ماذا يعني استنساخ النموذج الكوري في العراق

11-06-2007

ماذا يعني استنساخ النموذج الكوري في العراق

الجمل:     حول حديث الرئيس جورج دبليو بوش القائل بأن الولايات المتحدة سوف تلتزم ببناء النموذج الكوري في العراق، يقول المحلل السياسي الأمريكي المختص بشؤون الشرق الأوسط جيم لوبي، بأن مماثلة العراق- كوريا التي وردت في حديث بوش الأخير، أثارت موجة من التحليلات في الصحف والمجلات والفضائيات ومراكز الدراسات الأمريكية.
• النموذج الكوري- الخلفية العامة:
كانت اليابان تحتل شبه الجزيرة الكورية، وخلال الجزء الأخير من الحرب العالمية الثانية تقدمت القوات الأمريكية من جهة الجنوب، وتقدمت القوات السوفييتية من جهة الشمال، وتمكنت أمريكا من احتلال الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة الكورية الذي عرف لاحقاً باسم (كوريا الجنوبية)، أما الجزء الشمالي فعرف باسم (كوريا الشمالية).
على غرار ما حدث في أوروبا بعد الحرب من انقسام إلى شرقية اشتراكية، وغربية رأسمالية، فقد انقسمت شبه الجزيرة الكورية إلى شمالية اشتراكية، وجنوبية رأسمالية.
التوجه الرأسمالي في كوريا الجنوبية، والتوجه الاشتراكي في كوريا الشمالية لم يكونا خياراً حقيقيا للشعب الكوري أو فلنقل لشعب الكوريتين.. وإنما كانا خيارات تم فرضهما بواسطة قوى الاحتلال الأمريكي والسوفييتي.
• النموذج الكوري- الطبيعة والدور:
اعتبرت الولايات المتحدة وجودها وفرض احتلالها لكوريا الجنوبية جزءاً لا يتجزأ من اتفاقية استسلام اليابان التي وقعها الامبراطور الياباني هيروهيتو بعد ضرب الطائرات الأمريكية لبلاده بالقنابل الذرية.
وطدت أمريكا وجودها العسكري في كوريا، ورفضت تحديد أي موعد لسحب قواتها منها، أما الاتحاد السوفييتي فبرغم سحب قواته من كوريا الشمالية، إلا أنه ظل يقيدها بترسانة من (اتفاقيات الصداقة والتعاون الأممي).
أشرف خبراء الولايات المتحدة على تصميم نموذج اقتصادي- اجتماعي- سياسي غربي ركز على التطور الرأسمالي، وفي الوقت نفسه حرب كوريا الجنوبية من بناء أي قدرات عسكرية.. وحالياً يتباهى الخبراء الأمريكيون بأن ما حدث في كوريا الجنوبية خلال الفترة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن يشكل في حد ذاته (نموذجاً) للطبيعة الإنسانية للاحتلال الأمريكي.
• النموذج الكوري- العراق وإشكالية الاستنساخ:
توجد العديد من الفوارق الجيوبوليتكية بين العراق كوريا الجنوبية:
- كانت كوريا بلداً مستعمراً بواسطة اليابان عندما دخلتها القوات الأمريكية، أما العراق فكان بلداً مستقلاً، ويقع ترتيبه من بين أكثر الدول النامية تقدماً على أساس مستوى التطور التكنولوجي والناتج القومي الإجمال ومعدل دخل الفرد، ومستوى الخدمات العامة والخاصة.
- جغرافياً تمثل كوريا الجنوبية شبه جزيرة محاطة بالمياه من ثلاثة جوانب، إضافة إلى حدود مغلقة تماماً مع كوريا الشمالية، الأمر الذي جعل منها بلداً معزولاً بالكامل، أما العراق فيرتبط بشكل مكثف مع بيئته الإقليمية، بحيث توجد امتدادات ثقافية، اجتماعية، اقتصادية، تاريخية، سياسية، بين كل مكونات الشعب العراقي، ومكونات بيئته الإقليمية على النحو الذي جعل العراق نفسه جزءاً لا يتجزأ من هذه البيئة الإقليمية.
