اقتصاديون يحاكمون الفريق الاقتصادي لحكومة العطري

28-06-2011

اقتصاديون يحاكمون الفريق الاقتصادي لحكومة العطري

لم تكن السياسات التي نفذها الفريق الاقتصادي في حكومة المهندس ناجي عطري تحظى بقبول شعبي واقتصادي، وخلال الفترة ظهرت مجموعة من الانتقادات لهذه السياسات التي تبلورت نتائجها بمؤشرات اجتماعية خطيرة كان أبرزها ارتفاع معدل الفقر وعدم قدرة الخطة الخمسية العاشرة على الوفاء بما وعدت به في الشق الاجتماعي...
في هذه الندوة تناقش «تشرين» مع مجموعة من الاقتصاديين أسباب النقمة على السياسات الاقتصادية السابقة و نقاط القوة والضعف فيها ومحاور أخرى مهمة... ‏

ثمة انتقاد أو نقمة لنقل على سياسات الفريق الاقتصادي السابق...برأيك د. رسلان ما سبب هذه النقمة....هل هي نتيجة مضمون هذه السياسات أو آليات تنفيذها؟!. ‏
د. رسلان خضور: مشكلة الفريق الاقتصادي السابق أنه ليس اقتصادياً وهي أحد المشكلات. فمن كان يقود الفريق الاقتصادي لم يكن اقتصادياً وهنا الخلل كفريق... وإذا أردنا تقييم الفريق الاقتصادي بشكل عام فيمكن القول أنه كان هناك ضجيج أكثر من وجود طحن، بحكم العلاقات العامة التي يمتلكها رئيس الفريق الاقتصادي ربما، بمعنى آخر كان هناك كثير من المؤتمرات, الندوات والإعلام.....لكن ما هي النتائج على الأرض؟ . ‏
على سبيل المثال الخطة الخمسية العاشرة كانت مصاغة كنص جميل جداً، إنما لم يكن هناك تطبيق في أي مجال, إذ أن هناك أكثر من نقطة يمكن أن تسجل على السياسات السابقة في مجال المحاور الأساسية: ‏
في مجال الاستثمار, في مجال التفاوت في توزيع الدخل, فالسياسات كانت بعكس ما هو وارد في التوجهات العامة, ففي العام 2005 تم إعلان اقتصاد السوق الاجتماعي كنهج اقتصادي للبلاد، فيما طبق على أرض الواقع اقتصاد السوق الليبرالي تماماً ولم يناقش الاجتماعي، وهذا يعتبر ثغرة كبيرة في السياسات السابقة حيث جرى العمل على اقتصاد سوق ليبرالي بحت عن سابق تصميم وإصرار, منطلقين من السياسات الموجودة في العالم ككل..... سياسات الصندوق والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، وجميعها ذات توجه ليبرالي وهذا خلق مشكلات على مستوى الدول الأخرى كالأزمة المالية والاقتصادية 2008 وأحد أهم أسبابها الليبرالية المنفلتة من عقالها وابتعاد الدولة عن التحكم بالسياسات ودور الدولة، عادت الدولة واستعانت فيها وعادوا ليستعينوا بدور الدولة كملجأ آمن. وهذا كان أحد الأسباب الأساسية لما وصلنا إليه حالياً نتيجة رفع شعارات وممارسة غيرها على الأرض ما يعني وجود انفصام بالسياسات «انفصام شخصية» إذا ما أسقطنا المفهوم على الأشخاص، أي أنها تشمل حتى السياسات المتبعة من قبل بعض الفريق الاقتصادي. لنأخذ مثلاً مشكلة الفساد الكبرى في الاقتصاد السوري، التي تكمن وراء كل المشكلات الأخرى إذ كان بعض أعضاء الفريق الاقتصادي السابق مقتنعاً أن الفساد ضروري، معتمدين بذلك على نظريات التنمية بالفساد «صموئيل هنغتنستون» ولا بأس أن يكون هناك فساد في البلدان النامية حتى تستطيع التنمية، ما يعني أن موضوع الفساد لم يكن يعني للحكومة السابقة أي شيء والتعامل معه بشكل جدي، وهكذا استمرت المشكلات وبالطبع الفساد لم يأت مع الحكومة السابقة وإنما العملية تراكمية. ‏

وإذا ما أخذنا مشكلة أخرى كالعلاقة بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد غير الحقيقي، نعلم أن اقتصاد الخدمات يخدم فروع الاقتصاد الأخرى وبعض القطاعات الأخرى، إذ كان هناك تركيز على الاقتصاد الريعي، فخلال العقد الماضي وعلى مستوى الزراعة مثلاً كان هناك مشكلة، والسبب في رأيي ليس الجفاف إنما تراجع الاستثمارات الزراعية في القطاعين العام والخاص فخلال السنوات العشر الماضية لم تتجاوز الاستثمارات الزراعية 3% على مستوى التكوين الرأسمالي ككل، وبالتالي من الطبيعي أن تتضرر بعض المناطق الشرقية نظراً لغياب الاستثمارات على مستوى البنى التحتية أو استثمارات مشروعات إنتاجية مباشرة، وهو سبب أساسي في تراجع القطاع الزراعي وكذلك في الصناعة تراجع الاستثمار الحكومي على أساس إفساح المجال أمام الاستثمار الخاص، لكن لم تستطع استثمارات الخاص أن تغطي النقص الحاصل في الاستثمارات الحكومية وهنا تكمن المشكلة. ‏

إذا كان يعول على قيام القطاع الخاص بتعويض تراجع الاستثمار العام إنما على الجانب الآخر لم يكن هناك نتائج حقيقية للاستثمارات الخاصة؟ ‏
خضور: بالتأكيد لم تستطع الاستثمارات الخاصة التعويض عن النقص في الاستثمارات الحكومية ما أدى إلى تراجعها وغطتها في مجالات....ولكن أين؟ ‏
يفترض أن يكون هناك قطاعات حقيقية وإذا لم يكن لديك قطاع إنتاج حقيقي فماذا تفعل؟ فالمصارف لا توجد هكذا ولا خدمات الاتصالات ولا الخدمات الأخرى على اعتبار أن هذه القطاعات ستخدم قطاع إنتاج حقيقياً. ‏

لنعد إلى الأزمة المالية العالمية. . ما هو سببها الأساسي؟ سببها الانفصال بين دورة الإنتاج الحقيقي و بين الدورة النقدية المالية, فالدورة النقدية تخدم الدورة السلعية... لذلك هذا الانفصال اتضح في عمل الدورة النقدية بمفردها «مضاربات وغيرها» لذلك لا يصح الفصل بين الدورتين لكون القطاعات الإنتاجية والخدمية تخدم بعضها البعض لذلك كان الاقتصاد منفصم الشخصية. ‏

أستاذ ربيع فيما يتعلق بالجانب الاجتماعي.... لماذا تم إهماله في الفترة السابقة وما هي المؤشرات التي تبلورت جراء هذا الإهمال؟ ‏
فريق تجميلي ‏
ربيع نصر... إذا أردنا الحديث عن الفريق الاقتصادي السابق علينا أولاً معرفة ما حجمه في المؤسسات السورية... وهل هذا الفريق الاقتصادي هو قائد العملية الاقتصادية؟! أنا أنفي ذلك....لماذا؟ ‏
الحكومة في سورية تأخذ أقل من حجمها فكيف نعرف أنها أقل من حجمها؟! لأن الوزير المسؤول عن قطاع ما لا يعتبر نفسه مسؤولاً عن هذا القطاع، فالوزير المسؤول عن قطاع الصناعة مثلاً لا يعتبر نفسه مسؤولاً عن رؤية قطاع الصناعة العام والخاص وازدهاره فهو أقرب إلى نوع من الوظيفة العاملة منه إلى وظيفة القائد للقطاع, واجهنا هذا الموضوع عام 2004-2005. ‏
وأنا أحببت الحديث عن مرحلتين, مرحلة الإعداد للخطة الخمسية العاشرة ومرحلة تنفيذ هذه الخطة فمن الواضح جداً تناقض بين التوجهين والسبب الأساسي لتقليص حجم الحكومة هو أن الحكومة تعتمد على أن القيادة القطرية باعتبارها المسؤولة عن القرارات الكبرى بما فيها القرارات الاقتصادية والاجتماعية والقرارات الأخرى، وبالتالي هي التي تمسك العملية القيادية بالمقابل هناك وزارة رئاسة الجمهورية هي مؤسسة مسؤولة ومشرفة، والخلل الذي حدث تمثل بحجم حكومة وظيفية لا تأخذ قرارات على مستوى البلد... قيادة قطرية ليس لديها جهاز فني يقوم بالمتابعة والإشراف والتقييم الفني والعلمي ولا وزارة الرئاسة، وبالتالي فالفريق الاقتصادي كان يعمل تحت مؤسستين قياديتين ليس لديهما القدرة الفنية لقيادته للأمام، وليس لديه رؤية اقتصادية للمستقبل. ‏

