حنا مينه: الحرية أثمن من الخبز

07-08-2010

حنا مينه: الحرية أثمن من الخبز

ويا وطناً بالحب نكسو أديمه

فيحرمنا حتى رضاه ويمنعُ ‏

«أكذب نفسي عنك في كل ما أرى ‏

وأُسمع أذني منك ما ليس تسمعُ» ‏

ترتبط الكتابة بالحرية ارتباطاً عضوياً، فعندما لا تكون حرية لا تكون كتابة، لكن الكتابة، في جميع العصور، وفي أشدها قمعاً، تجد حريتها المنشودة بأشكال كثيرة غير مباشرة وتقول قولها عن طريق الرمز، الأسطورة، الإسقاط، التورية، الإبهام، أو على لسان الحيوان كما عند عبد الله بن المقفع، في تاريخنا الأدبي العربي القديم، أو في شكل ملتبس كما فعل الحطيئة، عندما منعه الخليفة عمر بن الخطاب من الهجاء، فقال هذا البيت من الشعر، حسبما تسعف الذاكرة: ‏

دع المكارم لا ترحل لبغيتها ‏

واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي! ‏

ولم يستطع بعض نقاد زمانه، أو بعض شرّاح شعره، الوصول إلى قناعة يقينية، فيما إذا كان الحطيئة يمدح أو يهجو، وهكذا وجد هذا الشاعر الهجّاء، طلباً للرزق أو ردعاً للمنكرة، أن يفتح ثغرة في جدار المنع ويوصل قوله إلى المعني به أولاً، ثم إلى الرواة والرأي العام ثانياً، من دون أن يطوله العقاب، وفي وسعنا أن نجد أمثلة كثيرة مشابهة، لهذا الاختراق للمنع في تاريخ الآداب العالمية، وفي أكثر الحقب دموية وبطشاً في كل من التاريخ القديم والحديث. ‏

إن سلطة الكتابة في تعارض دائم مع سلطة الحكم، هذه تريد إبقاء ما هو قائم، بكل ظلمه وبشاعته، والكتابة تسعى إلى إزالة ما هو قائم، وصولاً إلى ما يجب أن يقوم، لهذا فإن دور الكتابة هو الاستئناف دائماً وعدم الاستكانة، عدم الرضى، عدم الخضوع، والسلطة الحاكمة تتأذى من هذا التمرد عليها، وهذا التحريك لسكونية استقرارها، فتلجأ إلى تقييد الحريات، وأولاها حرية الكتابة، مصدر التحريض ضد الكائن الفاسد، نشداناً للتغيير المأمول، الذي لابد منه وإن طال الزمن ولا مندوحة عنه في عزم الأمور، ولا حيدة فيه بين الحق والباطل، حتى مع الصبر، وفي هذا توافق واتفاق، مع الآية الكريمة «واصبر على ما أصابك، إن ذلك من عزم الأمور» فالمهم، مع كبرياء الصبر، أن يكون، ثمة عزم في الأمور، مادام الكفاح «ابن زواج الفكر بالحرمان» ينشد تبديلاً، وتسريعاً به، كي يحل ما ينبغي أن يكون، محل ما هو كائن، نحو الأفضل دائماً، وهكذا يكون التغيير مستمراً في صراع الأنظمة وتعاقبها، منذ المشاعية البدائية إلى الآن، وبفعل التناقضات في قلب وحدة الأشياء، هذه التي يؤدي تراكمها إلى تحول نوعي، يكون الانفجار الثوري الذي يذهب بالقديم ويأتي بالجديد وبعد ذلك يصبح الجديد قديماً، فيكون النضال في سبيل جديد آخر، وبذلك تصبح متوالية التجديد متواصلة، إلى أن تنتفي التناقضات التناحرية، ويتم الانتقال من نظام اجتماعي إلى آخر انتقالاً متوافقاً مع السيرورة التاريخية، حين تكون السلطة في المجتمع المستقبلي على اتساق نظري وعملي مع هذه السيرورة وهذا ما يجري النقاش حوله في وقتنا الحاضر بعد أن تقوض بناء نمط واحد من الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي سابقاً، وفتح باب الحوار للتعرف إلى الأخطاء التي أدت إلى تقوضه ومدى مطابقتها أو مفارقتها للنظرية الماركسية اللينينية، بعيداً عن غوغائية الشامتين، وتنظيرات الحاقدين من مؤدلجي الرأسمالية، الذين يتنبؤون بانتهاء التاريخ الاشتراكي، وديمومة التاريخ الرأسمالي كي يزرعوا ويستنبتوا اليأس في نفوس المناضلين من أجل العدالة الاجتماعية، حلم البشرية الأكثر ثورية ويتوصلوا، عن طريق المغالطات الفلسفية والعلمية، إلى إقناعنا بأبدية الرأسمالية، هذه التي تتفجر، وستتفجر أكثر، الأزمات داخل نظامها الاقتصادي والسياسي، وهي إلى زوال، مهما تطاولت مرحلة مكر التاريخ، لأنه لو كان في وسع الرأسمالية أن تحل مشكلات العالم، لما كان الفكر الاشتراكي، ولما كانت الثورة الاشتراكية العظمى: ثورة أوكتوبر! ‏

