حنا مينة: الكلمة وتأثيرها.. حتى في هذا الزمن!..

06-11-2008

حنا مينة: الكلمة وتأثيرها.. حتى في هذا الزمن!..

بدءاً ..أنا مع الدراما ومع مشجعيها الغيورين عليها، لأنها صناعة تعتاش منها عائلات يزيد تعدادها على نصف مليون أو أكثر وقد ازدحمت عندنا الشاشات الصغيرة، من فضائية وأرضية، بالمسلسلات في شهر رمضان الكريم الفائت، واحتار المشاهدون في أمرهم، وتباينت أذواقهم، وتفاوتت درجات اهتمامهم بهذا المسلسل أو ذاك، الى درجة أن بعضهم كاد يلتصق بالمقعد الذي يجلس عليه، أو الفراش الوثير الذي يستلقي عليه ليلاً، ومنه يتابع هذا السيل الآتي من مشاهد ملونة، مزركشة، لوقائع من حياتنا تارة، وبعيدة عن وقائع هذه الحياة طوراً، كأنما قامت قيامة الدراما التلفزيونية في هذا الشهر الفضيل، وباتت تخشى أن يفوتها الركب، أو يجرفها الزحام، فتفوت الفرصة السانحة، ويتأخر كل شيء الى رمضان القادم، فتخسر الشركة المنتجة، أو يتهرب المخرجون المحترفون، أو يلوب الممثلون في طلب الأجور، أو يأنفون من الدخول في متاهات «الشط والمط» لفكرة صغيرة، بائسة، مجترّة، مكررة، يراد لها على الطريقة المكسيكية، أن تكون مسلسلاً في خمسين أو ستين حلقة، يتناسل بعضها من بعض بطريقة فجة، بائخة، مثيرة للشفقة، أو بطريقة كوميدية تعيسة قوامها التهريج الرخيص الذي يمجه الذوق السليم!.

إن التاريخ العربي المجيد والحافل، قد أصبح في نظر بعض كتّاب السيناريو، منهبة لكل ناهب، ومشغلة لكل من ليس له شغل، وشاة ذبيحة، أو ناقة معقورة، أو بقرة بيضاء، يعملون فيها سكاكينهم، أو سواطيرهم، تجريحاً، وتمزيقاً، وتجريداً للحم عن العظم، وفق رغبة «السفاحين الأباة» لا رغبة التاريخ الذي يجب احترامه، وصيانته من الأذى، والنأي بها عن التشويه، والحرص عليه من التبديل والتعديل، حتى أصبح هذا التاريخ يصيح: «وامعتصماه!» ولا من يسمع، أو يستجيب، لأن الصيحة لامست الرؤوس لكنها لم تلامس النخوة، ولهذا فإن الكثرة المطلقة من المشاهدين، رغبوا عن المسلسلات التاريخية، التي قوامها بعض الخيول، وبعض الرايات، وبعض الكتل البشرية من حملة السيوف، المقعقعة في منازلات مصطنعة، أو متحركة آلياً وفق إرادة المخرج، وفي متناول الكاميرات المحمولة، وفي فضاء من دخان النيران، أو مثار الغبار، كي يبدو كل شيء حقيقياً مئة بالمئة، مع أنه وهم في وهم، كما قال الممثل صباح عبيد لجريدة «تشرين»! ‏

هناك استثناءات طبعاً، وهناك التزامات بوقائع التاريخ من قبل بعض الأدباء الذين يعرفون التاريخ جيداً، ويستطيعون نقله من الكلمة الى الصورة بأمانة، إلا أن هذا البعض ضاع في زحمة الدراما التاريخية، المعجوقة بالخيل، المزدلفة بفرسان، يلوّحون بسيوفهم، في فضاء من الرمل وكثبانه، دون أن تكون لهم مهارة الفروسية، في تجليها الأصيل، وكل واحد منهم يظن نفسه عنترة، ويكابر في ظنه، ويخاتل في جدله، ويتشوّف على الناس المشاهدين، الذين يحسب أن في مقدوره الضحك على لحاهم! ‏