هل هذا يعني أن الفريق الاقتصادي لم يكن يملك صلاحية القرار؟ ‏
نصر....أريد أن أوضح أن هذا الفراغ جعل الفريق الاقتصادي عام 2004 يلعب دور المبادرة بأن يضع رؤية تجسدت في الخطة الخمسية العاشرة وهذه الخطة كانت فيها ميزة.. إنها خطة تنموية بالفعل وبأي معنى كانت كذلك ؟! أي انطلقت من فكرة أساسية تقوم على بناء قدرات الإنسان هو الأصل بزيادة الإنتاجية وهو الأصل بالرفاه، وبالتالي قدرات الإنسان وزيادة فرصه بالمفهوم التنموي الواسع للتنمية المبني على زيادة الحريات وزيادة القدرة على المشاركة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهذا كان نقاشاً جدياً وكان هناك مشاركة على ضآلتها وطبعاً كان ذلك يحظى بدعم السيد الرئيس وإلا لما كان له أن يسير. ‏
أين الإشكالية إذاً... نحن نتحدث عن فريق اقتصادي متناقض في الآراء على المستوى التفصيلي وعلى مستوى الرؤى لكن بقوا بشكل تجميلي فريقاً اقتصادياً، لكنه غير متفق في الخطة الخمسية العاشرة كان هناك مبادرات جدية لقضيتين أساسيتين وهما أساس في الإصلاح. ‏
الأول الإصلاح المؤسساتي وهو مقدمة أي إصلاح آخر: إصلاح الفساد، إصلاح المحاسبة وكيفية تقييم الاستثمار العام وكيفية إدارته ومتابعته، إصلاح القطاع العام الذي حتى الآن لم يجر فيه إصلاح وأيضاً الموضوع المتعلق بصناعة السياسات بناء توازن بين الاقتصادي والاجتماعي وتمت المشاركة لدرجة كبيرة لأول مرة بالخطة العاشرة مع القطاع الأهلي، وهي تحتوي جوانب مهمة الاجتماعي والاقتصادي وجانباً مؤسساتياً لكن عند التنفيذ انتهى كل ذلك نهائياً، وكان هناك توجيهات واضحة أن كل وزارة تنفذ ما ترتئيه ونحن نعلم أن الوزارات تتمنى أن تعمل بالطريقة السابقة للخطة من خلال إقامة القليل من المشروعات والاستثمارات دون أي رؤية أو إلزام من أحد. ‏
وبالتالي لم تكن الخطة الخمسية العاشرة هي التي نفذت وهنا حدث الانفصام كيف؟ أي كان السؤال ما هو الأسهل هل نجري تحديثاً مؤسساتياً وتقييم المديرين العامين أم نحرر أسعار المازوت؟ بالطبع تحرير أسعار المازوت فذهبت كل السياسات نحو القناة الأسهل في التنفيذ ألا وهي تحرير الأسعار، وهو قرار ومع كل أسف لقد تم اتخاذ تحرير أسعار المحروقات خلافاً لكل الدراسات، إذ إن كل الدراسات تنص على تحرير تدريجي بعد إعداد كافة شبكات ومؤسسات الحماية الاجتماعية ومؤسسات الحماية الاجتماعية لم تنشأ وتم اتخاذ قرار التحرير بشكل الصدمة. ‏

الجدية في عدم التنفيذ ‏
الموضوع الآخر هو الموضوع الاقتصادي، وقد كنت ركزت على موضوع التشغيل وهذا الموضوع بحد ذاته بحاجة لمنع الاحتكار بالاقتصاد الوطني وحتى الاستثمار الخاص الذي رفض المجيء للاستثمار بالقطاعات الإنتاجية، لابد وأن يشعر بوجود تعهد من الحكومة بوجود قضاء عادل على الأقل بحيث لا يخسر أمواله أو يتعرض للابتزاز، والنقطة الأخرى ألا يكون هناك احتكار بالسوق إلا أن الاحتكار استمر في ظل عدم وجود ضمانات للاستثمار الخاص، بمعنى أن الاستثمار الخاص.....هذا الاستثمار الطبيعي النزيه المفروض أن يأتي لينتج ويبيع ويربح لم يكن له ضمانات، وبالتالي أنت خسرت الاستثمار الخاص وتركت الاستثمار العام يتراجع وبالتالي خسرت حجم الاستثمار الرئيسي وخاصة بالقطاع الإنتاجي. ‏
وأنا برأيي الفرق بين الإعداد والتنفيذ عدم الجدية وعدم القدرة على اتخاذ القرار بالسياسات الاقتصادية وإصلاح المؤسسات المرافق لها، وبالتالي سيكون هناك تغيير في خارطة المصالح حيث هناك أناس متنفذون أو نخبة اقتصادية ستخسر لمصلحة الفئات الأخرى، وهذا القرار هو قرار جدي ومصيري وليس فقط تشاركياً وبالتالي يترتب عليه خسائر مقاومة من الذين سيخسرون وللأسف ولذلك لم يكن بالجدية المطلوبة، وبالتالي عند أول حواجز توقف الإصلاح وبالتالي توقف الجانب الاجتماعي وابتعاد تحويل الإصلاح الاقتصادي بحيث يكون في خدمة الاجتماعي والتنمية وبالتالي ليكون هناك جانب آخر يتعلق بالإصلاح المؤسساتي ومحاسبة الوزراء والمديرين العامين هذا هو الإطار العام للحديث عن الاجتماعي والاقتصادي. ‏

خلل مؤسساتي ‏
الدكتور رسلان خضور قال معقباً: نحن متفقون أن الخطة الخمسية العاشرة هي جيدة كنص وأن الخطة شيء والمنفذ شيء آخر وأراد الدخول على موضوع المؤسساتي في الخطة وأشار إلى وجود خلل مؤسساتي ليس فقط ضمن المؤسسات وآلية عملها أي خلل في آلية عمل المؤسسات التي تعمل بوجود مشكلة كبرى وخلل في علاقة المؤسسات ببعضها، أي أن هناك خللاً في العلاقة كبيراً بين الحكومة والقيادة القطرية والفريق الاقتصادي الحكومي، وهذه بتقديري مشكلة كبرى في هذه المؤسسات وآلية عمل كل مؤسسة وله دور كبير في ما حصل فيما بعد. ‏

