الجيش العربي السوري: لماذا لم يتفكك كما تنبأ الخبراء؟

24-11-2017

الجيش العربي السوري: لماذا لم يتفكك كما تنبأ الخبراء؟

 

صدرت كتابات كثيرة حول الجيش السوري، تحديداً بعد عام 2011، تحاول قراءة وفهم سلوكه، وأسباب عدم انهياره أو تفككه، رغم الخسائر والتضحيات الجسام التي قدمها، وفرار أو انشقاق المئات من الجنود فيه. وهي خسائر، إذا قورنت بطول زمن الحرب والجبهات الكثيرة التي اشتعلت لوقت طويل على مساحة التراب السوري، من جهة، وإذا قورنت من جهة ثانية بأعداد الجنود الأمريكيين -على سبيل المثال- الذين فروا أو تخلفوا عن الالتحاق بالجيش الأمريكي في حرب العراق، وبلغت بحسب مقال في صحيفة التلغراف 11 ألف جندي أمريكي بين 2003 و2008، نجد أنها تشكل نسبة طبيعية ولا تنم عن وجود خلل في بنية المؤسسة العسكرية السورية.


ولئن كان تعاطي الجيش السوري مع الأحداث في سورية مختلفاً عن الكيفية التي تعاطت بها جيوش عربية عدة، حيال أحداث وقعت في بلدانها، إلا أن التعميم الذي انطلق من فرضية حسبان الأحداث متشابهة في كل بلد، وأنها تبعا لذلك تفترض -من حيث المبدأ- ردَّ فعلٍ مشابهٍ تجاهها، أدى إلى تهميش وإغفال جانب هام مرتبط بخصوصيات كل بلد والظروف التي شكلت وصاغت بنية وعقيدة جيشه؛ تحديداً بعد الاستقلال؛ لقد كان الأهم في تلك القراءات، أنها ركزت على سلوك الجيش السوري تجاه الأحداث بعد 2011، في سياق علاقة الجيش بالنظام السياسي، فيما غابت قراءة سلوك الجيش انطلاقاً من علاقته بالشعب الذي خرج منه، وأيضاً تجربته قبل الأحداث الأخيرة، ودوره الوطني.


دور الجيش العربي السوري: قراءات متفاوتة

لقد شابت الأدبيات المناهضة للدولة السورية قراءة تقوم على شخصنة وتطييف مؤسسات الدولة، ونزع الصفة المؤسساتية عنها واختزالها في مكونات أثنيّة أو طائفية، وتبرير تماسكها وعدم تفككها على أساس انتماءات ثانوية، وعلاقة مصلحية، وليس على أساس الانتماء لسورية ككل الذي يقوم على أساس من واجبات وحقوق، ولذا فإن المرء لن يفاجأ والحال كذلك بحجم التشويه الذي طال المؤسسة العسكرية السورية، وتبعا لذلك سوء التقديرات والتعميمات الاختزالية والاستنسابية في محاولة تحليل أدائها التي تمخض جميعها عن "خبراء" و"محللين" منهم من يفتقر للموضوعية، رغم علمه بحقيقة الأمور، ومنهم من تعوزه المعرفة الكافية، بحسب الباحث الباكستاني كمال علم، وفي الحالتين كنا أمام قراءة "ناقصة". نقول ناقصة لأنه لاشك هناك بعض الصواب في تلك القراءات، ولكن الأحكام المسبقة جعلت أي قراءة لسلوك الجيش العربي السوري وصموده في وجه الإرهاب -على الأقل الإرهاب المعترف بهويته عالمياً من قوى الميتروبول الغربي- يخضع لديماغوجية غير مسبوقة؛ فصُوّر الجيش السوري على أنه جيش يقتل وينشر الدمار، بل نُظِرَ إليه بصفته مؤلفاً من مجرد كتائب وعناصر وقطاعات تأتمر بأمر قلة من النافذين، تقتل شعبها. فأُطلقت عليه تسميات من قبيل "جيش الأسد" أو "قوات الأسد" أو "كتائب الأسد".

صدرت دراسات عدة حول الجيش السوري وأدائه بعد 2011، مثل ما جاء في دراسة للباحثة جهاد هشام محمد ضيف، نشرها المركز الديمقراطي العربي بعنوان "دور المؤسسة العسكرية في النظام السياسي السوري 2011-2016"، وهي دراسة تنطلق من فهمها لدور الجيش السوري في الأزمة من خلال مقارنة أداء الجيش بأداء جيوش عربية أخرى، شهدت انتفاضات وأحداثاً، كمصر وتونس. حللت الدراسة أداء الجيش السوري أثناء الأحداث، منطلقة من مسلمة تقوم على أن الجيش السوري الآن هو "جيش النظام"، وغاب عنها تحليل أداء الجيش بالنظر للدور الذي لعبه بعد الاستقلال في حفظ الوحدة الوطنية، وصلة ذلك بدوره الآن.