الأنجح، في رأيي، هي الدراما الاجتماعية، التي كانت سيدة الشاشة، في عجقة العروض الرمضانية، مثل «أميرة في عابدين» للكاتب أسامة أنور عكاشة، و«أبناء القهر» للكاتب هاني السعدي، وإخراج مروان بركات، و«العطار وسبع بنات» التي لعب الدور الرئيسي فيها الممثل الكبير نور الشريف، و«الفصول الأربعة» و«أين قلبي» ليسرى ومحمود قابيل وغيرها. ‏

إن وزارة الصحة في سورية، عيّت في الكلام على مرض الإيدز وخطره، إلا أن القليل جداً كان عدد المهتمين بإرشادات وزارة الصحة، فلما عُرض مسلسل «أبناء القهر» وأدى فيه الممثل ميلاد يوسف، دور «نور» المريض بالإيدز، هرع الناس كما اخبرني أحد الأطباء، إلى إجراء الفحوصات في سورية ولبنان والبلاد العربية الأخرى، التي شاهد فيها الناس هذا المسلسل الناجح، ومن هنا ينبغي التقاط العبرة، مما تفعله الكلمة الصادقة ومدى تأثيرها على المشاهدين، في الدراما الاجتماعية التي ضمرت في السنوات الأخيرة، لطغيان الدراما التاريخية عليها، وقد انسحب بعض كبار الممثلين اعتذاراً عن المشاركة في الدراما التاريخية لدورة رمضان 2002، رافضين تجارة الوهم، والسماسرة الذين يهيمنون على الفن ويبيعون الوهم للمشاهدين! إضافة الى أن بعض الذين يكتبون سيناريوهات المسلسلات التاريخية من السذاجة في الفهم التاريخي، ومن الجنف في قراءة الوقائع، ثم معالجتها بشكل مفيد للمشاهدين راهناً، بحيث تؤكد كل هذه السلبيات مقولة «الوهم وبيع الوهم فيها!». ‏

ولقد أغامر، أو لا أبالي، بما قد يثار من غمز ولمز، إن ذكرتُ ان الكاتب والقصصي المعروف حسن.م يوسف، قد أجاد في نقل الكلمة الى صورة مرئية، حين تولى كتابة سيناريو «نهاية رجل شجاع» عن رواية اجتماعية لي بهذا الاسم، تدور أحداثها في مرفأ مدينة اللاذقية، قامت «شركة الشام للأعمال الفنية» بتحويلها الى مسلسل ضخم، كان، باعتراف العاملين في الوسط الفني، والمشاهدين جميعاً، بداية نهوض الدراما في سورية، قصة واخراجاً وتمثيلاً، وقد عرض في الفضائيات والأرضيات لعدد كبير من التلفزيونات العربية وغير العربية، ولا يزال يعرض حتى بعد مضي عشرة أعوام على إنتاجه، لأنه قدّم للمشاهد حدثاً جديداً، حدثاً فريداً، أثار تساؤلات لا عدد لها، عما إذا كان المرفأ عندنا بهذا الشكل، وكانت الإجابات: نعم، المرفأ بهذا الشكل، وكل المرافئ بهذا الشكل تقريباً، من مرسين إلى اسكندرونة في اللواء العربي السليب، الى اللاذقية، الى بيروت والاسكندرية الى المرافئ الأخرى في كل بلاد العالم. ‏

