مالي: دعم متبادل بين قطر و«القاعدة»

02-02-2013

مالي: دعم متبادل بين قطر و«القاعدة»

سلطت الأزمة المستمرة في مالي منذ سيطرة الإسلاميين على شمال البلاد وحتى الحرب الفرنسية اليوم، الضوء على الدور الذي تقوم به قطر في القارة الافريقية وتحديداً علاقتها بالمجموعات الإسلامية المسلحة في شمال مالي. وكما هو الحال بالنسبة لفرنسا التي تسعى إلى استعادة السيطرة على مستعمرتها القديمة للحفاظ على مصالحها بمساعدة أميركية، يبدو أن الدوحة لديها مخططات خاصة لتمديد نفوذها السياسي والتجاري في تلك المنطقة. من هنا يبرز تضارب المصالح بين الطرفين الحليفين سابقاً في ليبيا. وفي وقت لجأت فيه فرنسا إلى الحكومة المالية والدول الأفريقية لشن حربها في مالي، لجأت قطر إلى الإسلاميين في الشمال ليؤمنوا لها مستقبلاً في المنطقة، وقد تكون بذلك عززت موقعها في معركة التنافس المستمرة مع السعودية. طفل مالي يقف أمام اللوح في مدرسته في تمبكتو أمس. وافتتحت المدارس أبوابها للمرة الأولى أمس بعد توقف استمر عشرة أشهر (أ ف ب)
وإن صحت التقارير حول الدعم القطري من مال وسلاح للمتمردين الإسلاميين من أنصار تنظيم «القاعدة» في شمال مالي، فمن شأن ذلك أن يوضح أكثر الاستراتيجية القطرية في أفريقيا، كما يبرز التناقض فيها بين معارضة دعمتها في ليبيا بموافقة أميركية وفرنسية، ومتشددين تدعمهم في مالي ضد إرادة باريس وواشنطن.
وقد انشغلت الصحافة الأجنبية، والفرنسية تحديداً، قبل الحرب الفرنسية في مالي، بالبحث في دور الدوحة في دعم المسلحين، وهي التي سمح لها وحدها بالتواجد على أراضي شمال مالي لتقديم «الدعم الإنساني»، بحسب الرواية الرسمية.
وقد أبرزت مجلة «لو ماريان» التواجد القطري في الشمال في تقرير نشرته في تموز الماضي، أي قبل الحرب الفرنسية. وبدأت تقريرها بالآتي: «معروفة بغازها ونفطها، واستثماراتها، وأندية كرة القدم، وشراء القصور الباريسية والمتوسطية، تقوم قطر اليوم بدور إشكالي في شمال مالي»، عبر توفير الدعم المالي والعسكري لأنصار «القاعدة».
ونقلت المجلة عن رئيس بلدية مدينة غاو قوله ان «الحكومة الفرنسية تعرف من يدعم الإرهابيين. قطر على سبيل المثال، تواصل إرسال المساعدات والطعام يومياً إلى مطارات غاو وتمبكتو». لكن يبدو أن الموضوع أكبر من ذلك، فقد نقلت «لو ماريان» عن خبير في العلوم السياسية انه «بالطريقة ذاتها التي وفرت فيها قطر قوات خاصة لقيادة المعارضة ضد العقيد الليبي معمر القذافي، نعتقد أن مجموعة من القوات الخاصة القطرية موجودة حالياً في شمال مالي لتدريب القادمين الجدد هناك، خصوصاً أنصار الدين».
أما صحيفة «لو كانار أونشين» فقد كشفت في الشهر ذاته، عن تواجد قوات خاصة قطرية في الشمال. وفي تقرير بعنوان: «صديقتنا قطر تمول الإسلاميين في مالي»، نقلت الصحيفة الأسبوعية عن مصدر في الاستخبارات العسكرية الفرنسية قوله ان «الحركة الوطنية لتحرير أزواد، وحركتي أنصار الدين، والتوحيد والجهاد المرتبطتين بالقاعدة، جميعها تلقت المال القطري».
وتعتمد غالبية التقارير التي تتحدث عن التواجد القطري في مالي، على أنه بعد سيطرة الإسلاميين على الشمال، لم يسمح سوى للهلال الأحمر القطري بالتواجد على أراضي الشمال. وقد دخلت المنظمة المدن الشمالية من النيجر بحماية حركة «التوحيد والجهاد»، التي اعترفت على لسان أحد قيادييها في حديث لوكالة «فرانس برس» بالدعم القطري في تأمين المواد الغذائية مثلاً، ومساعدة الحركة على التقرب من السكان. ويناسب هذا التصريح بالطبع الرواية الرسمية القطرية بأن المساعدة هي إنسانية بحتة.
واعتمدت قناة «فرانس 24» في تقرير لها على اتهامات وَجَّهَها سياسيون فرنسيون إلى الإمارة الخليجية. وكان كل من زعيمة اليمين الفرنسي ماري لو بن والسيناتور عن الحزب الشيوعي ميشال دوميسين قالا إن على قطر الإجابة عن بعض الأسئلة في ما يتعلق بمالي.
واعتبرت لو بن في ردها على دعوة وزير الخارجية القطرية الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للحوار في مالي، إنه «إن كانت قطر تعارض التدخل الفرنسي في مالي، فلأنه يهدد مصالح حلفائها الأكثر تشدداً».

