مبادرة المحيسني لا تنهي «الفتنة الجهادية» بين الإرهابيين

27-01-2014

مبادرة المحيسني لا تنهي «الفتنة الجهادية» بين الإرهابيين

تنتهي صباح اليوم مهلة قبول أو رفض «مبادرة الأمة» التي أطلقها الشيخ السعودي عبدالله المحيسني، في مسعى منه لوقف إطلاق النار بين تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) من جهة و«الجبهة الإسلامية» و«جيش المجاهدين» و«جبهة ثوار سوريا» من جهة ثانية.
وقد اندلعت المعارك بين الطرفين منذ حوالي 20 يوماً، ولم تتوقف حتى الآن، وسقط خلالها مئات القتلى والجرحى، واعتقل مئات من الجانبين، إضافة إلى حوادث خطف النساء واغتصابهن وملاحقة أسر المقاتلين الأجانب.
كما تغيرت خريطة السيطرة على الأرض على نحو جذري. وقد يكون هذا هو أخطر الآثار التي ترتبت على هذه الحرب الضروس، حيث ارتسمت في ميدان المعارك، الذي امتد من الشمال السوري إلى الرقة، خطوط تماس جديدة تفصل بين المناطق الخاضعة لسيطرة كل طرف. ففي السابق كانت تحتوي ما تسمى «المناطق المحررة» على مقرات وحواجز تابعة لفصائل عديدة، أما اليوم فقد أصبحت كل منطقة تابعة لطرف معين. فالرقة مثلاً كان يوجد فيها مقرات تابعة لـ«أحرار الشام» و«جبهة النصرة» وألوية وكتائب عديدة أخرى، أما اليوم فلا يوجد فيها إلا عناصر «داعش» التي سيطرت على المدينة بالكامل. وكذلك الأمر في الريف الحلبي، حيث انقسمت السيطرة فيه بين «داعش» من جهة و«الجبهة الإسلامية» وحلفائها من جهة ثانية، فالريف الشرقي تحت سيطرة «داعش» أما الغربي فتسيطر عليه «الجبهة الإسلامية»، وكل فريق منهما يقوم بحملات مداهمة وتفتيش في مناطق سيطرته لتطهيرها ممن تبقى فيها من عناصر الفريق الآخر أو مناصريه والمتعاطفين معه.
وربما من أعطى إشارة البدء لشن هذا الهجوم على «الدولة الإسلامية»، ومن غير المستبعد أن يكون، إحدى الدول الإقليمية التي تربطها مع «الجبهة الإسلامية» مصالح مشتركة، على رأسها إفشال مؤتمر جنيف وسحب ورقة مكافحة الإرهاب من يد النظام السوري.
وكان يتوقع أن تتمكن «الجبهة الإسلامية» والفصائل المتحالفة معها من تحقيق نصر حاسم خلال أيام عديدة، يجري بعده وضع قيادة «داعش» أمام الأمر الواقع، فإما القضاء عليهم وملاحقتهم حتى آخر عنصر منهم، وإما يولّون الأدبار ويعودون إلى العراق من حيث جاؤوا. لكن «الدولة الإسلامية» أفشل جميع هذه التوقعات، وأعاد خلط الأوراق بقوة، بعد أن نجح، ليس في صد الهجوم عليه وحسب، بل في تكريس سيطرته على مناطق كثيرة، يفاخر أنصاره أنها أكبر من مساحة دول، مثل لبنان والكويت، وذلك في معرض تدليلهم على أنهم «دولة» وليس مجرد فصيل.
