زياد منى: العقلانيّة الغائبة في بيان «رابطة العقلانيّين العرب»

23-12-2007

زياد منى: العقلانيّة الغائبة في بيان «رابطة العقلانيّين العرب»

الجمل- *زياد منى: فوجئت أخيراً، كما كثير غيري من الزملاء، بتسلم رسالة إلكترونية تحوي إعلانًا عن انعقاد «مؤتمر العقلانيين العرب» في باريس في شهر تشرين الثاني المنصرم، وصدور ورقة تأسيسية تمخّضت عنه تُعلِن ولادة (رابطة العقلانيين العرب).
نحن بالطبع لسنا ضد إحكام العقل، بل نطالب بذلك ونعمل من أجله، في مجالات الحياة، جميعها. ولأننا مع إحكام العقل نجد لزاماً علينا إخضاع هذا الإعلان للفحص الدقيق، لكن طبعاً من دون إيلائه أي أهمية تتجاوز حجمه الحقيقي المحدود للغاية.
لعل أول ما يلاحظه المرء هو ذكر أسماء الداعين للقاء (صادق العظم، جورج طرابيشي، عزيز العظمة، رجاء بن سلامة، محمد الهوني)، إضافة إلى مجموعة من المثقفين العرب لم يجد كاتبو البيان أن أسماءهم تستحق ذكرها!! وفيما يعرف المثقف العربي بعض الأسماء يتعجب لوجود أخرى، وخاصة عندما لا نعثر في المكتبة العربية على أثر لإبداعاتهم المفترضة.
وللعلم، فإن بعض المؤسسين هم من الماركسيين ـــــ اللينينيين السابقين، أو التائبين. لا ندري إن أعلن أحد منهم جهاراً إفلاس الفكر الماركسي ـــــ اللينيني الذي كان يتباهى به ليلاً نهاراً، أم أنه لا يعدُّ مسألة إعلان موته قضية تستحق الوقوف عندها، مع أن أحد «المؤسسين» أعلن أكثر من مرة أنه مع «اقتصاد السوق» و«العولمة» ... إلخ، لكن من دون ذكر أسباب «ارتداده» عنه.
طبعًا، لكل شخص الحق في اختيار الفكر الذي يناسبه ويريحه شخصياً، وهذا حق مكتسب مع الحياة ولا دخل لأي كان في ذلك، وهو ليس منّة من أحد. لكن حتى يكون لذلك «الارتداد» قيمة علمية، لا تماشيًا مع الموضة السائدة، فسيكون من المفيد لهم ولصدقيّتهم، شرح سبب التراجع عن أفكارهم السابقة من منطلقات علمية، وخاصة أنهم، جميعهم كانوا يقدمون «أرضيات علمية صلبة» لإيمانهم السابق.
إضافة إلى ذلك، من الصعب إقناعنا بعقلانية منهج عضو مؤسس في (رابطة العقلانيين العرب) يتباهي في سيرته العلمية بحصوله على جائزة من قسم لاهوت جامعة ألمانية محافظة والحرص على وضعها في سيرته العلمية. هل صدَّق قسم لاهوت مسيحي محافظ «علمانية» الكاتب المزعومة. كلا بكل تأكيد!.
كما إنه من غير الممكن إقناعنا بأن أحد مؤسسي النادي العتيد، الذي انتقد منتقدي رواية آيات شيطانية للهندي سلمان رشدي من دون أن يقرأها، وأنا كنت أيضاً من منتقديهم، كان مصيباً وعقلانياً حين وقف ضد أقوال بحق الكاتب السوري سعد الله ونّوس نُسبت إلى رئيس اتحاد الكتّاب العرب (سوريا)، وصرح في المقالة ذاتها... نعم نعم ... بأنه لم يقرأها!!!. أيّ عقلانية هذه؟!.
سنكتفي بهذا المقدار الآن