إن التماثل، هنا، في الجوهر، في هيكلية المرافئ والعاملين فيها، لا في الإدارات والأنظمة والقوانين والأجور والخصائص، ففي كل مرفأ ورديّات عمل وعمال ورؤساء عمال لضبط التشغيل، إلا أن فيها، أو في أكثرها، «ذئاب مرافئ»يتعاطون سراً،وفي حالات نادرة علناً، التهريب في الاتجاهين: براً وبحراً، كما يقومون بأعمال نهب وسرقة وسمسرة واتجار بالعملات، وهناك، أيضاً، فتيان المرافئ الذين يتكلمون، ولو بقدر ضئيل، لغات أجنبية متعددة، في مقدمتها اللغة الانكليزية ودور هؤلاء ارشاد البحارة الى الخمارات والنوادي الليلية وبيوت الدعارة والصيارفة والبنوك، وخدمات متنوعة، في رأسها تدفير المسروقات، أي إيصالها الى تجار صغار، يتمركز عملهم في بيع مايصلهم من بضائع مسروقة الى غيرهم، ومن غيرهم الى الناس الذين يحترفون استهلاكها أو بيعها بالمفرق بعد شرائها بالجملة، وأخطر ما في المرافئ تكتلات من يعملون فيها، والانقسامات التي تحدث بينهم، والوشاة والنمامون والمستزلمون لهذا الطرف أو ذاك، و«البلطجية» و«القبضايات» والقتلة وباعة السلاح، وفي جو كهذا لا تستطيع إدارة أي مرفأ، أو عناصر الحراسة لديها، أو رجال الشرطة ومخافرهم، أن يحولوا بين «ذئاب المرفأ» والمعارك التي تنشب بينهم، والممنوعات التي تُتداول، والمنهوبات وتدفيرها، والحذوفات التي يذهب ضحيتها رجال من كل الكتل! ‏

إن مرفأ اللاذقية، الذي كان يديره «الختيار» قبل قيام شركة المرفأ، يختلف طبعاً عن المرافئ الأخرى، العربية والعالمية، لكنه من حيث الجوهر، أو جو المرافئ العام، له نفس الشكل، نفس المحتوى، ماعدا وجود الخمارات ونساء المرافئ المفقود، لذلك لا ينزل البحارة، عادة، من سفنهم إلى المدينة، ومقولة «نهاية رجل شجاع» بسيطة، مختصرة، مفادها أن الشجاع وحده لا يستطيع أن يفعل شيئاً، وعليه أن ينضم إلى نقابة وهذا أفضل، أو تكون له كتلة وهذا أسوأ، أو يركب رأسه كما فعل مفيد الوحش في الرواية والمسلسل، فيدفع حياته ثمناً مجاناً!. ‏

بقيت ملاحظة: هي أنه لا بد، عندنا كما في العالم، من الاستناد الى الأدب لنجاح الدراما، وسبب هبوط مستوى الدراما السورية، انها فرَمت التاريخ، أو استرخاص السيناريوهات التي يفبركها كتبة عاجزون، ولئن فشل مسلسل مأخوذ عن رواية جيدة، فإن هذا الفشل يعود الى الشح في التمويل، أو الاسترخاص بالاعتماد على ممثلين من الكومبارس، أو النقص في الدعاية، أو احتكار العرض، وحصره في تلفزيون واحد! ‏

لنأخذ مصر مثلاً، فإن الأعمال الدرامية من أفلام ومسلسلات فيها تستند إلى أعمال أدبية غالباً، حتى لم يبق شيء مما كتبه إحسان عبد القدوس، أو نجيب محفوظ، أو يحيى حقي، أو توفيق الحكيم، إلا واقتبست أفلاماً ومسلسلات، نجح معظمها نجاحاً كبيراً، أو جيداً، أو مقبولاً، من منطلق معرفة قيمة هذه الروايات أو القصص ومدى فائدتها، أو نفعها في تحويلها إلى أعمال فنية. ‏

ومن غير الممكن، في صدق التعبير، ألا أعترف أن ثمة أفلاماً ومسلسلات سورية قد نجحت، دون اعتمادها على أي نص أدبي مكتوب أو مشهور، إلا أن القضية التي فيها الاستفتاء، تبقى أوفر حظاً في النجاح الدرامي المأخوذ عن عمل أدبي، لهذا القاص، أو هذا الروائي، أو هذا السينارست الأصيل، وهم موجودون في سورية، وبعدد غير قليل. ‏

حنا مينة


إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...