وقد ظهرت تداعيات هذه التطورات الميدانية واستيعاب «داعش» للهجوم عليه، في خطاب تنظيم «القاعدة» على نحو خاص. ففي الأيام الأولى للمعارك حيث كان «داعش» يقوم بانسحابات من مناطق كثيرة، لا سيما في محيط باب الهوى، كالانسحاب من أطمة والأتارب وسرمدا، خرج زعيم «جبهة النصرة»، وهي فرع «القاعدة في الشام» أبو محمد الجولاني بخطاب ناري، وجه فيه كلاماً قاسياً ضد سياسة «داعش»، واصفاً اياها بأنها خاطئة ولعبت دوراً في تصاعد الأحداث، كما اتهم للمرة الاولى «داعش» بخطف «أمير النصرة في الرقة» أبو سعد الحضرمي. واعتبر الجولاني أن ما يحدث إنما هو «فتنة» وينبغي اعتزاله. والرسالة الموجهة من خلال هذا التوصيف هي أن «جبهة النصرة» لن تقف مع «داعش» في هذه الحرب، ولن ترمي نفسها في نار أشعلها غيرها، في إشارة إلى قيادة «الدولة الاسلامية».
لكن هذا النفس الهجومي في مخاطبة «الدولة الإسلامية»، تراجع مع انكشاف وقائع الميدان عن سيطرة «داعش» على مساحات واسعة، واستمراره في التقدم يوماً بعد يوم، ولا سيما في الريف الحلبي، حيث ثمة مخاوف حقيقية من عدم صمود خطوط التماس الجديدة بين الطرفين، وأن يعمد تنظيم «داعش» إلى اختراقها لتوسيع نفوذه.
وقد تبدى هذا التراجع في النداء العاجل الذي وجهه زعيم «القاعدة» أيمن الظواهري الخميس الماضي، طالباً فيه وقف إطلاق النار فوراً وتشكيل هيئة للتوسط بين الطرفين، من دون أن يوجه أي انتقاد الى «الدولة الإسلامية» كما فعل الجولاني من قبله. وفي الواقع، فانه من الصعب الحكم على خطاب الظواهري، هل هو أقرب إلى خطاب الجولاني أم إلى خطاب زعيم «داعش» ابو بكر البغدادي الذي سبقه بعدة أيام، وقال فيه «كفوا عنا نكفّ عنكم».
ولكن الظواهري، رغم ذلك، كان واضحاً في تمسكه بأسباب الخلاف الكبرى بينه وبين البغدادي، خصوصاً لجهة تسمية «الدولة» وتسمية البغدادي نفسه «أميراً للمؤمنين»، فالظواهري ما زال يرى «داعش» على أنه فصيل من الفصائل الموجودة على أرض الشام وليس «دولة متكاملة الأركان»، وأن البغدادي ما هو إلا زعيم فصيل مثله مثل زعماء الفصائل الأخرى، وأنه عندما يتحقق التمكين في الأرض ينبغي اللجوء إلى الشورى بين هذه الفصائل جميعاً لاختيار الحاكم. ما يعني أن الظواهري لا يريد التسليم للبغدادي مسبقاً بحكم الشام، ويريد أن يخوض المنافسة معه، إما شخصياً أو عبر ممثل عنه. وكان هذا واضحاً عندما قال الظواهري «وسنظل بإذن الله ندعو الجميع لأن يسعوا لإقامة الحكومة المسلمة في شام الرباط والجهاد، وأن يختاروا من يرضونه ممن تتوفر فيه الشروط الشرعية حاكماً لهم، وأن من يختارونه هو اختيارنا، وأننا لا نرضى أن يفرض أحد نفسه عليهم»، وهو يقصد بذلك البغدادي.
إلا أن بعض المصادر الإعلامية المقربة من «جبهة النصرة» ذكرت أن رسالة سرية وصلت إلى بعض قادة «الجهاد» في الشام بالتزامن مع النداء العلني الذي وجهه الظواهري إلى العامة. ولم تذكر المصادر محتوى الرسالة السرية، لكنها أكدت أنها تتعلق بالأزمة الحالية وطرق الخروج منها. لكنها، بحسب المصادر، صيغت بلهجة أشد قسوة من النداء.
وفي اليوم ذاته الذي أصدر فيه الظواهري نداءه العاجل، كان الشيخ السعودي عبدالله المحيسني يعلن عن مبادرته لحل الخلاف بين الأطراف، مسمياً إياها «مبادرة أمة». وتنص المبادرة على بنود أهمها: وقف إطلاق النار في كافة المناطق، وتشكيل محكمة شرعية من قضاة مستقلين يرتضيها جميع الأطراف، وتلتزم جميع الكتائب بأن تكون الضامن لتنفيذ القرار الذي يصدر عن المحكمة.