الدكتور سهيل حمدان هل يمكن القول إن أسباب النقمة على السياسات الاقتصادية لأنها كانت تأخذ قرارات غير شعبية أو إن هذه السياسات جاءت في غير وقتها؟! ‏
حمدان: يبدو أن هذا النقاش وهو أحد المؤشرات أننا نناقش القضية بعد ذهاب الحكومة... و هناك مثل يقول: «من أمن العقوبة أساء التصرف». ‏
ظني بأن الحكومة السابقة لم يكن لديها ثقة أنها ستحاسب أو أن أحداً لن يسألها ماذا تفعل أو أن هناك من يقيم عملها فالحكومات السابقة رغم كل أخطائها لم يحاسبها أحد وعلى هذا الأساس نضرب بعرض الحائط أي مساءلة، ونتصرف دون حسيب أو رقيب وهذا الأمر بسبب اتخاذ قرارات خاطئة. ‏
هناك الكثير من الأشياء التي فعلوها كانت مبررة من القيادة وتفرض عليهم أحياناً وهناك أشياء فعلوها لمصلحة في نفوسهم بغض النظر عن موضوع الفساد. ‏
وبالتأكيد هناك أمور كانت تفرض على الحكومة وهي مبررة وأمور تمارس من قبل بعض أعضاء الحكومة لأن لهم مصالح فيها بغض النظر عن موضوع الفساد وغيره، فكان يتم تمرير مصلحة لشخص بهدف تمرير مصلحة مقابلة منه. ‏
والفريق الاقتصادي كانت شخصياته ضعيفة والعضو من ذلك الفريق كان متأثراً وليس مؤثراً، ولم يكن قادراً على الدفاع عن وجهة نظر اقتصادية أو غيرها حتى الخطة الخمسية العاشرة فالاستاذ عبد الله الدردري هو الذي أشرف عليها واستجلب خبراء وفي الحقيقة تم انجازها بشكل جيد، لكن المشكلة هل لديه القوة والقدرة على أن يدافع عنها..؟؟ ‏
أنا لا أعتقد ذلك، وكان التركيز على المسألة الإعلامية وما يخرج من تصريحات في وسائل الإعلام عما يقوم به الفريق الاقتصادي، في حين أن الواقع كان شيئاً مختلفاً عما يقال، وهناك الكثير من المسؤولين الذين أطلقوا تصريحات عن الأرباح والانجازات في مؤسساتهم دون أن يكون لها مرتسمات على الأرض ولعل ذلك يعود لعدم وجود من يدقق على تصريحاتهم.. ‏
وبالتالي تبرز الفكرة الأساسية هنا بغياب آليات المتابعة والمحاسبة وضعف المؤسسات الموكل إليها مثل هذه المهمة أيضاً وعدم قدرتها على اتخاذ قرار بحق شخص ما..الأمر الذي أوصلنا إلى حالة فصام حقيقي ما بين الواقع وما يطلق من تصريحات تتحدث عن الانجازات.. ‏
أحد النقاط التي تؤحذ على الحكومة في الفترة الماضية أنها لم تكن تسمع إلا صدى نفسها وتتخذ قراراتها بمعزل عن المجتمع..؟ ‏
الدكتور قدري جميل برر ذلك بالقول: لأن الحكومة كانت محكومة بعقلية وطريقة محددتين وهذه كانت موضة دارجة، لكن الحظ العاثر جعل الفريق الحكومي لا يوفق في هذه المسألة لأن السياسات المتبعة في كل العالم والتي قيل إنها ستجلب معها الحليب والعسل والتي انتقلت إلينا كشفتها الأزمة المالية العالمية، فالأزمة لم تكشف فقط أن هذه السياسات على أرض الواقع لا تعطي النتائج المطلوبة، وإنما انهارت الفكرة أو الفلسفة التي قامت عليها تلك السياسات (المدرسة التجارية) وخسرت معركتها المعرفية نهائياً.. ‏
هذه الفلسفة أو القناعة المعرفية التي بنيت عليها الخطة الخمسية العاشرة تستند إلى نقطتين أساسيتين، الأولى لا يتحدثون فيها لأنه من الصعب الحديث فيها وهي فكرة (دع الأغنياء يغتنون) لأنهم قاطرة النمو، ولأن ذلك سيوفر المزيد من فرص العمل وسيقضي على البطالة، وهذا الكلام بالأدبيات الاقتصادية لا يكتب ولكنه يمارس بالفعل، والثانية أن هذه المدرسة التجارية التي بنوا كل سلوكهم وممارساتهم عليها تعتبر أن كل ما يحقق ربحاً فهو اقتصاد. ‏
ويضيف الدكتور جميل أنا أعتقد أن فروع الاقتصاد الحقيقي هي التي تأتي بالثروة الحقيقية لأنها تقدم قيمة مضافة، وهذا لا يعني التخلي عن فروع الاقتصاد الخدمية فهذه نحتاجها ونريدها أيضاً، لكنها لا تنتج قيمة مضافة، وإنما تنتج ربحاً وفيها لا تتحقق ثروة حقيقية وإنما يجري إعادة توزيع الثروة المنتجة مسبقاً في الفروع الأخرى، فهنا توجد قوانين موضوعية في الاقتصاد ولا يمكن اللعب معها نهائياً، وأحد هذه القوانين الموضوعية الموجود منذ 150 سنة والذي درسناه في الصف الأول من الاقتصاد يقول: إن وتيرة تطور فروع الإنتاج المادي (الاقتصاد الحقيقي) يجب أن تكون أعلى من وتيرة تطور فروع القطاعات الخدمية، وإذا جرى غير ذلك يبدأ النمو بالتآكل وهذا يؤدي إلى اهتلاك البنية الأساسية ونصل إلى نمو سالب وهنا حتى النمو (صفر) والنمو الموجب بنسبة ضئيلة تكون نتائجه على الاستهلاك القادم كارثية.. ‏
وهذا من أبسط القوانين الموضوعية التي تعلمناها في الاقتصاد والتي نعلمها لطلابنا.. ‏
ويضيف الدكتور جميل إن الفريق الاقتصادي كان قد بنى فكرته على أساس أنه مرة نجد قاطرة الاقتصاد هي التجارة ومرة السياحة حتى وصلنا إلى مرحلة كانت فيها المصارف وقطاع المال هو قاطرة النمو الاقتصادي، وفي هذا يقول جميل إنني لا أريد أن أخفف من أثر وتأثير أي فرع من فروع الاقتصاد ولكن هناك علاقة متوازنة وتلازمات موضوعية يجب احترامها وإذا لم نحترمها تعاقبنا ونحن الآن نعاقب لأن كل هذا لم يحترم.. ‏
ففي الطبيعة والمجتمع هناك قانون اسمه قانون التعويض وهناك قوانين موضوعية مكتشفة فهل من الضروري أن نعيد اكتشافها نحن بالتجريب مرة ثانية...؟ ‏
إن الخطة التي أنتجت وفق منطق معين وبنية معينة، ومورست وفق ممارسات معينة وجاءت النتائج مغايرة، تم اللجوء إلى وسيلة التضليل وتغيير الأرقام الناتجة عن الخطة عن طريق تغيير طريقة الحساب فقط ليس إلا (على مبدأ الفواخيري الذي يضع أذني الجرة في كل مرة بمكان مختلف..)، فمثلاً نسبة البطالة كانت مع بداية الخمسية العاشرة 14%، وخلال عام واحد فقط انخفضت إلى 8% وفق الأرقام المعلنة، دون توضيح كيفية التخفيض والحقيقة أن النسبة لم تتغير ولكن تغيرت طريقة الحساب. ‏
ربيع نصر يعقب: أن الإصلاح هو تغيير بخارطة المصالح، وهذا التغيير لا يتم برغبة شخصين أوثلاثة، وإنما يحتاج إلى إرادة كتلة من المجتمع تقول إن السياسات الحالية لا تناسبنا ونريد إصلاحها، لكن الخلل المؤسساتي يكمن في عدم وجود أقنية لمشاركة الناس بصياغة القرار وبالتالي حتى لو كان الإصلاح مصاغاً بشكل جيد لكن لا توجد قناة للناس لتدافع عنه رغم أنهم هم أصحاب المصلحة الحقيقية فيه. وعليه فقد كان الفريق الاقتصادي يعمل دون وجود ضغط جماهيري أو أقنية للدفاع عنه. ‏
أيضاً كان من الواضح عدم وجود انسجام بين أعضاء الفريق الاقتصادي بالأداء ففي حين كان الحديث جارياً عن نسبة 30% من السوريين عند خط الفقر الأعلى جاءت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل لتقول إنه لا يوجد فقر في سورية وهناك أعضاء آخرون أيدوا هذا الرأي.!! ‏
أنفى أن تكون الخطة الخمسية العاشرة قد بنيت على فكرة الاقتصاد الليبرالي الحر، وقال لم تكن الخمسية العاشرة خطة بنك دولي ولا صندوق النقد الدولي، ذلك أن من محرمات هاتين المؤسستين التركيز على الصناعات التحويلية، في حين أن الخمسية العاشرة أعطت هذا القطاع أولوية كقطاع حقيقي.. ‏
لقد كان بناء الخطة كان تنموياً متوازناً وجوهرها النمو المحابي للفقراء، لكن الخلل جاء بالتنفيذ منذ اليوم الأول بعد أن تقرر إعادة الخطط للوزارات لتعود للسير بطريقتها الطبيعية السابقة، لذلك كان هناك نوع من التوازن بالتشاركية عند وضع الخطة ولكن بعد ذلك عندما انحصرت العملية بأنه لا يوجد تنفيذ جدي بالقطاع العام والخاص وغيره نفذت الخطة بجزء منها عكس ما كان مخططاً وتم اختيار الحلول الأسهل، (تحرير أسعار الأسمدة مثلاً أو التركيز على سعر الصرف بدل التركيز على تنافسية الصادرات..) ‏
من المهم الحديث عما يجري الآن والذي لا يختلف عما حدث سابقاً فلا توجد دراسة عملية، ولا يوجد رؤية اقتصادية لإدارة الأزمة حالياً (نرفع سعر الفائدة لحماية سعر الصرف، ونسينا أن هذا يقلص حجم الاستثمارات) فأيهما أهم الآن الاستثمار أم المحافظة على سعر الصرف..؟ ‏