- الاحتلال الأمريكي لكوريا الجنوبية تم بموجب اتفاقية دولية، أما احتلال العراق فقد تم بعملية غزو عسكري جائر، كذلك فقد لقي الوجود الأمريكي ترحيباً وقبولاً في بداية الأمر من الشعب الكوري.. أما الاحتلال الأمريكي للعراق فلم يجر سوى المقاومة المسلحة المتزايدة والإدانات السياسية محلياً وإقليمياً ودولياً.
- الاحتلال الأمريكي في كوريا لم يكن يرتبط بأجندة إقليمية مكشوفة معادية، أما الاحتلال الأمريكي للعراق فيرتبط بالمشروع الإسرائيلي في المنطقة.
- الوجود الأمريكي الكبير في كوريا الجنوبية مهدت له اتفاقيات الهدنة الكورية بموافقة القوى الكبرى بحيث كان الاتحاد السوفييتي الضامن لأمن كوريا الشمالية، وأمريكا الضامن لأمن كوريا الجنوبية.
• النموذج الكوري- اللهجة الأمريكية الجديدة:
لم يكد يطلق بوش تصريحاته حول تطبيق النموذج الكوري في العراق، حتى انطلقت سلسلة من التصريحات الأمريكية التي تؤكد ذلك:
- توني سنو المتحدث الرسمي للبيت الأبيض قال بأن النموذج الكوري هو ما سوف تعمل الإدارة الأمريكية على تطبيقه في العراق.
- روبرت غاتز وزير الدفاع قال بأن الوجود الأمريكي سوف يسعى لتطبيق النموذج الكوري، واشترط إجماع الأمريكيين والعراقيين على ذلك.
وتشير التحليلات إلى أن تصريحات بوش تسعى إلى التأكيد بأن القوات الأمريكية الموجودة في العراق سوف تبقى لأكثر من 50 عاماً، وذلك بالقياس للقوات الأمريكية التي مر على وجودها في أكثر من 54 عاماً.
• النموذج الكوري- أبرز التأثيرات والتداعيات المتوقعة في المنطقة:
- التأثيرات العسكرية: إن وجود أكثر من 250 ألف جندي أمريكي (إدارة بوش تخطط لإضافة 100 ألف جندي أمريكي جديد) موزعين على خمسة قواعد عسكرية شمال وجنوب وغرب وشرق ووسط العراق، هو أمر يشير بوضوح إلى أن الإدارة الأمريكية تخطط لتورط عسكري أكبر في المنطقة، وذلك لأن حماية العراق أو إقامة النموذج الكوري لا تحتاجان لمثل هذا العدد الضخم من القوات، وبالتالي فهي قوات سوف تسعى متى استقرت الأوضاع في العراق إلى تنفيذ المزيد من المهام العسكرية البحتة في المنطقة.
- اقتصادياً: في النموذج الكوري قدمت أمريكا القروض والمعونات المساعدات، الأمر الذي أسهم في بناء القاعدة الرأسمالية للاقتصاد الكوري الجنوبي، أما في العراق، فتقوم الإدارة الأمريكية الحالية بحماية نهب الموارد النفطية، وعائداتها المادية، وتشير المعلومات الحالية إلى أن إنتاج النفط العراقي تزايد بقدر كبير في الفترة الأخيرة، ولكن بسبب تعطيل (العدادات أو الساعات) التي تقوم بتسجيل كميات الضخ، فقد أصبحت كميات النفط المنقولة غير مدونة وبلا أي قيود كمية حقيقية ترصد أرقامها، ويشاهد العراقيون المئات من  الناقلات النفطية الأمريكية الضخمة وهي تتحرك جيئة وذهاباً في موانئ العراق الجنوبية وميناء جيهان التركي.. وقد رصدت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية التقارير السرية التي أشارت إلى أن كميات النفط العراقي التي تم نهبها قد تجاوزت في نهاية العام الماضي الـ50 مليار دولار.