تأسيساً على هذا كله، فإن الأدب المستأنف الواعي لدوره الاستثنائي لابد له أن يكون على تعارض مع السلطة الحاكمة التي يستأنف ضدها ولابد لهذه السلطة أن تقف بكل وسائلها القمعية ضد هذا الأدب وتالياً ضد هذه الكتابة، فتحجب عنهما الحرية، وفي حال كهذه وهي حال شبه مستمرة في المجتمع الطبقي، ينبغي على الكتابة أن تنتزع حريتها، وتحققها بوسائل شتى، مع ملاحظة أن حالة منع الحرية، وقمع الكتابة، قد كانا موجودين في المجتمع الاشتراكي على النمط السوفييتي، وكانت الكتابة المتمردة، ضد هذا المنع والقمع كليهما، وبكل مظاهرهما، ووسائلهما موجودة، وكان كفاح هذه الكتابة أحد العوامل التي أدت إلى الانهيار الكبير، وفي هذا عبرة لأيما سلطة قابعة في أي بلد مقموع، لو أن مثل هذه السلطة تفيد من العبر ودروس التاريخ، وهذا محال غالباً لأن السلطة في مطلول غايتها تسعى لإبقاء الحكم في أيديها والكتابة المستأنفة ضد ما هو كائن في سبيل ما سوف يكون في تعارض دائم مع جمود هذه السلطة أو استنقاعها في بركة من الماء الآسن ظناً منها أن كل شيء على ما يرام، بسبب وشوشة ووسوسة المنافقين في أذنيها، هؤلاء الذين يزينون الأمور ويلقون ستر الكذب عليها إلقاءً بارعاً متمرساً ومسموماً! ‏

إن تجارب حياتي ككاتب لا تخلو من أذى السلطة، في عهد الانتداب الفرنسي، والعهد الوطني بعد الاستقلال وفترة الوحدة المصرية – السورية أيضاً، ففي العهد الفرنسي، وبسبب مقال نشرته في «صوت الشعب» اللبنانية ضد مظالم المنتدبين الفرنسيين ومطاردتهم للوطنيين السوريين العرب، ضربت من قبل رقيب في الدرك الفرنسي يدعى «أبو حمدو» حتى قاربت الموت، ودخلت السجن عدة مرات، وفي العهد الوطني، أعوام 47- 48-49، لوحقت وسجنت، عقاباً على كتاباتي الصحفية ضد الإقطاع، عدة مرات أيضاً مع التعذيب المعروف في مثل هذه الأحوال وفي فترة الوحدة المصرية – السورية – اعتبرت «رابطة الكتاب العرب» التي كنت من مؤسسيها خارجة على القانون فسجن أعضاؤها وتشتتوا في المنافي وبقيت في المنفى قرابة عشر سنوات، قضيتها مشرداً بين أوروبا والصين، والمفارقة أنني بكيت بعد هزيمة حزيران عام 1967، وكنت في المجر، إثر سماعي خطاب عبد الناصر حول هذه الهزيمة وإعلان استقالته من السلطة، وعدت بعد ذلك مباشرة إلى وطني سورية، ليلم بي الحزن والألم الشديدان عند إعلان موت عبد الناصر عام 1970 مدركاً قبل ذلك في سنوات الغربة المريرة انه كان هناك خطأ في الموقف من الوحدة، وإنني وسائر الكتاب السوريين والمصريين الذين سجنوا وعذبوا وماتوا وتشردوا دفعوا ثمن هذا الخطأ، وإن لم يشاركوا كتابة ضد هذه الوحدة بل أخذوا بجريرة سواهم! ‏