كارثة المستثمر الأجنبي ‏
الدكتور رسلان خضور: إن التأثير الكبير بالممارسة الاقتصادية في المرحلة الماضية كان للفريق الاقتصادي بغض النظر إن كان منسجماً أم غير منسجم مع نفسه، وبغض النظر عن المؤسسة ذات التأثير الآخر، فالفريق كان لديه رؤية واضحة والذي كتب بالخطة نظرياً كان جميلاً لكن ما نفذ كان مختلفاً تماماً. ‏
ما يعني أن الفلسفة كانت واضحة جداً وتقوم على الموضوع الاجتماعي وموضوع الاستثمارات، لكن ما كان معتمداً هو مبدأ الليبرالية الجديدة (الاقتصاد المنفلت من أي ضوابط) وكان الفريق الاقتصادي مقتنعاً به وكان يظهر هذا بالممارسة على الأرض. ‏
وهي الفكرة التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر أيام آدم سميث وغيره، ويمكن أن تكون صحيحة في ذلك الوقت لكن اليوم لم تعد صحيحة على الإطلاق وموضع التفاوت في توزيع الثروة والدخل كانوا مقتنعين به تماماً رغم أنه غير صحيح لأنه بالأصل إعادة توزيع الثروة والدخل هما ضرورة اقتصادية قبل أن تكون اجتماعية وبالتالي ولأسباب اقتصادية بحتة يجب تقليل التفاوت في توزيع الثروة والدخل، وهذا ما أوصلنا إلى ما نحن عليه الآن.. ‏
ومن الأمثلة التي تساق هنا أن الفريق الاقتصادي كان قد دعا لمعرفة ماذا يريد المستثمر الأجنبي، وهذه كارثة كبرى، لأننا يجب أن نعلم نحن ماذا نريد من المستثمر لا أن نسأله ماذا يريد ونلبي رغباته.. ‏
والقصد من كل هذا أنه ليس صحيحاً أن الفريق الاقتصادي لم يتمكن من تنفيذ كامل خطته التي وضعها، وإنما كانت رؤيته واضحة وهو من نفذ الخطة وفق هذه الرؤية، ومن الكوارث الكبرى أيضاً التي تسجل على أداء الفريق الاقتصادي الاعتماد على الخبرات الأجنبية. ‏
الدكتور سهيل حمدان : إن رئيس الفريق الاقتصادي كان براغماتياً، دون أن يكون لديه توجه معين لأنه بالأساس غير اقتصادي وعليه فإن شخصاً لا يمتلك النظريات الاقتصادية لن يتقن البنيان الأساسي حتى لو جاء من يعلمه، فمن خلال أحاديث عديدة له كنا نقف عند أخطاء لا يمكن أن يقع فيها شخص يمتلك ألف باء الاقتصاد، وأكثر ما كان يركز عليه الفريق الاقتصادي هو تسويق نفسه إعلامياً، دون أن يكون هناك توجه، والتوجه هنا بمعنى النمذجة وهذه مهما كانت أشكالها تبقى أفضل من التخبط لذلك نحن ضائعون، والضياع وعدم وجود سياسة ومسار واضح هو سبب المشكلة في جانب من جوانبها مع السبب الآخر الذي يقول إن أعضاء الفريق الاقتصادي ضعفاء وغير قادرين على الدفاع عما يريدونه، رغم أن الخمسية العاشرة بنيت على أساس جيد باعتبار الصناعة التحويلية أولوية، وهذا الأمر كان يشهد انقساماً أيضاً بين أعضاء الفريق، فالنائب الاقتصادي عبد الله الدردري يريد أن يطور الصناعة التحويلية مع إصلاح القطاع العام بآلية معينة وفي الفريق نفسه كان هناك من هو ضد هذا الموضوع وبالتالي تقابل القوتين جعل المحصلة صفراً، ولم يستطع الفريق الاقتصادي خلال السنوات العشر الماضية أن يغير أو يحول أي شيء في القطاع العام وبالتالي بقي هذا القطاع معوقاً وحالياً إذا لم تحل مشكلته لن نستطيع أن نتقدم بالصناعات التحويلية، ومن جانب آخر القطاع العام يقود الصناعات التحويلية بشكل رئيسي وهذا القطاع فاشل، وبالتالي لن يتمكن من القيادة لوجود معوقات كثيرة. ‏
ومن هنا أجد، أن الزراعة أهم شيء في تأمين الأمن الغذائي، لكن أهملت الزراعة وكذلك لسنا قادرين على التحرك في قطاع الصناعات التحويلية لأنه معوق، وبقي قطاع الخدمات وهذا من السهل التعامل معه لأن إحداث مصرف أمر متاح بسهولة. ‏
وهنا لا بد من عودة القطاع الزراعي لموقع القيادة (فهو المنتج الصافي) وهناك سببان لنجاح هذا القطاع الأول: إنه يعتمد بشكل رئيسي على القطاع الخاص (الفلاح) الذي بدوره سينفق موارده كلها ولن يراكم ثروات، والثاني تأمين حاجتنا من الغذاء وتصدير الفائض وبعد ذلك وعند الوصول إلى مرحلة متقدمة من الإنتاجية العالية في الزراعة، نصل إلى فائض كبير وحجم عمالة أقل يكون هناك فرصة للاهتمام بقطاع الخدمات، ففي أوروبا اليوم حجم الخدمات يصل إلى 70% لكن الجانب الإنتاجي مؤمن وفيه فائض كبير بنسبة قليلة من السكان لذلك اتجهوا إلى الخدمات. ‏
ما فيما يخص الفساد فإنه يزيد من الفقر ويؤدي إلى تركز الثروة بيد قلة وهذه الثروات لا تدخل في الاستثمار، في حين إذا أعطي الفقير حصة من الثروة فهو أولاً سيستفيد منها على الصعيد الشخصي وثانياً سيولد دخولاً أخرى من خلال الإنتاجية غير المباشرة والإنفاق في الاقتصاد. ‏