- أمنياً: سوف يؤدي الوجود الأمريكي الطويل الأمد إلى المزيد من التوترات الأمنية في المنطقة، وذلك بسبب الطبيعة المعادية التي يحملها هذا الوجود لدول المنطقة، وسوف تسعى أجهزة الأمن الأمريكية إلى محاولة القيام بالمزيد من عمليات التغلغل والتسلل لاختراق دول المنطقة وشن المزيد من العمليات والحروب السرية الهادفة إلى تقويض الاستقرار على غرار ما يحدث في لبنان حالياً.
- سياسياً: سوف يؤدي الوجود الأمريكي الطويل الأمر إلى تصاعد الخلافات السياسية على العديد من المحاور والمسارات، وسوف تنشأ خلافات عربية- عربية، عربية- إيرانية، عربية- تركية، تركية- أمريكية، أمريكية- عربية.... وهكذا. إضافة على أن الرفض العراقي المتزايد للوجود الأمريكي سوف يؤدي إلى تصاعد المقاومة في وجه أمريكا.. والتي سوف تقوم بدورها بإلقاء اللوم والمسؤولية على دول الجوار، وهكذا سوف تشتعل نيران الأزمة السياسية في المنطقة وتقضي على العلاقات السياسية المستقرة التي كانت تسود في المنطقة قبل قيام القوات الأمريكية بغزو واحتلال العراق.
وعموماً بالنسبة لسورية، فإن (النموذج الكوري) الذي تسعى أمريكا لإقامته في العراق، سوف لن يقدم أو يؤخر وذلك لأن العراق أصبح بفضل الاحتلال الأمريكي ضمن قائمة الدول الأكثر تخلفاً وفقراً في العالم.. وربما تعود بعض الفائدة بعد 25 عاماً، عندما يتم إرجاع العراق إلى الوضع الاقتصادي الذي كان سائداً قبل الحرب.. هذا إذا كان الشعب العراقي يرغب فعلاً في بقاء القوات الأمريكية لبناء النموذج الكوري، وكانت إدارة بوش صادقة وغير كاذبة في تصريحاتها.
أما إذا كان النموذج الكوري مثله مثل أسلحة الدمار الشامل العراقية.. فهذا معناه أن الوجود الأمريكي الطويل الأجل هو وجود يهدف إلى استهداف سوريا عاجلاً أم آجلاً، وبالتالي ما من  أحد في سوريا يتوقع الخير من وجود أمريكا في العراق.. وليس على الأغلب، بل من المؤكد أن أمريكا سوف تسعى خلال وجودها إلى الآتي:
- تصعيد تهديداتها العسكرية ضد سورية، تمهيداً للقيام بغزو عسكري متى سمحت الظروف بذلك.
- تصدير المتطرفين إلى سورية، وذلك عن طريق دعم الجماعات الإرهابية المتطرفة على غرار ما يفعل ديك تشيني والمخابرات الأمريكية في لبنان حالياً.
- عزل الشعب العراقي عن الشعب السوري.
- الضغط على الاقتصاد السوري عن طريق تشجيع التهريب والأنشطة غير المشروعة عبر الحدود السورية- العراقية، مثل تهريب العملات المزورة، والمخدرات وغير ذلك.
- استخدام أراضي شمال العراق كقاعدة لإدارة فرض العقوبات المحتملة ضد سورية.
- العمل على جمع المعلومات الاستخباري عن سوريا بشكل مستمر.
- تهديد جيران سورية بعدم التعامل معها.
كل هذه التداعيات الممكنة الحدوث، للوجود الأمريكي في العراق لن تخدم الإدارة الأمريكية في تحقيق السيطرة على العراق وبناء النموذج الكوري طالما أن الفرق بين كوريا الجنوبية عند احتلالها، والعراق عند احتلاله مازال قائماً ويتمثل في رفض ومقاومة الشعب العراقي للاحتلال الأمريكي.

الجمل: قسم الدراسات والترجمة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...