من ناحية أخرى، نجد في اسم الرابطة هذه، أي: رابطة العقلانيين العرب، احتكاراً للعلم والعقلانية والمعرفة!. ألا يوحي هذا الاسم بعدم الاعتراف بأي عقلانيين عرب خارج الرابطة العتيدة. كان يمكن اختيار اسم تعريفي آخر، لكن التمسك بألف لام التعريف يعكس محاولة فرض وصاية، أو استعادتها، عملاً بمقولة: أسيادكم في الجاهلية أسيادكم في الإسلام!!!.
ثم ألا يوحي اسم الرابطة هذا، التي خصصت القسم الأكبر من بيانها للهجوم على الحركات الإسلامية دون غيرها، أيضاً بأن الفكر الإسلامي غير عاقل؟ لكن ألم يتمكن حزب الله، الديني بامتياز، من التصدي بنجاح منقطع النظير للعدو الصهيوني لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، بسبب اعتماده على أدوات حداثية من تنظيم وتخطيط وتدريب ومقدرة ... إلخ، أذهلت الأعداء وأربكت خططهم ومؤامراتهم؟
الجوانب المفجعة في البيان تلاحق القارئ في كل سطر من أسطره. أكثر ما أذهلنا فيه السطحية الفجة في نظرته إلى الأمور، يجعله أقرب إلى إعلان وصفة طبية مناسبة لكل الأمراض، أو حتى ولادة تنظيم شبابي منه إلى بيان صادر عن «العقلانيين العرب» حيث يكتفي بتكرار مملّ للديباجات المعروفة.
فلنا الحق، كمواطنين مفجوعين بما آلت إليه أحوال الأمة العربية والقضايا الوطنية والقومية، في توقع تحليل أنثروبولوجي ـــــ فلسفي عميق يشرح ارتباط الاجتماعي بالوطني والقومي، والداخلي بالخارجي، بدلاً من اجترار الشعارات النمطية المملة.
كما من حقنا توقع قراءة نقد ذاتي للقوى التي ساهمت، إما عن جهل وحماسة، أو عن سابق إصرار وتصميم، على ما وصلنا إليه من أحوال مزرية. وبما أن معظم المشاركين في تأسيس المنتدى هم من «اليسار العربي» الماركسي ـــــ اللينيني، فمن حقنا أن نتوقع منهم نقداً ذاتياً علمياً لدربهم السابق، أفراداً وجماعات، وأيضاً لأسباب تحولهم إلى تبني أفكار (الليبرالية الجديدة)، هذا إن أرادوا أن يضفوا أي صدقية على توجههم الجديد حتى لا يغالبنا الظن بأن أصحاب هذا البيان، بمجموعهم، يحاولون استعادة مواقع ليس إلا. وكأنه يجب علينا قبولهم كأشخاص أوصياء علينا كنوع من القدر المحتوم، حتى بعدما انتهت صلاحية أفكارهم التأسيسية.
لقد حاولنا العثور في البيان عن بصيص نور فما وجدناه، ولا حتى بالإشارة ولو من بعيد. لم نعثر في البيان العتيد على أي إشارة إلى الدور التخريبي الذي تمارسه الإمبريالية الأميركية والدول الغربية، وإن بنسب متفاوتة، فرادى ومجتمعة، في دعم القوى اللاعقلانية في بلادنا، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً وفكرياً واجتماعياً ... إلخ. إن وطننا العربي جزء من هذا العالم، يتأثر به ويتفاعل معه، ولأن الشعوب العربية أسيرة ومرهونة، ولأن ما يسمى (النظام العربي) ولد في دهاليز وزارات خارجية ومراكز مخابرات الدول العظمي التي تسهر على حمايته صبحاً وعشيةً، وهي التي تتحكم في كل تفاصيله إلى يومنا هذا، فسيكون من التعسف إهمال التأثير الخارجي في مسار تطوره الروحي والمادي، طبعاً من دون إهمال العوامل الذاتية وثيقة الارتباط به.
لكن الفجيعة تصل إلى ذروتها في تجاهل البيان قضية العرب المركزية، قضية فلسطين والدور التآمري الذي تمارسه الرجعية العربية في محاولة تصفيتها لمصلحة تحالف خبيث وشيطاني مع العدو الصهيوني أساسه التخلي عن فلسطين، وهي القضية التي استخدمها كثر من «المفكرين» مطيّة للصعود سياسياً في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. لا يمكننا مغالبة الشعور بأن بعضهم على الأقل، إن لم يكن أكثرهم، استخدموا القضية الوطنية الفلسطينية للتسلق والظهور، وعندما مال الميزان، على ما يتوهمون، لمصلحة التخلي عنها وللتطبيع مع العدو، أيضاً نفضوا أيديهم منها وتخلّوا عنها، وتسلقوا شعارات الليبرالية الجديدة أيضاً بهدف استعادة مواقع توهموا أنهم كانوا قادتها أو مؤثرين فيها. كما إننا لا نعثر في البيان على أي كلمة في ذلك البيان تبيّن موقف الموقعين عليه من احتلال العراق وأفغانستان والصومال ... إلخ. نقول هذا لعلمنا بأن بعض الموقّعين يتحدثون في مجالسهم الخاصة عن «تحرير العراق»، وكنتُ شاهداً شخصياً على ذلك وقد اضطر للتفصيل مستقبلاً. متى كتب أيّ من هؤلاء المفكرين مقالة ضد العدو الإسرائيلي وضد الصهيونية وضد احتلال العراق وأفغانستان و و و؟
إن هذا التجاهل لقضايا تمسّ الوجود العربي من أساسه وتشكل همّ الإنسان العربي الأول، ليس تقصيراً أو حدث سهواً، وإنما قصدي يشير إلى توجه المنتدى العتيد مستقبلاً. فهل هذا سبب تجاهل البيان إعلام القراء بمصدر تمويل هذه الرابطة لأن المموّل هو الذي سيقرر توجهها!!.
لهذه الأسباب جميعها، وغيرها، والتي لا تغيب عن ذهن المثقف العربي، نرفع البطاقة الحمراء في وجه هذه الرابطة واللاعبين الجدد ـــــ القدامى، ونقول لهم: لقد انتهى عصر الوصاية على العقول.
مقتطفـــــات مـــــن البيـــــان