ما الأسباب التي أدت لنمو الفساد بشكل كبير في السنوات الخمس الماضية قياساً بما قبلها، مع أن الحكومة السابقة كانت تقول إن الفساد في سورية ليس ظاهرة...؟ ‏
الدكتور قدري جميل يرى في هذا أن الخطة الخمسية العاشرة من حيث التكوين لم يكن واضحاً التوجه الليبرالي لكن كان هناك نقاط ضعف تم التحذير منها ومنها نقطتان الأولى أن كلمة إصلاح مؤسساتي لم تترجم ولم تشرح كما يجب ليفهم منها أن القصد هو الفساد وتركت معومة ليضيع الهدف معها، والثانية أن الاعتماد لم يكن على الموارد التي هي عصفور باليد، وإنما على تلك الموارد التي على الشجرة، فقد كان الاعتماد على موارد افتراضية هي الاستثمارات الخاصة الداخلية والخارجية.وهذه أول خطة خمسية في سورية تعتمد على جزء مهم من الموارد الخاصة بالتطور والنمو ليست من مصادر من عند الدولة وهذا خلق فجوة كبيرة. ‏
إن إشارات الإنذار المبكرة كانت واضحة أننا مقدمون على أزمة عالمية ما بين 2008 و 2010، ومع ذلك بنيت الخطة العاشرة في جزء مهم منها على الموارد الخارجية. ‏
وفي نقطة أخرى نجد أن الخطة لم تحسم بشكل قاطع موضوع إعادة توزيع الدخل بين الأرباح والأجور بشكل واضح وبالأرقام رغم أنها أعلنت أنها محابية للفقراء. ‏
و مثالنا على هذا بالقول إن نسبة الفقر في سورية 30% والرقم المستهدف كان 24% وقلنا إذا أردنا أن نصل إلى نسبة نمو صفر مع الأخذ بعين الاعتبار النمو السكاني متى نحل مشكلة الفقر..؟ الجواب كان بعد 30 سنة. ‏
والسؤال هنا قصة من هذا النوع تسبب توتراً اجتماعياً واختلالات سياسية، هل ممكن لمسؤول أن يضع حلاً لها على أساس 30 سنة..؟ هل سينتظر المواطن كل هذه السنوات، بالتأكيد مثل هذا النوع من المشاكل يجب وضع حلول لها على المدى القصير والمتوسط على أبعد حد وليس لـ 30 سنة.. ‏
ربيع نصر : أثناء إعداد الخطة كان هناك وصل تام بين السياسي الذي لا علاقة للحكومة به وبين التنموي الذي هو صلب عمل الحكومة، ومن المعروف أن الحكومة لا تعمل بالسياسة وهو أمر من مهام الخارجية والقيادة، ويقول أنا برأيي أن الجزء المتعلق بالفساد في الخطة الخمسية العاشرة كان مشغولاً بشكل جيد، لكن الجزء المتعلق بالنهب على المستوى الوطني فهذا يحتاج إلى إصلاح سياسي، ليتغير لأن هناك مصالح كثيرة ستتضرر. ‏
أيضاً كان هناك تركيز على المصادر المحلية وهذا أثار جدلاً كبيراً في صندوق النقد والبنك الدوليين. ‏
ففي مجال إعادة توزيع الدخل فقد بينت أن الخطة استهدفت ذلك إضافة إلى تخفيض الفقر ورفع الأجور الحقيقية، وكان من المخطط خلال سنوات الخطة أن تزداد الأجور بنسبة 100% مع معدل تضخم 5%. ‏
الدكتور قدري جميل علق على هذا بالقول: إن الحديث كان عن الأجور الإسمية وليس عن الأجور الحقيقية (الفعلية) وقد أظهرت الأرقام أن الفرق بين معدل الأجور الاسمي ومعدل مستوى المعيشة للمواطن هو 400%، ولذلك فإن زيادة الأجور التي كانت مقررة بنسبة 100% كانت ستحل فقط 70% من الفرق بين الأجور الاسمية ومستوى معيشة الفرد (400%). ‏
وعلى ذلك ذهب الدكتور جميل للحديث عن أن الاقتصاد هو قضية جدية لا يجوز تركزها عند الاقتصاديين لوحدهم، فهنا تكمن المشكلة، وكان لا بد من اتخاذ قرار سياسي أولاً محدد المدة لحل هذه المشكلة ثم بعد ذلك يطلب من الفريق الاقتصادي وضع خطة على هذا الأساس.. ‏
واليوم نجد أن كل ما كنا نحذر منه قد ظهر إلى الواقع كنتائج. ‏
وأما موضوع الفساد فهو قضية خطيرة وفي تاريخ الاقتصاد السوري نجد أن الفساد نما مع نمو الاستثمارات في الخطة الخمسية الثالثة والرابعة بنسبة 30%، رغم أننا نعترف أن الخطة الرابعة كانت هامة جداً بتاريخ سورية فهي جاءت بعد حرب تشرين وحملت معها حجماً كبيراً من الأموال التي دخلت إلى سورية ووظفت في مشاريع كبيرة وضخمة، بغض النظر إن كانت مخططة صح أو غير مخططة صح، وكم كان الكمسيون فيها، ولكن هذا العمل أدى إلى ارتفاع عائدية الاقتصاد السوري إلى 42%، بينما في الخمسية العاشرة بدأت بنسبة 14% على أساس أن نصل إلى 17% كعائدية، وحتى الآن لم يصدر رقم واضح يشير إلى النسبة التي وصلت إليها العائدية رغم أنني اعتقد جازماً أن النسبة انخفضت تحت 14%. ‏
ومن ذلك نستنتج أن اقتصادنا قادر على تحقيق عائدية جيدة، لكن اليوم نحن بوضع سيئ وحجم النهب من حجم الاستثمارات الموظفة كبير جداً ويتجاوز 200% في كثير من الحالات، وبالقطاعات الجديدة الحجم أكبر بكثير.. ‏
إن الاقتصاديين توافقوا على أن متوسط حجم الفساد في البلاد يصل إلى 30% من الناتج المحلي الإجمالي المقدر بحوالي 2700 مليار ليرة سورية، بمعنى أن وسطي حجم الفساد يصل إلى 800 مليار ليرة سورية وهذا المبلغ كاف لوحده لتنشيط الاقتصاد ورفع الاستثمارات، بوصفه مصادر حقيقية، فعندما نمول على حساب الفساد فإننا نمول بمصادر حقيقية، وهذا إعادة للثروة إلى الدورة الاقتصادية ليذهب إما للتنمية أو للاقتصاد الحقيقي. ‏
والآن من الصعب تحديد نسبة الفساد بدقة وحتى رقم الناتج المحلي الإجمالي فهو يحتاج لإعادة نقاش، والمشكلة أن الأرقام محسوبة بطريقة تصعب البحث والتحليل ولذلك الاقتصاد السوري أصبح بحاجة إلى أدوات جديدة ومنطق جديد، وأن نبدأ بتفكيك البنية كلها (التعاريف والمصطلحات وطريقة بناء الأدوات والإحصائيات كلها). ‏
فمثلاً قال الفريق الاقتصادي إن رقم النمو وصل إلى 6%، لكننا نجد أن هذا الرقم يضم عدداً من القطاعات (الصناعة والزراعة والمصارف والتأمين والسياحة والعقارات و...)، وفي إحدى السنوات كان النمو في الزراعة -13%، وفي الصناعة -3%، في حين أن نسبة النمو بالقطاع المالي كانت +30%، وبحساب المتوسط بين هذه القطاعات نجد أنه 6% بمعنى أن نسب النمو في الاقتصاد الحقيقي كانت سالبة رغم أن النسبة العامة كانت موجبة. ‏
ربيع نصر: في هذا إلى وجود اختلالات بالمؤشرات ويمكن اكتشاف جزء كبير منها، فمثلاً معدل استهلاك الأسر السورية يظهر حجم الإنفاق وبالتالي لدينا مؤشرات بديلة عن المؤشر الأساسي للنمو أو للفقر أو غير ذلك. ‏
كما إنه لا توجد منهجية واضحة لطريقة حساب الفساد، لنتمكن من لمسه فيها، لكن ما يمكن لمسه هو أثر سوء الإدارة على الإنتاجية، فهناك سوء إدارة مرتبط بفساد مباشر، وسوء إدارة غير مرتبط بالفساد المادي. ‏
وعلى ذلك لا يمكن تبني رقماً إلا بوجود منهجية لاستخلاصه، وجوهر الموضوع أنه إذا كان هناك توجه إصلاحي جدي فجزء كبير منه ينتهي بحسن الإدارة وهو قرار ليس صعباً نهائياً. ‏
أما بالنسبة للزراعة فيمكن اعتباره قطاع شبكة حماية للبلد لكنه ليس مستقبل البلد لأن مستقبل البلد هو في اقتصاد المعرفة فبدون فكرة لن نكون قادرين على عمل منتجات جديدة ولا اختراق الأسواق وهذا الخلل الجوهري يحتاج إلى عمل على المدى البعيد. ‏
الدكتور رسلان خضور : إن علاج الفساد يكمن بالجانب السياسي وهو يحتاج لمشاركة ومسألة وأحزاب ومجتمع وشارع وغير ذلك لكن هذا لا يعني أن هذا يمحي الفساد، ففي إيطاليا الديمقراطية وفي أمريكا نجد فساداً على مستوى عال جداً، فالفساد في البلدان المتقدمة يكون بطرق حضارية ونحن فسادنا متخلف وفج وواضح وسهل. ‏
وختم الدكتور قدري جميل هذه الندوة الحوارية بالإشارة إلى ضرورة التفريق بين فسادين الأول كبير والثاني صغير، الأول الكبير يأخذ حصة أكبر من الفساد وأشخاصه قلائل ويعدون بالمئات، أما الثاني الصغير فحصته صغيرة وهو نتيجة لحاجة ولانخفاض الأجور وبحل هذه المشكلة تزال الأرضية الموضوعية له، وهنا نجد أن هناك فساد حاجة وفساد بطر. ‏
وعلى ذلك فإن مهمتنا على حسب ما قال الدكتور جميل هي ضرب فساد البطر وهذا ليس صعباً ويحتاج لقرار سياسي، والقرار السياسي لا يكون إلا بدعم مجتمعي لأن الفساد آلية معقدة متشابكة وذكية ومتطورة.. ‏
والمجتمع المتضرر هو الذي يجب أن يقف دفاعاً عن مصالحه، وعلى ذلك يجد جميل أن محاربة الفساد ضمن جهاز الدولة مستحيل ويجب تأمين الآليات المجتمعية التي تسمح بدعم القوى النظيفة والشريفة بجهاز الدولة (الإعلام والأحزاب والهيئات المجتمعية) للقضاء على الفساد. ‏