وخشيةً من المماطلة في دراسة المبادرة قبل إعطاء رد عليها، نصت وثيقة المبادرة على مهلة خمسة أيام من تاريخ نشرها لإعلان من قَبِل التحاكم إلى «المحكمة الشرعية».
وقد أعلنت بعض الفصائل المعنية موافقتها على المبادرة، مثل «جبهة ثوار سوريا» التي يقودها جمال معروف، و«جبهة النصرة» التي أصدرت بياناً مكتوباً ممهوراً بتوقيع الجولاني نفسه. لكن أهم طرفين في الصراع لم يعلنا حتى الآن قبولهما أو رفضهما للمبادرة، ونقصد «الجبهة الإسلامية» و«الدولة الإسلامية». كذلك أعلن عدد من الفصائل الأخرى التي تؤثر الخلافات عليها بشكل أو بآخر، مثل «حركة شام الإسلام» و«حركة فجر الشام الإسلامية» و«الكتيبة الخضراء» و«كتيبة صقور العز»، دعمها وتأييدها للمبادرة، علاوة على بعض مفكري ومحللي السلفية «الجهادية» مثل أكرم الحجازي وإياد قنيبي وحسين محمود.
ومن غير المتوقع أن تؤدي المبادرة، حتى في حال موافقة الجميع عليها، إلى حل جوهر الخلاف بين الأطراف المتصارعة، ولكن من الممكن أن تؤدي إلى تهدئة مؤقتة قد يكون الجميع بحاجة اليها، لاسيما بعد المعارك العنيفة التي استمرت على مدى 20 يوماً من دون توقف. تهدئة تلتقط فيها الفصائل المشاركة أنفاسها، وتلتفت إلى إحصاء قتلاها ومعالجة جرحاها، وتثبيت مواقعها التي سيطرت عليها.
لكن الأرجح أن بعض الفصائل لن توافق على هذه المبادرة، حيث تشير الآراء المنشورة على صفحات مناصرة لتنظيم «داعش» الى أنه لن يوافق على هذه المبادرة، إلا أنه قد لا يعمد إلى رفضها بشكل علني ومباشر، وإنما يكتفي بتجاهلها، وانتهاء المهلة من دون إعطاء رد عليها. ويعزز ذلك سوابق كثيرة كانت قيادة «داعش» ترفض فيها بإصرار القبول بأي محكمة مستقلة، وذلك من منطق أنها هي «الدولة» وهي من تؤسس «المحاكم لإنفاذ حكم الله» على الأرض التي يسيطر عليها، ولا تخضع الى محكمة مستقلة أسسها الآخرون، الذين تتهمهم بأنهم إما «خوارج أو صحوات أو أهل ردة أو شرك أو باغون ومعتدون».
وفي المقابل أنشأت «الجبهة الإسلامية» مع «جيش المجاهدين» و«أحرار سوريا» غرفة عمليات في الريف الشمالي لمحافظة حلب لقتال «داعش»، حيث أطلقوا على التشكيل «غرفة عمليات آسيا في الريف الشمالي».
وبحسب البيان فان العملية تشمل «استعادة مناطق مفرق آسيا وحريتان وباقي مناطق الريف التي سيطرت عليها عصابات دولة البغدادي». وأعلنت الجماعات عن قيامها بسحب ما يسمى بـ«الفوج الأول» المرابط في الجبهة الشرقية من أجل المشاركة بالعملية، في الوقت الذي يتقدم فيه الجيش السوري باتجاه مدينة حلب من الجانب الشرقي .
وهذا يعني أننا سنكون في قابل الأيام، كما يسميها الجولاني، أمام جولة جديدة من الصراع، قد تكون أكثر عنفاً ودموية من الجولة الأولى، وقد تترتب عليها تداعيات أشد خطورة، ولاسيما على «جبهة النصرة» و«الجبهة الإسلامية» في حال تمكن «الدولة الإسلامية» من تحقيق مزيد من التقدم على الأرض.

عبد الله سليمان علي

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...