الهبوط المفاجئ والمريب لبوش في الأنبار

04-09-2007

الهبوط المفاجئ والمريب لبوش في الأنبار

الجمل:     على خلفية زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش، المفاجئة للعراق، والتي تنم عن توجه غير عادي لمستقبل السياسة الأمريكية في العراق والمنطقة خلال الفترة القادمة.
بدأت التطورات الميدانية على مستوى العراق، وعلى مستوى واشنطن تأخذ مساراً جديداً، بعد الفترة التي اعقبت زيارة نوري المالكي لدمشق خلال الأسابيع الماضية، وعلى ما يبدو فإن الثلاثين يوماً القادمة سوف تكون حاسمة في تقديم الإجابة الواضحة للكثير من الأسئلة الهامة المرتبطة بتوجهات السياسية الخارجية الأمريكية إزاء العراق، إزاء إيران، وإزاء تركيا، وإزاء السعودية، وإزاء سورية ومنطقة شرق المتوسط.
·       الوجود الأمريكي في العراق.. سيناريوهات ما بعد تقرير الجنرال بتراوس:
خلال هذا الأسبوع بدأت الأطراف المعنية بالصراع العراقي ترتب ملفاتها كل على حدة، وذلك بسبب التوقعات والإشارات المتضاربة التي بدأت أكثر اختلاطاً وهي تلوح في الأفق، ففي واشنطن يرتب الديمقراطيون سيناريو استغلال فرصة تقرير الجنرال بتراوس من أجل إصدار قرار يرغم الإدارة الأمريكية على جدولة الانسحاب الزمني من العراق، وفي إيران، يرتب الرئيس أحمدي نجاد أمر العمل من أجل (ملء الفراغ) الذي سوف ينشأ في العراق من جراء انسحاب القوات الأمريكية، أما في العراق، فقد اختلفت الأطراف العراقية في ترتيب أوراقها:
-         نوري المالكي يراهن على الاستمرار في السلطة عن طريق الاعتماد على القوات العراقية وعلى محاولة الحصول على دعم دول الجوار، وبالذات سورية، إيران، وتركيا.
-         الأكراد يراهنون على استمرار الوجود الأمريكي، وعلى أقل تقدير إبقاء الحماية الأمريكية لهم في حالة انسحاب القوات الأمريكية، وذلك من أجل تعزيز ودعم حكومة كردستان الإقليمية على النحو الذي يجعل منها قاعدة للانطلاق على المدى القصير من أجل بناء كردستان الإقليمية الإيرانية، وكردستان الإقليمية التركية، كمرحلة أولى تمهيداً للانفصال على المدى الوسيط أو البعيد، متى سنحت الفرصة من أجل إقامة (دولة كردستان الكبرى المستقلة).
-         الفصائل الشيعية، وتراهن على قدرة الأغلبية السكانية الشيعية في السيطرة على عراق ما بعد الانسحاب الأمريكي، وحالياً تتنازع الفصائل الشيعية من أجل السيطرة على المجتمع الشيعي العراقي، وأيضاً على كسب موافقة طهران، على القيام بدور الحليف الرئيسي لإيران في العراق.
-         الفصائل السنية، وتراهن على خروج الأمريكيين، وعلى إمكانية القيام بدور بارز في عراق ما بعد الانسحاب الأمريكي، وأيضاً على ضرورة الاعتماد على الاستقواء بالدور السعودي والخليجي، ولكن حالياً، تواجه الفصائل السنية اشكالية بناء التحالفات بحيث أصبحت بعضها يسعى للتحالف مع نوري المالكي ومجموعته، وبعضها مع الأطراف والفصائل الشيعية، وبعضها مع القوات الأمريكية، وبعضها يحاول الإبقاء على وجوده ودوره المستقبل.
·       الأبعاد غير المعلنة لزيارة بوش المفاجئة للعراق.. دائرة المناورة والخداع الاستراتيجي:
درجت إدارة بوش في التصرف إزاء الملف العراقي، على أساس اعتبارات (نظرية المؤامرة)، واستخدام أسلوب (الخداع الاستراتيجي)، وهناك الكثير من الشواهد التي تؤكد ذلك، ومن أبرزها تسويق إدارة بوش في نهاية العام السابق للجنة بيكر- هاميلتون (مجموعة دراسة العراق)، باعتبار أن تقريرها سوف يقدم مفتاح الحل للأزمة العراقية، ولكنها بعد ذلك فاجأت الجميع باعتمادها على تقرير معهد المسعى الأمريكي الذي أعدته جماعة المحافظين الجدد بإشراف فريدريك كاغان، ودونيللي، وغيرهم.