شهد العالم العربيّ، منذ هزيمة حزيران/ يونيو 1967 خاصّة، تحوّلات اجتماعيّة ارتكاسية، من مظاهرها الإجهاز على المنجزات الحداثيّة التي سبقت أو تلت مباشرة مرحلة الاستقلال الوطنيّ، وصعود التّيّارات الإسلامويّة التي تكفّر الفكر والمعرفة والإبداع، والتّراجع المتصاعد لدور المثقّف النّقديّ إلى تخوم الاستقالة والتّلاشي.وتمثّل ولادة «رابطة العقلانيّين العرب» التي تعلن عنها هذه الورقة التّأسيسيّة تلبية لحاجة تمليها الوقائع المعيشية اليوم في العالم العربيّ، ذلك أنّها تدعو إلى إعادة الاعتبار إلى الثّقافة النّقديّة، وتتطلّع إلى مجتمع بديل متحرّر من تديين السّياسة وتسييس الدّين، ومنعتق من العموميّات الإيديولوجيّة اللاعقلانيّة التي تذيب القضايا جميعها في شعارات دينيّة عامّة مثل «الدّولة الإسلاميّة»، و«المجتمع المسلم» و«الاقتصاد المسلم»، وهي كلّها على مبعدة شاسعة من روح العصر وأفكاره
وقيمه.
إنّ المطروح على جدول الأعمال اليوم ضرورة السعي إلى تفسير الخراب العربيّ بأدوات عقلانيّة. والمطلوب رفض اللاعقلانيّة التي تحكم العالم العربيّ اليوم في مجالات السّياسة والقانون والاقتصاد والتّعليم والموروث والقيم الثّقافيّة الإنسانيّة.. فقد أفضى تعميم اللاعقلانيّة سياسيّاً واجتماعيّاً، وبعد مرور عقود عدّة على هزيمة حزيران/ يونيو، إلى إلغاء الحرّيّات المختلفة وتبرير الجهل والتّخلّف وتوسيع الاستبدادين السّياسيّ والدّينيّ، وصولاً إلى المجانسة بين الشّعب المهزوم والسّلطة القروسطيّة.
تمثّل العقلانيّة التي تقول بها «رابطة العقلانيّين العرب» مطلباً مركزياً من مطالب الحداثة التي تقوم، في جملة الأسس التي تقوم عليها، على العلمانيّة والمجتمع المدنيّ ودولة القانون وحقوق المواطنة الاقتصاديّة والسّياسيّة والثّقافيّة والتّعليميّة والمدنيّة. وتولي «رابطة العقلانيين العرب» من هذا المنظور العقلاني أهمية خاصة للعلمانيّة التي لا يمكن أن تختزل إلى ثنائيّة الإيمان والإلحاد، ولا أن تختصر في إيديولوجيا مكتفية بذاتها، ذلك أنّها سيرورة اجتماعيّة متصاعدة غايتها فرد مستقلّ قادر على التّفكير ومجتمع ديموقراطيّ حرّ قائم على تعاقد اجتماعيّ بين أفراد أحرار. وهي في هذا تدعو إلى فصل المجال الدّينيّ عن مجال الدّولة والسيّاسة والقانون، وتدعو إلى حرّيّة الضّمير من حيث إنّها تشمل حرّيّة الاعتقاد وعدم الاعتقاد، وحرّيّة الرّأي والتّعبير، والأخذ بما جاءت به شرعة حقوق الإنسان المعترف بها دوليّاً. وبسبب ذلك، لا تنطلق سيرورة الحداثة من الجماعة والجموع المتجانسة، بل تنطلق من الفرديّة المستقلّة الحرّة التي تعترف بغيرها ويعترف غيرها بها. ومن حقّ المرأة، والحال هذه، أن تتمتّع بالمساواة التّامّة مع الرّجل في مجال الحقوق والحرّيّات، بما يؤكّدها مواطناً مستقلاً متكامل الحقوق. ومن هذا المنظور نفسه تؤكد «رابطة العقلانيّين العرب» أن مختلف أنماط التّعدّديّة التي يشتمل عليها العالم العربي، في أشكالها من إثنيّة ودينيّة وثقافيّة، إنما ينبغي أن تقوم على مبدأ المواطنة الواحدة والمساواة التامة، بعيداً عن كلّ تصوّر مجزوء يمحو حقوق المواطنة بمصطلحات غائمة أو بدائيّة مثل الأقليّة والأكثريّة وروابط الدّم والأواصر القبليّة والأسريّة والطائفية.

* كاتب سوري


 

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...