أرقام مخيفة ‏
يجب تحقيق العدالة لأن أثر عدم تكافؤ الفرص الاجتماعي والنفسي أكبر من الأثر المادي، لأن المواطن عندما يشعر فقط بالعدالة ستزداد إنتاجيته بأكثر من 700 مليار ليرة «الناجمة عن الفساد»، وبالتالي للفساد أثر مادي مباشر وكذلك أثر على الإنتاج يضاهي أو يزيد على الأثر المادي، هناك موضوع آخر في موضوع الفساد سأذكره من خلال مثال، فأنا أعمل في مكتب دراسات وتأتينا ميزانيات حقيقية لبعض شركات القطاع الخاص حتى نجري عليها دراسة ما، وتقدمت إلينا إحدى الشركات التي تتعاون معها إحدى الوزارات بميزانيتها وكانت أرباحها 180 مليون ليرة، وقدمت للدولة ميزانية تبين أن أرباحها 5 ملايين ليرة ودفع عليها ضرائب بحوالي 1.8 مليون ليرة، وكذلك ثلاث شركات مندمجة كانت أرباحها تزيد على 69 مليون ليرة دفعت ضرائب بمبلغ 630 ألف ليرة فقط وهناك أمثلة كثيرة لذلك فالتهرب الضريبي لدينا أكبر مما نتوقع والأمثلة التي ذكرتها هي لشركات منظمة ومرخصة فما بالك بالقطاع غير المنظم؟ ‏
وتأكدوا أنه لا يوجد تاجر أو صناعي يتهرب ضريبياً إلا ويوجد موظف حكومي يساعد وبنفس الوقت لدينا بعض دراسات الجدوى للحكومة لبعض خطوط إحدى المؤسسات تقدمت بمناقصة لشراء خط إنتاج، فتقدمت شركة أجنبية لنا بسعر 530 ألف يورو في حين اشترته المؤسسة العامة بمليون يورو، كما قمنا بدراسة جدوى لمعمل صناعيو قد قابلنا مدير عام فأكد أن المشروع خاسر نظراً لوجود معمل مشابه خاسر حالياً، وعند السؤال عن تكاليف مشروعه تبين أنه مستملك 400 دونم من الأرض للمشروع وأن لديه 1800 عامل، في حين أن المشروع الذي درسناه يحتاج إلى 320 عاملاً ومساحته 16 دونماً، وخط الإنتاج لديه ألماني أما خطنا سويسري، وتكلفة الألماني أقل من تكلفة السويسري بعشرين بالمئة لكن الشركة العامة اشترت الخط الألماني بنفس سعر السويسري وبالتالي ستخسر الشركة حتماً... ‏
المشكلة تكمن في العقود بالتراضي لأن المبالغ اللازمة للمشروعات كبيرة جداً ويتم التعاقد عليها بالتراضي، أما المشروعات الصغيرة فيتم الإعلان عنها بمناقصات رسمية حتى يتزاحم عليها المستثمرون الصغار، ولدينا عقود بالتراضي مبالغها بالمليارات...لذلك حجم الفساد أكبر مما نتوقع. ‏

تم تشكيل لجنة لدراسة الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و حددت إجراءات خاصة بعضها اسعافية و أخرى إستراتيجية....ما هي الإجراءات الإسعافية والإستراتيجية التي يجب أن تقوم بها الحكومة؟ ‏
الدكتور رسلان خضور: أرى ضرورة أن نعرف أولاً ما هي المشكلات الموجودة في اقتصادنا، فنحن نواجه نقصاً في الطلب لذلك يجب أن ننشطه من خلال الإنفاق الحكومي الجاري والاستثماري فالحكومة لديها إمكانات وموارد حيث يمكنها أن تعتمد على سندات الدين العام واستثمارها لخلق فرص عمل وحل مشكلة البطالة وتنشيط الطلب الكلي وهذا محور أساسي، ففي جميع دول العالم يعتبر الإنفاق الحكومي الملاذ الآمن وأنا أفضل الإنفاق الاستثماري لأنه إضافة إلى منح السيولة في السوق يخلق فرص عمل حيث يجب أن يكون لدينا مشاريع بنى تحتية وحقيقية في بعض المناطق وفيما يتعلق بتنشيط الصادرات يجب البحث عن أسواق جديدة كما يجب القيام بحملة وطنية لدعم المنتج المحلي فهناك الكثير من المنتجات الأجنبية ليست أفضل من المحلية وعلى المستوى البعيد يجب وضع خطط لمعالجة المشكلات الموجودة مثل مشكلة الفقر والتفاوت الكبير في توزيع الدخل ومشكلة التفاوت بين الأقاليم والمناطق, الذي ظهر حالياً هو موضوع استراتيجي فليس الحل في الرواتب والأجور بل يجب إقامة مشروعات تولد فرص عمل وتزيد حصة الرواتب من الناتج المحلي الإجمالي وليس لدينا مشكلة فقط في التفاوت بين الريف والمدينة فمثلاً منطقة العباسيين والمناطق المحيطة بها يعيش سكان الأولى بشكل متطور وما يحيط بها يعيش في القرن السادس عشر، ويجب الاهتمام بموضوع الاستثمارات حيث كانت الفلسفة السابقة تقوم على تشجيع المستثمر الخارجي وتقديم ما يريده دون أن نعرف ماذا نريد منه لذلك يجب أن نعرف ماذا نريد من الاستثمار ونشجع المستثمر المحلي والأجنبي وهناك موضوع مهم يجب الانتباه إليه وهو مساهمة الأجانب في المصارف فهي كارثة رغم تحذيرات آسيا لأنه موضوع أمن وطني ولا يجوز أبداً أن تكون مساهمة الأجانب في المصارف السورية أكثر من 49% فالوضع في أي مشروعات أخرى مختلف ويمكن أن يساهم الأجانب بكامل المشروع لكن في المصارف الوضع مختلف حتى لا تتكرر مشكلة جنوب شرق آسيا. ‏