عندما اجتمع الكونغرس قبل ثلاثة أشهى، واثر تزايد الخلافات بين الجمهوريين والديمقراطيين في جلسة الكونغرس التي استمرت طوال الليل، تم التوصل إلى حل تفادي الجمهوريين وإدارة بوش بموجبه قرار جدولة الانسحاب، وفي الوقت نفسه حصلوا على الميزانية المطلوبة، ولكن ذلك لم يكن دون مقابل، فقد تم التوافق على تقييم موضوع الانسحاب بالاستناد إلى تقرير الجنرال بتراوس، قائد القوات الأمريكية الحالي في العراق، والذي سوف يقوم بتقديمه للكونغرس في منتصف شهر تشرين الأول الجاري.. وبالتالي فقد أصبح الديمقراطيون يراهنون على فعالية إبراز السلبيات الخطيرة للوجود الأمريكي في العراق من خلال تقرير بتراوس، أما الجمهوريين وإدارة بوش، فيراهنون على إبراز إيجابيات ومصداقية فعالية استمرار وتوسيع الوجود الأمريكي في العراق.
زيارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش الأخيرة المفاجئة للعراق، يمكن تناولها من منظور التحليل السياسي بأكثر من منظور، فهي:
-         على أساس الاعتبارات الـ(بروتوكولية والدبلوماسية) تعتبر زيارة فائقة الأهمية وذلك لجملة أسباب، منها أن جورج بوش لم يأت لوحده، بل كان في رفقته وزيرة (الخارجية) الأمريكية كوندوليزا رايس، ووزير (الدفاع) الأمريكي روبرت غاتز، وهو أمر يشير بوضوح إلى ارتباط هذه الزيارة بالتطورات الجارية حالياً والمحتملة غداً في توجهات السياسات الخارجية والدفاعية الأمريكية في العراق والمنطقة.
-         على أساس اعتبارات (التوقيت) تعتبر زيارة بوش ذات أهمية فائقة ،  وذلك أولاً بسبب اقتراب موعد تقديم الجنرال بتراوس لتقريره (المصيري) أمام الكونغرس، وثانياً بسبب (التصعيدات) الخطيرة في التوجهات الأمريكية إزاء إيران، والتي فسرها المراقبون باعتبارها تمثل المعالم والدلائل على أن الضربة العسكرية الأمريكية ضد إيران قد  أصبحت وشيكة.
-         على أساس اعتبارات (التوازنات) تعتبر زيارة بوش ذات أهمية بسبب تزايد حدة الخلافات العراقية- العراقية، على النحو الذي أصبحت معه (العملية السياسية) العراقية على وشك الانهيار، وأصبح معه نوري المالكي يأخذ مساراً (مارقاً) بعض الشيء على توجهات إدارة بوش في العراق.
-         على أساس الاعتبارات (الجيوستراتيجية) تعتبر زيارة بوش ذات أهمية بارزة، وذلك لأن الثلاثي بوش، رايس، غاتز، الذي يمثل الرئاسة، الخارجية، والدفاع، في السياسة الأمريكية، قد قام بزيارة إلى محافظة الأنبار الموجودة في شمال غرب العراق، والمتاخمة للحدود السورية، والتي استطاعت حكومة المالكي وسلطات الاحتلال الامريكي تحقيق بعض (الاختراقات) فيها، عن طريق إقناع بعض الفصائل المسلحة السنية الموجودة في هذه المحافظة على التعاون مع (حكومة المالكي) و(قوات الاحتلال الأمريكية) في القضاء على الفصائل السنية المسلحة الموجودة في المنطقة، وذلك على النحو الذي يوحي للرأي العام الأمريكي وأعضاء الكونغرس الأمريكي بأن القوات الأمريكية قد نجحت في جعل محافظة الأنبار العراقية تشكل سداً منيعاً يغلق حركة تدفق حركة المسلحين من سورية، وذلك بشكل يؤدي إلى القضاء على (وهم تدفق المسلحين من سورية) واستبداله أو بالأحرى إعادة  إنتاج وهم جديد مضاد له في الاتجاه الذي يتمثل في القول بان (حركة تدفق المسلحين من سورية قد استطاعت زيادة القوات الأمريكية الحد منها عن طريق العمليات العسكرية، ودعم سكان محافظة الأنبار، وبالتالي لم يعد هناك سبب للخوف من استمرار الوجود الأمريكي في سورية، بدليل أن بوش ورايس وغاتز قد قاموا بزيارة المحافظة بأمان وسلام..).