غير أن قراءة أداء الجيش بالربط مع الأحداث التي وقعت بعد 2011، وإغفال الإضاءة على أدائه في مراحل سابقة، تحديداً في وقت تجربته ودوره في لبنان، هي قراءة تفتقر للخبرة بطبيعة الجيش السوري وتاريخه، كما يرى كمال علم، في مقال بعنوان "السلام السوري: لا غالب ولا مغلوب". يربط الكاتب في هذا المقال بين دور المؤسسة العسكرية في ظل الأزمة بعد 2011، ودورها قبل ذلك، من جهة، والدور الذي لعبته المؤسسة في تثبيت السلام في سورية والمنطقة، من جهة أخرى. وهو دور يعود، وفقاً للكاتب، لعوامل مرتبطة ببنية الجيش وعقيدته وتطور تجربته منذ الاستقلال. وفي سياق العرض الذي يقدمه علم، نستطيع الخروج بأجوبة عن أسئلة من قبيل: أَيمكن أن يكون الجيش السوري جيشاً طائفيّاً؟ يرى الكاتب أنه، وبخلاف ما يذهب إليه بعض المراقبين، «فلم يكن العامل الساحق في تماسك الجيش أنه "جيش علوي"، فلو كان هذا واقع الحال، لما كان بمقدور الجيش الصمود لمدة طويلة، إذ كان أبرز رؤساء هيئة الأركان والأركان العامة خليطاً من السنة والمسيحيين والعلويين»، مشيراً في هذا الصدد إلى ثلاث شخصيات معاصرة رئيسة – (العماد) مصطفى طلاس و(العماد) فهد جاسم الفريج والراحل (العماد) داوود راجحة، فهم، ]وبحسب انتمائهم الديني[ على التوالي: سنة ويونان أرثوذكس، ما يعني أن الحديث عن العامل الطائفي بصفته سمة الجيش، وسبب بقائه ليس بالتحليل الموفق، بحسب المقال. ولتوضيح هذه المسألة، يسلط الكاتب الضوء على الجيش وتركيبته.

الجيش السوري وتكوينه

يقدّم الكاتب في هذه الفقرة عرضاً تاريخياً لبنية الجيش وتكوينه العرقي والطائفي منذ الاستقلال عام 1946، والتجاذبات التي وسمت تطوره. وبحسب المقال، فإن الجيش السوري، «هو خليط متوازن من المكونات السورية من أبناء الريف والمدينة، ورجال الأعمال وأبناء العشائر». وهو الجيش الذي عمل منذ نشأته على التخلص تدريجياً من البذور الطائفية التقسيمية المتوارثة من أيام الاحتلال الفرنسي الذي كان يعمد إلى تشجيع انضمام أفراد من مكونات محددة إلى الجيش، وهكذا أسهم الجيش، بعد الاستقلال، بحسب المقال، في سد الفجوة بين مكونات وطبقات المجتمع، إذ كان المتطوعون فيه من الأغنياء والفقراء، ومن سكان المدينة والريف، وتنوعت المكونات الدينية التي ينحدر منها أفراده. ولذا يدعو الكاتب للتفكّر ملياً في تجربة الجيش السوري منذ الاستقلال، والمستويات التي مرت بها المؤسسة العسكرية، وكيف واجهت الانقلابات والتحديات، كتمرد الإخوان المسلمين في مراحل مختلفة، إلى أن استقر الأمر إلى ما هو عليه الآن، إذ تمكن رؤية تطور الجيش السوري- بحسب المقال- من خلال عدة مراحل هي:

-مرحلة التخلص من الإرث الفرنسي: بدأت هذه المرحلة ما بعد الاستقلال وهي مرحلة شهدت انقلابات كثيرة، حين كان قادة الجيش يتدخلون بشكل مباشر في السياسة، وكان على الجيش-لتثبيت وجوده كمؤسسة وطنية- التخلص من بذور طائفية عمل الفرنسيون على تمكينها داخل المؤسسة العسكرية.