ردود فعل أولية ‏
ربيع نصر تساءل إن كان لدى الفريق الاقتصادي الجديد رؤية أو خطة لإدارة الأزمة وما لمسته شخصياً وجود ردود فعل أولية متناقضة وأسوأ ما في الأزمة هو القيام بإجراءات لها أثر بعيد, فمثلاً أن تلتزم بتوظيف 10 آلاف خريج جامعي في المؤسسات الحكومية التي أصلاً لا يوجد فيها مكتب للموظف الجديد هذا يعني أنك تدمر الخريج الجديد وتقنع من سيتخرج بعده أن الدولة ستؤمن فرص عمل وستعطي الرواتب دون عمل وهذا ما يترك أثراً طويل الأجل على الأفراد بكل النواحي نفسياً ودراسياً, ومن ناحية المساهمة في سوق العمل ونحن نعرف أن مثل هذا الموضوع لن يحل مشكلة سورية لان مشكلتها بمئات آلاف الخريجين سنوياً لكن هناك إجراءات إسعافية يمكن أن تتم في أكثر من محور الأول منها إعادة تأهيل المناطق التي تعرضت للتخريب مؤخراً وإقامة بنى تحتية جيدة فيها حيث يعتبر ذلك ضخاً للإنفاق العام في تلك المناطق, وهذا أمر مطلوب اليوم لأنه ينشط الطلب لكن يجب ألا يكون إنفاقاً عشوائياً بل على أمور نحتاجها بالفعل فمثلاً بدلاً من محاولة التخلص من المناطق العشوائية اليوم سمح بشكل غير رسمي بزيادة المخالفات وهذا تشويه له أثر بعيد المدى، لذلك على العكس يجب الآن أن تقوم مشروعات كبيرة في البناء والتشييد لنقل الأشخاص من المناطق العشوائية وعلى صعيد الزراعة يجب أن يكون هناك ضخ كبير لمساعدة الزراعة وفي الجانب المصرفي يجب أن تقدم التسهيلات في القروض لأننا بحاجة إلى سيولة تنشط الاقتصاد وليس رفع معدلات الفائدة وبالتالي سينتج عنه الانكماش, وأخيراً لدينا فرصة تاريخية لمحاربة الفساد لأنه أصبح مضراً بالأمن القومي ولم يكن فساداً هادئاً يضر فقط باقتصاد البلد بل يساهم في انهيار كامل البلد، فمثلاً خلال فترة زلزال الجزائر صدرت الأوامر بقتل كل من يسرق المباني عرفياً «وهنا لا أشجع على القتل» فالبلد عندما يكون بخطر لا تجوز المسامحة مع الفاسدين. ‏

المكاشفة ‏
الدكتور قدري جميل رأى بضرورة التوجه إلى الشعب بكل صراحة لان الناس تفهم عندما يتم الحديث معها باحترام ومنطق ويجب أن نخبرهم مثلاً أن مشكلة الأجور موجودة وسنحلها لكم خلال خمس سنوات, وتحديد فترة زمنية وتتعهد الحكومة انه خلال هذه الفترة الزمنية أن تكون الزيادة الفعلية في مستوى الأجور دون التضخم بنسبة معينة تحل مشكلة الأجور ويجب أن تساعدونا في هذا الموضوع لذلك لابد من المكاشفة وحتى نستطيع ذلك يجب أن نعرف ماذا نريد وما لدينا وهذا أمر غير صعب وكذلك يجب أن نبحث عن الموارد لان الموارد الحالية غير كافية كما نحتاج إلى نمو عال وعدالة اجتماعية، وحتى نحل هذين الموضوعين نحتاج في المجال القصير الأجل إلى ضخ استثمارات في المشروعات ضمن الاقتصاد الحقيقي فهناك توجد القيمة المضافة، ومن هذه اللحظة لم يعد من المسموح أن يكون النمو في الزراعة والصناعة سالباً وكذلك يجب أيضاً أن نسترجع أموال الفساد وأن نحاسب المفسدين وهناك الكثير من الطرق لأن أموال الفساد هي أموال مهربة خارج الاقتصاد الوطني وهي أموال كبيرة قدرت بأكثر من مئة مليار دولار منذ خمس سنوات ونحن نبحث عن مبالغ صغيرة وهذا يؤدي إلى استعادة ثقة المجتمع فهناك رموز فساد يجب محاسبتها لأن مكافحة الفساد لا تعني فقط إعفاء الفاسدين من مناصبهم فهذا يعتبر إضراراً بالأمن الوطني وهو جريمة, هذا إضافة إلى وضع برامج زمنية بعدها تحاسب الجهات الحكومية والمسؤولة لأننا إن لم نضع برامج زمنية ستبقى خططنا مجرد كلام لا معنى له ويجب تحسين المستوى المعيشي ولو بشكل جزئي للمواطنين عن طريق خطوات استراتيجية كما يجب أن نبحث عن موضوع النموذج الاقتصادي الجديد ويمكن مناقشته في الحوار الوطني. ‏
حيث كان النموذجان السابقان في السبعينيات والثمانينيات وخلال السنوات العشر الماضية مختلفين لكن في الإحداثيات الأساسية هما متطابقان من حيث مستوى التوظيفات المنخفض بالنسبة للدخل الوطني ومستوى عائدية منخفض وتشوه فظيع في البنية بين الأجور والأرباح فالتوظيفات الرأسمالية بالنسبة للدخل الوطني لم تكن تتجاوز 15% وهي في الأحوال العادية يجب أن تكون وسطياً 25% والعائدية كانت 14% وحاولت الخطة الخمسية العاشرة رفعها إلى 17% في حين أن الفائدة التي يدفعها بعض المستثمرين هي 20% وأما الإحداثية الثالثة فهي العلاقة بين الأجور والأرباح, فالأجور لدينا أصبحت ضحكاً على اللحى فالعامل يتظاهر بالعمل والدولة تتظاهر بإعطاء الأجر «وهذا ما كان سائداً في آخر أيام الاتحاد السوفييتي لذلك نحتاج إلى أجور حقيقية فالنسبة لدينا خاطئة لأنها بين 20-25% وفي فرنسا 40% أما في أميركا فالخبير الفرنسي ميشيل روكار حذر الأميركان قبل عامين من الأزمة المالية العالمية بأن تخفيض نسبة الأجور من الدخل الوطني الأميركي من 60% إلى 50% سيحدث أزمة عالمية الأمر الذي يدل أن نسبة الأجور من الدخل الوطني في الدول المتقدمة يتحرك ضمن خطوط حمراء معنية, لأن انخفاض النسبة يعني انخفاض الاستهلاك وهذا يؤدي إلى زيادة التوتر مما يثير أزمات اجتماعية تهز النظام, أما نحن فليس لدينا مؤشر مستوى معيشة حتى نعرف كيف تتغير هذه النسبة, حيث توجد مشكلة في سلة الاستهلاك ونحن نحتاج إلى مؤشر مستوى المعيشة شهرياً للعلاقة بين الأجور والأسعار فالتثقيلات لدينا كلها خاطئة, وأنا مثلاً أنظر إلى الذهب واللحوم: ففي الخمسينيات كان صاحب العمل يعطي العامل أجراً يعادل سعر كيلو لحم يومياً أي إن سعر قوة العمل كان 30 كيلو لحمة شهرياً. وأنا قمت بدراسة سلسلة زمنية لمدة عشر سنوات لدراسة التضخم ووجدت أن الذهب ارتفع ضعفين وكذلك اللحوم, وهنا لا أقول إن لذلك مصداقية علمية لكنه يعطي مؤشراً لنقول إن أرقام التضخم لدينا غير حقيقية, وما يدل على ذلك قول الناس بأن زيادة الأجور ترافقت مع انخفاض القوة الشرائية ما يعني أن نمو التضخم أكبر من نمو الأجور. ‏
لذلك فإن تغيير النموذج الاقتصادي يتطلب تغيير هذه الإحداثيات الثلاث ففي النموذج السابق كان دور الدولة القوي بين هذه الإحداثيات لكن نقاط الضعف لم تكن ظاهرة بسبب الدعم السوفييتي والعربي (وهذا ما يسمى الريع السياسي لدور سورية الجغرافي والسياسي) وعندما ذهب هذا الدعم انكشفت هذه الإحداثيات وعندما انتقلنا إلى الليبرالية انكشفت هذه العيوب (وهذا أمر جيد) الأمر الذي يعني ضرورة زيادة الاستثمارات في قطاعات الإنتاج الحقيقي دون وجود أي مخرج آخر, كذلك يجب رفع العائدية في الاقتصاد الوطني وصل الموضوع بين الأجور والأسعار, فإذا أعدنا تركيب هذه المنظومة (برأيي) سنحصل على النموذج المطلوب, وهذا أمر له تفاصيل حيث إن رفع الاستثمارات لا يتم بالاعتماد على المواد الخارجية والقطاع الخاص, بل الدولة التي يجب أن توظف استثمارات في مشروعات عملاقة وقاهرة للاقتصاد السوري, فعندما كنا في مرحلة الشباب بدأ مشروع سد الفرات وكنا نذهب كل صيف إلى مدينة الطبقة ونقيم في الخيم حتى ننجز سد الفرات رغم أنه حالياً لا يغطي أكثر من 7-8% من احتياجاتنا الكهربائية، لكنه بالنسبة للشعب السوري لم يكن فقط له قيمة مادية فقط بتحويل سورية من بلد زراعي إلى بلد زراعي صناعي بل كان له قيمة معنوية سياسية أنتج استنهاضاً لهمم الشعب السوري، فلم يبق مهندس أو طالب إلا وشارك في بناء السد لأنه كان مشروعاً جمعياً، وبالتالي سورية تحتاج إلى مشروعات عملاقة فنحن لم يكن لدينا مثلها منذ بناء سد الفرات، وهذه المشروعات يجب أن يكون لها ريعية حتى تنتج قاطرة للاقتصاد الوطني. ‏

