت يوليا تيموشينكو زعيمة حزب عموم أوكرانيا منصب رئيس الوزراء.
نخبة الثورة البرتقالية كانت تجد السند الشعبي الواسع في مناطق وسط وغرب أوكرانيا, أما المعارضة الداعية للتعاون مع موسكو وإدماج أوكرانيا ضمن بيئتها الإقليمية, فكانت تجد الدعم والسند الشعبي في مناطق شرق وشمال أوكرانيا حيث توجد أعداد كبيرة من الناطقين بالروسية وذوي الأصول الإثنية الروسية.Viktor Yushchenko
نخبة الثورة البرتقالية وإشكالية انقلاب الموازين السياسية:
بعد صعود قوى الثورة البرتقالية الحليفة لأميركا وإسرائيل وبلدان الاتحاد الأوروبي, عقد الأوكرانيون المزيد من الأمان إزاء تحقيق تطلعات إدماج أوكرانيا ضمن الغرب الأوروبي, وعلى خلفية التحركات الأميركية-الإسرائيلية الواسعة النطاق في أوكرانيا, فقد ظلت موسكو أكثر اهتماما برصد ومتابعة تفاصيل تطورات أوكرانيا وما يترتب على ذلك من احتمالات تحول الساحة الأوكرانية كمصدر للمخاطر والتهديدات التي تستهدف الأمن الروسي وعمق القلب الحيوي الروسي.
دخلت الورقة الأوكرانية ضمن محاور لعبة خط موسكو-واشنطن, وأصبح الصراع السياسي الداخلي الأوكراني أكثر ارتباطا مع الصراع السياسي الخارجي الدائر على خط موسكو-واشنطن.
بسبب تورط واشنطن في حرب العراق وحرب أفغانستان, إضافة إلى نجاح موسكو في ردع جورجيا, إضافة إلى عدم التزام أميركا وبلدان الاتحاد الأوروبي بتقديم الدعم اللازم لتطوير الاقتصاد الأوكراني, إضافة إلى تزايد معدلات الفساد في أوساط نخبة الثورة البرتقالية, فقد أصيب الرأي العام الأوكراني بالمزيد من الإحباط وخيبة الأمل إزاء نخبة الثورة البرتقالية الحاكمة, وسعت موسكو من جانبها إلى توجيه المزيد من الضربات الموجعة لنخبة الثورة البرتقالية, وذلك من خلال إدارة وتوجيه مفاعيل أزمة ملف إمدادات الغاز الروسي لأوكرانيا.
على خلفية الضغوط الاقتصادية وتزايد مشاعر الإحباط وخيبة الأمل في نخبة الثورة البرتقالية الحاكمة, فقد شهد الرأي العام الأوكراني, عملية تحول عميقة باتجاه التخلي عن نخبة الثورة البرتقالية, وجاءت نتائج الانتخابات الرئاسية الأوكرانية لتؤكد في جولتها الأولى التي انعقدت يوم أمس وصوت فيها 82,5% من إجمالي الناخبين المسجلين, لجهة التأكيد على أن عملية تحول الرأي العام الأوكراني لم تكن وهما إعلاميا, وإنما كانت حقيقة حاضرة بقوة عبر صناديق الاقتراع.
أولى المؤشرات على هزيمة نخبة الثورة البرتقالية الأوكرانية جاءت خلال العام الماضي عندما دب الخلاف بين رموز وأقطاب هذه النخبة وتحديدا من خلال معطيات الخلافات الحادة بين الرئيس فيكتور يوشيينكو وحليفته رئيسة الوزراء يوليا تيموشينكو, وهو الخلاف الذي تضمن:
•اتهام الرئيس فيكتور يوشيينكو بالمسئولية عن عدم تحقيق التقدم في إدماج أوكرانيا ضمن الإطار الأوروبي إضافة إلى مسايرة أجندة السياسة الأميركية إلى الحد الذي ألحق الأضرار بعلاقات أوكرانيا الإقليمية وعلى وجه الخصوص مع موسكو التي ظلت تدعم الاقتصاد الأوكراني بإمدادات النفط والغاز.
•اتهام رئيسة الوزراء يوليا تيموشينكو بالتورط في الفساد واستغلال السلطة التنفيذية في خدمة صفقات دوائر أعمال القطاع الخاص المشبوهة, إضافة إلى تقديم المزايا والخدمات للجماعات اليهودية الداخلية والخارجية والإسرائيليين, وقد أنكرت يوليا تيموشينكو الانتماء إلى اليهودية, برغم الشكوك التي تؤكد بانحدارها من أب يهودي ليثواني.ukraine Map
أسفر الصراع الأوكراني-الأوكراني, عن تزايد رصيد المعارضة السياسية, وتضاؤل رصد حكومة ائتلاف نخبة الثورة البرتقالية الحاكم, بما أدى إلى انشقاق هذا الائتلاف إلى جناحين, الأول بزعامة الرئيس فيكتور يوشيشينكو زعيم حزب أوكرانيانا, وحصل في جولة الانتخابات الرئاسية الأولى على 5,4% من الأصوات, والثاني بزعامة رئيسة الوزراء يوليا تيموشينكو زعيمة حزب عموم أوكرانيا, وحصلت على 24,8% من الأصوات, أما زعيم المعارضة فيكتور بانكوفيتش زعيم حزب اتحاد المناطق فحصل على 35,7% من الأصوات.
وتاسيسا على ذلك, طالما انه لم يحصل أي مرشح على أغلبية 51% من الأصوات, فإن جولة الانتخابات الثانية سوف تنعقد في يوم 7 شباط "فبراير" القادم, وسوف تنحصر المنافسة بين زعيمة حزب عموم أوكرانيا يوليا تيموشينكو, وزعيم حزب اتحاد المناطق فيكتور يانكوفيتش.
حصول فيكتور يوشيشينكو على 5,4% لا يمثل هزيمة قاسية لقوة الثورة البرتقالية وحسب, وإنما يمثل ضربة قاسية لبقية زعماء وقوى الثورات الملونة, في منطقة القوقاز, وعلى وجه الخصوص الرئيس الجورجي ساخا شفيلي زعيم الثورة الزهرية الجورجية, وإضافة لذلك, تمثل هذه الهزيمة ضربة قاسية لواشنطن وحلفائها الأوروبيين الذين عقدوا المزيد من الآمال على صعود قوى الثورات الملونة في بلدان شرق أوروبا والدول التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي السابق.
من المتوقع أن تشهد الساحة الأوكرانية يوم 7 من شهر شباط "فبراير" 2010م القادم جولة انتخابية رئاسية ساخنة, وتقول التقديرات الأولية بأن أصوات بقية المرشحين سوف تتوزع بشكل متقارب بين المرشحين الرئاسيين, وبرغم المؤشرات الدالة على تحول الرأي العام الأوكراني باتجاه موسكو, فإن هناك احتمالات بأن تحصل الزعيمة يوليا تيموشينكو على المزيد من الأصوات, خاصة وأنها أعلنت عن تعديل توجهاتها السياسية نحو المزيد من التقارب مع موسكو, إضافة إلى تأكيداتها المتزايدة بضرورة تعديل توجهات قوى الثورة البرتقالية الأوكرانية باتجاه المزيد من الاعتدال والوسطية في علاقات أوكرانيا مع كل من موسكو وواشنطن.


الجمل: قسم الدراسات والترجمة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...