وفي حين يبدو ما ذكر سابقاً مؤشراً كافياً على الدعم القطري للمسلحين الإسلاميين في شمال مالي، إلا ان إليوت أبرامز في مجلة «مجلس العلاقات الخارجية» الأميركية اعتبر أن كل ذلك يبقى مجرد اتهامات وليس بدليل، معتمداً على تقرير للباحث مهدي لازار في مجلة «أوبن ديموكراسي».
وعكس تقرير «أوبن ديموكراسي» تواجد قوات قطرية في شمال مالي، على اعتباره استراتيجية تتبعها الإمارة الخليجية الصغيرة في القارة الافريقية. فمن المعروف أن الدوحة هي الداعم الأساسي لجماعة «الإخوان المسلمين» الحاكمة في مصر حالياً، وحركة «النهضة» الحاكمة في تونس. إلى ذلك، «قامت قطر بدور في المفاوضات حول دارفور في السودان في العام 2011، كما انها دعمت قوات حلف الأطلسي» التي تدخلت في ليبيا ضد نظام العقيد معمر القذافي، وبالطبع وفرت التمويل اللازم للمعارضة الليبية المسلحة. وليس بعيداً عن ذلك كله، ما يحصل في سوريا اليوم.
ووفقاً للازار فإن التواجد القطري في مالي مؤكد إلا انه يبقى غير واضح. ويقول ان «التواجد القطري في مالي معروف، إلا إن الصعوبة تكمن في البحث عن أن الإمارة تسعى من وراء ذلك إلى تغيير الوضع السياسي والإستراتيجي من وجهة معينة إلى أخرى».
ومؤشرات ذلك بحسب لازار، هي: «أولاً، ان لدى قطر شبكة من المشاريع التي تتخللها المدارس الدينية، والتعليمية والخيرية في مالي منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. وثانياً، بعد توقيع اتفاق بين الهلال الأحمر القطري والصليب الأحمر المالي في آب الماضي، تتواجد المنظمة القطرية على الأرض المالية لدعم سكان الشمال، خصوصاً في مثلث المدن الثلاث غاو وكيدال وتمبكتو».
أما في حال توفر الدليل على تواجد قوات خاصة قطرية في الشمال، فإنه سيكون من الممكن طرح عدة استنتاجات، وفقاً للازار. أولا «إن هذا التدخل، قد يوفر لهذه الإمارة، عبر استراتيجية بسيطة وخطيرة، الفرصة لزيادة تأثيرها في الصحراء الغربية ومنطقة الساحل. وذلك من خلال القيام بدور المفاوض بين الحكومة المالية وإيكواس (المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا)، وحتى فرنسا، ومتمردي الشمال. وبالتالي ستعزز نفوذها السياسي في القارة، مستغلة، كما تفعل عادة، الجو السياسي المرحب»، وهو في حالة مالي بارز جداً، فهي تعتبر «دولة فاشلة».
ومن هنا، يقارن لازار بين مالي وسوريا، لافتاً إلى وجود عاملين متشابهين في الحالتين. الأول، انه «بعد نجاح الحملة الليبية، تشعر الإمارة بالثقة بقدرتها على التدخل في الخارج، وذلك ما حصل في سوريا. أما العامل الثاني فهو أن التدخل القطري يصب في إطارين، التنافس مع السعودية للسيطرة على العالم الإسلامي السني، وتقوية المحور السني في مواجهة الشيعة» (محور إيران وسوريا وحزب الله والعراق).
أما بالمقارنة مع ليبيا، «فيُنظر إلى مالي على أنها مخزن محتمل لاحتياطي الغاز الطبيعي، وبالتالي فهي بحاجة إلى بنية تحتية، وهما قطاعان من تخصص قطر»، وبالتالي، يقول لازار، فإنه عبر علاقاتها الجيدة مع قيادات الإسلاميين في الشمال، ستكون قادرة على استغلال الأرض الغنية بالذهب واليورانيوم، كما ستبحث عن إمكانية إيجاد مواقع غاز ونفط.
ومن ثم، يطرح لازار القضية من الجانب الجيوغرافي، فإن «مالي أيضاً تعتبر مدخلاً لأفريقيا السوداء وأفريقيا الغربية حيث تعمل قطر على تعزيز نفوذها عبر شراء الموارد والأراضي الزراعية، فضلاً عن تمويل أماكن العبادة».
ونقلت مدونة «أخبار الدوحة» عن الباحث في الشؤون الأمنية مايكل ستيفين، انه من خلال التدخل في مالي، تسعى قطر لحماية مصالحها التجارية ونفوذها المتزايد في العالمين العربي والإسلامي. وأشار إلى أن حقيقة دعم قطر للإسلاميين ستظهر قريباً في معرض الحديث عمن يقدم لهم السلاح.
لكن القضية أيضاً تعكس تناقضاً في تحالفات قطر، بين دعمها المعارضة المسلحة في سوريا بالمال والعتاد ببطاقة خضراء فرنسية وأميركية، وتحالفها مع الإسلاميين في مالي في حربهم ضد فرنسا. لكن المصالح هي دائماً التي تحدد اللعبة السياسية، خصوصاً في دولة تسعى إلى تعزيز نفوذها ونفوذ حلفائها. لكن بالرغم من تقارير دعم الإسلاميين، إلا إنه من دون شك، ستبقى الدوحة حليفة للولايات المتحدة، إن لم يكن في مالي، ففي الدول العربية على الأقل.

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...