المزايا المطلقة ‏
وأضاف جميل: اعتمدت سورية في تطورها خلال الخمسين عاماً الماضية على موضوع الميزات النسبية التي تعني وجود مواد موجودة لدى غيرنا ونصدرها بسبب ميزاتها لدينا، لكن ذلك يكون لفترة معينة بعدها تتوقف هذه المزايا، لذلك يجب أن نتجه إلى المزايا المطلقة التي تعني جود مواد لدينا غير موجودة لدى غيرنا، وهذا أمر مرتبط باقتصاد المعرفة، فمثلاً قمنا ببحث منذ سنوات عن الصخور البازلتية في السويداء والأعشاب الطبية البرية فوجدنا أن العائدية لهذه المواد 123 مرة أي 12300% حيث يقوم الآن الألمان بطحن الحجر البازلتي وإدخاله في الصناعات الدوائية للأمراض الهضمية، وبلدنا مليء بالمزايا المطلقة لا نعرفها، ومشكلتها أن لا أحد يخبرك بها أو بالتكنولوجيا الخاصة بها لذلك فالمطلوب الآن أن تجري الدولة مسحاً ففي كل محافظة لدينا عشرات المزايا المطلقة المختلفة عن الأخرى، ويجب أن ندرس علمياً كيف نحولها إلى إنتاج، وهي عندما تستثمر بشكل علمي ستكون أهم من النفط والفوسفات والقطن، كما أنها لا تحتاج إلى استثمارات كبيرة، وهذا أمر يتطلب تعاون الشعب السوري، لا يمكن لشخص أو جهة واحدة أن تنفذه. ‏

الثقة الاقتصادية والاجتماعية ‏
الدكتور سهيل حمدان بدأ من مقولة (ما يجب أن تفعله يجب أن تفعله وإن لم تفعله فستفعله في أسوأ الظروف) ‏
ونحن كنا سابقاً نعيش في مشكلة اقتصادية نتج عنها مشكلة اجتماعية، وبرأيي يجب الآن أن نبدأ بحل المشكلة الاجتماعية حتى نحل المشكلة الاقتصادية، حيث يجب التعرف إلى مشكلات الناس دون أي إغفال، ولدينا الآن أداة بين أيدينا وهي إجراء استطلاعات رأي والاستماع إلى آراء الناس من قبل جهات موثوقة تقوم بإنشاء بيانات حقيقية وتضع الأولويات لنبدأ بمعالجتها وفق الأهمية دون تسبيق حل أي مشكلة قبل الأخرى، فالمشكلة قد لا تكون لدينا في البطالة أو مستوى الأجور، فالمشكلة حالياً هي موضوع فقدان الثقة، لذلك يجب أن نعيد هذه الثقة بين الناس، لأن أي إعلان من الجهات الحكومية عن الإصلاحات لن يكون له معنى إن لم تكن الثقة موجودة اقتصادياً واجتماعياً، وحتى ننطلق يجب أن تكون هذه البيانات موجودة. ‏
وذكر حمدان أنه قبل اتخاذ قرار إعادة توزيع الدعم ذكرت للسيد عبد الله الدردري أننا سنجري استطلاعاً للرأي عن موضوع الدعم حتى نعرف وجهة نظر الناس عن الموضوع لأن طبيعة الإنسان تجعله إن لم يشارك في صناعة القرار مقاوماً له، وكان الرد من الدردري حرفياً (أرجو ألا تقترب من هذا الموضوع لأننا نعمل بشكل دقيق ومدروس وأي تدخل أو استبيان سيخرب كل عملنا) وللأسف جاءت النتائج السلبية لموضوع رفع الدعم، لذلك يمكن القول إننا تأخرنا في موضوع استطلاعات الرأي والآن نحن في الوقت الصعب لكن يمكننا استخدام هذه الأداة لأنها لا تحتاج إلى الكثير من الوقت للحصول على النتائج، وذلك لأن رأي الجميع مهم وحتى من فئة الشباب التي تتجاوز الجيل القديم في مستوى وطريقة التفكير، وعلى المدى البعيد يجب أن يكون لدينا استراتيجيات وليس تكتيكات لأن النتائج السلبية ستكون كبيرة إن لم تكن لدينا استراتيجيات في موضوعات البطالة والأجور، وكنا نتمنى أن يكون هذا الموضوع سابقاً لكن الآن يمكن أن نباشر به. ‏

‏ المشاركون في الندوة ‏
الدكتور رسلان خضور أستاذ في كلية الاقتصاد ‏
الدكتور قدري جميل باحث اقتصادي ‏
الدكتور سهيل حمدان مدير مركز للدراسات الاقتصادية ‏
الأستاذ ربيع نصر باحث اقتصادي

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...