-         على أساس الاعتبارات (العسكرية) تعتبر زيارة بوش ذات أهمية بارزة، وذلك لأن قيام الثلاثي بوش- رايس- غاتز بزيارة القاعدة العسكرية الأمريكية الموجودة في محافظة الأنبار، يشير إلى احتمالات الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه هذه القاعدة في حالة حدوث المواجهة العسكرية ضد إيران، وذلك لجهة المزايا الآتية التي تتمتع بها هذه القاعدة:
أ‌-       وجودها بعيداً عن الحدود الإيرانية يجعل منها هدفاً صعباً للقوات الإيرانية.
ب‌-  وجودها في منطقة شبه صحراوية يجعل منها مكاناً بعيداً عن المراقبة والرصد والاستهداف عن طريق عمليات القوات الخاصة والكوماندوس.
ت‌-  وجودها في منطقة سنية متطرفة يجعل من الصعب على العناصر المسلحة الشيعية العراقية استهدافها دعماً لإيران.
ث‌-  وجودها على مقربة من الحدود الأردنية، يجعل من السهولة على الأمريكيين توصيل الإمدادات العسكرية واللوجستية لها من أجل عبر الأجواء الأردنية، أو عبر الأراضي الأردنية عن طريق ميناء العقبة الأردني.
ج‌-    وجودها في منتصف الخط الواصل بين إيران وإسرائيل يجعل منها مكاناً ملائماً لاعتراض الصواريخ الإيرانية ضد إسرائيل.
ح‌-   وفقاً لكافة الاعتبارات السابقة ، فإن هذه القاعدة قد تصلح لأن تكون المقر والمركز الرئيس لإدارة العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، وذلك لأن المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين يستطيعون الوصول بكل سهولة عبر إسرائيل والأردن، وذلك لأنه في حالة اندلاع المواجهة مع إيران، سوف يكون وصول المسؤولين الأمريكيين لمركز قيادة العمليات صعباً إن تم وضعه في إحدى القواعد الامريكية الموجودة في الخليج أو في المناطق الكردية، أو في وسط وجنوب العراق، وذلك لأن جميع هذه المناطق لن تكون متميزة بمواصفات المناطق (الآمنة) التي يمكن الركون إليها، وذلك بسبب أن هذه المناطق سوف تكون مستهدفة بواسطة الإيرانيين، وبالتالي فإن القاعدة الأمريكية الموجودة في محافظة الأنبار هي المكان الأكثر صلاحية لاستخدامات (مرابط الخيل) بواسطة مسؤولي الإدارة الأمريكية والإسرائيليين.
خ‌-   وجود هذه المحافظة على منطقة الامتداد الحيوي من خط الحدود السورية- العراقية، سوف يتيح للأمريكيين محاولة فرض السيطرة على العلاقات العراقية- السورية العابرة للحدود، خاصة وأن الحدود السورية- العراقية من الناحية الشمالية، تقوم أمريكا بالسيطرة عليها عن طريق الحركات الكردية، وقوات البشمركة ذات التدريب الإسرائيلي- الأمريكي.
وعموماً، تطرح زيارة الرئيس الأمريكي بوش، والفريق (أ) المرافق له والمكون من وزيرة الخارجية، ووزير الدفاع الكثير من الأسئلة المريبة، وعلى الأغلب أن تبدو إجابة هذه الأسئلة أكثر وضوحاً خلال الأسابيع القادمة، وبالذات فيما يتعلق بـ(تقرير بتراوس)، و(تطورات العملية السياسية العراقية) و(الضربة العسكرية ضد إيران).. وعلى غرار المثل الانجليزي الشهير القائل: (دعنا ننتظر ونرى) فسوف ننتظر حتى نرى ما الذي سوف يحدث، فقد هاجم الرئيس بوش إيران بالتورط في دعم التمرد العراقي، بالأسلحة، وأعقب اتهام بوش من واشنطن، تحركاً ميدانياً تمثل في قيام القوات الأمريكية الخاصة باقتحام القنصلية الإيرانية بمدينة أربيل (الكردية) واعتقال اثنين من الموظفين الإيرانيين، وقبل عدة أيام كرر الرئيس بوش اتهامه لإيران، وأعقب ذلك مباشرة قيام القوات الأمريكية في مناطق جنوب العراق (الشيعية) باعتقال أعضاء وفد رسمي إيراني.. والآن لم يكتف بوش بهذه الاتهامات وحسب، بل وقام بزيارة قاعدة عسكرية أمريكية موجودة في محافظة الأنبار (السنية).. المجاورة للحدود السورية والسعودية، والقريبة من الأراضي الإسرائيلية.


الجمل: قسم الدراسات والترجمة
 

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...