-مرحلة مواجهة التمردات: يشير الكاتب في هذا الصدد إلى ما قام به الجيش في مواجهة تمردات داخلية، وهي مواجهة لم تنطلق من علاقة الجيش بالنظام السياسي الذي كان حاكماً وقتها، ولا بطائفة الرئيس، كما تذهب القراءات والتحليلات في ما يخص أداء الجيش بعد 2011، بل يرى الكاتب أنها متعلقة بدور الجيش في تثبيت السلم الأهلي، ويشير في هذا الصدد لما قام به الجيش في الخمسينيات والستينيات في مواجهة تمردات حدثت في مدينة حماة، وتمت مواجهتها بإمرة قائد للجيش ورئيس للدولة، ينتميان للمكوِّن الدينيّ نفسه الذي ينحدر منه المتمردون، ما يعني أن فرضية التحرك على أساس طائفي ليست صحيحة. ولذا فإنه، وبحسب الكاتب، فإن الإفراط في التركيز على الكيفية التي تم بها التعاطي مع تمرد الإخوان المسلمين في الثمانينيات وتظهيره على أنه كان صراعاً طائفيّاً بين جيش طائفي ومجموعة دينية من طائفة أخرى، إنما هو قراءة غير موضوعية، ومنسلخة عن السياق التاريخي الذي وسم علاقة المؤسسة العسكرية بتمرد هذه الجماعة وغيرها قبل السبعينيات.

-الجيش السوري وقتال العدو الخارجي: يستعرض الكاتب أيضاً تجربة الجيش السوري في قتال إسرائيل، تحديداً في لبنان والاستراتيجية التي طورها الجيش لتثبيت السلام في لبنان بالعمل مع قوات غير نظامية، ويضيء في هذا الصدد على معارك دارت بين الجيش السوري وإسرائيل، ويتطرّق لاستراتيجية الجيش المتمثلة في تفريق الخصوم، والعمل مع المكونات المحلية في البيئة التي يقاتل فيها. وبحسب الكاتب، فرغم أن هذه المعارك «غابت في الكتابات العسكرية التي صدرت في الغرب حول الجيش السوري. لكنها تشكّل بالنسبة للسوريين اليوم، ولضباط الأركان العامة في سورية، الأساس للتحضير للحرب القادمة مع الإسرائيليين من خلال استخدام القوات غير النظامية. وقد كان أداء السوريين خلال الحرب الحالية تتويجاً لدراسة معارك 1980 التي دمجت بين القوات غير النظامية والجيش السوري».

ووفقاً للمقال، فإن الجيش السوري تطور، على مدى العقود الأربعة الماضية، إلى جيش موحد غير طائفي، إذ يدلل الكاتب على ذلك من أمثلة من بينها الكيفية التي تعاطى بها كبار الضباط في المؤسسة العسكرية مع محاولة شقيق الرئيس الراحل حافظ الأسد للاستيلاء على السلطة في ثمانينيات القرن الماضي، ودور الجيش أيضاً في الأمد الواقع بين 2000 و2011.

ربما ما يُعدُّ هاماً في الإشارة التي يوليها الكاتب لاستراتيجية الاعتماد على القوات غير النظامية و الاستعانة بالسكان المحليين، أنها تأتي لتفسر سبب الاستمرار في هذه النهج في الحرب الحالية التي يخوضها الجيش ضد الإرهاب، ما يعني أن الجيش، وفي اعتماده على قوات غير نظامية في الحرب الحالية، إنما ينطلق من استراتيجية قديمة، لم تفرضها الأحداث الحالية.

من هو الجيش العربي السوري بعد 2011؟

يخلص الكاتب في نهاية مقاله إلى أن الجيش السوري يبقى «قوةً هائلة كما شهد على ذلك ألد أعدائه: جيش الدفاع الإسرائيلي، وقد تطور كمؤسسة كي تقاوم الانقسامات الطائفية والتأثيرات الخارجية السلبية. لكن الأمر يبدو كما لو أن الغرباء (الأطراف الخارجية)، ومنذ بدء الصراع الحالي، كانوا يريدون تصوير هذا الجيش على أنه جيشٌ طائفي منذ اللحظة التي أُطلقت فيها الطلقة الأولى في سورية». وبحسب المقال، فإن هذا الصورة لا تتعلق فقط بكيفية فهم الآخرين لتطور الجيش ومدى صدقيتها، بل يعود إلى «أن الأجانب دائماً حريصون على النظر في القضايا التقسيمية وتسليط الضوء عليها، عوضاً عن النظر إلى السوريين أنفسهم»، مقتبساً كلمات نيكولاس فاندام، مؤلف كتاب الصراع على السلطة في سورية.

المصدر:مركز مداد للدراسات والأبحاث

 

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...