بعد ذلك لم ألاحق ولم أسجن ولم يمنع أي من كتبي أو رواياتي من النشر والتداول أو من الدخول إلى سورية حين انتقلت إلى التعاون مع «دار الآداب» اللبنانية قبل حوالي ثلاثين عاماً، فأعادت، كثيراً من المرات طبع جميع كتبي ورواياتي، القديمة والجديدة، والتي بلغ عددها حتى الآن سبعة كتب في النقد والدراسة واربعين رواية.. غير أن وزارة التربية السورية، تكرمت علي فسحبت اثنتين من رواياتي من مكتبات المدارس الإعدادية والثانوية هما «الثلج يأتي من النافذة» و«الياطر» وتلطفت فحذفت مقتبساً من إحدى رواياتي «الشراع والعاصفة» وقصة قصيرة عن حرب تشرين، عنوانها «الرجل الذي أبطل مفعول القنبلة» من كتاب «الأدب العربي» للشهادة الثانوية «البكلوريا» من دون ابداء الأسباب، أو لسبب مزاجي لا اعرفه، وكل ذلك حرصاً من هذه الوزارة على ألا يطلع طلابها على كتبي، لكن النتيجة كانت عكس ما ارادت فقد اثبت هؤلاء الطلاب انهم في مادة المطالعة اكثر تقدماً من وزير التربية آنذاك، الذي كتبت مقالة كشفت فيها جهالته التربوية، من دون ان يملك الشجاعة للرد لأنه – وهذا يسجل له – كان في التربية مصادفة ويعرف أنه مصادفة وان الذي صادر روايتيه لا يأبه لهذه المصادرة لأن «الثلج يأتي من النافذة» قررت تونس ان تكون المادة الأدبية لطلاب ثانوياتها، فاشترت 7200 نسخة دفعة واحدة، ومثلها فعلت المغرب في السنة التالية، فاشترت 7200 نسخة من «الشراع والعاصفة» من «دار الآداب» في بيروت. ‏

لقد قال القاص والمسرحي الكبير المرحوم يوسف ادريس يوماً: «الحرية الموجودة في الوطن العربي كله لا تكفي لكاتب عربي واحد!» وكان على صواب، ففي البلدان العربية تقنن حرية الكتابة بذرائع مختلفة وتقطر بالقطارة وتمنع بعض الكتب، حتى التراثية منها، حرصاً على الأخلاق (!) ويواجه الكتاب العرب، في كل الأجناس الأدبية التي يبدعون فيها، بمناطق محرمة، عليهم ألا يقربوها وهم لا يقربونها بمنع وزجر من الشرطي الذي في رأس كل منهم، أي ان الرقابة الخارجية تتحول إلى رقابة داخلية، ذاتية وهي أسوأ أنواع الرقابات وأشدها وطأة على الكاتب ولم تتخلق دفعة واحدة، وإنما بالتدريج فأسلوب التدجين الذاتي هذا مدروس بعناية ومقسط تقسيطاً مريحاً، ويكون على شكل جرعات، بينها فواصل زمنية حتى يسهل بلعها من جهة، والتأكد من مفعولها وتأثيرها من جهة اخرى. ‏

في المقابل، هناك الترهيب والترغيب وهذا الأخير أكثر خبثاً وأشد مكراً، وتقوم به صحف ومجلات عربية تصدر داخل الوطن العربي وخارجه وكذلك مراكز الأبحاث الأجنبية المشبوهة فهي تنشر المادة المكتوبة مهما تكن مضادة لتوجهاتها، وتدفع مقابلها مكافأة مغرية وبالدولار أو القطع النادر، فإذا بلع الكاتب العربي أو الأستاذ الجامعي العربي الطعم وأدمن على مثل هذه المكافآت النقدية يبدأ جذب الخيط وتعود شعرة معاوية إلى شغلها في الدهاء المعروف بين إرخاء وشد إلى أن يتم اصطياد الكاتب بصنارة الرفاهية المؤقتة التي صار إليها المحروم من الرعاية والعناية والعاجز عن تأمين رزقه عن طريق كتبه مادام أفضل كتاب عربي مؤلف أو مترجم لا يطبع أكثر من خمسة آلاف نسخة تبقى أكثر من عامين حتى تنفد رغم ان تعداد السكان العرب يبلغ حالياً مئتي مليون نسمة ونيفاً معدل الأمية بينهم يصل إلى ستين بالمئة، والطبقات الثرية لا تطالع، لان للمطالعة جانبين: تربوي وحضاري وقد سئل الكاتب السوفييتي إيليا اهرنبورغ، عما فعله الكتّاب السوفييت خلال ربع قرن من قيام الاتحاد السوفياتي فقـال: «لقد ربينا جيلاً من القراء». ‏

مع هذا الترهيب والترغيب، في أشكالهما وألوانهما المختلفة، وعبر مسارب ناعمة وملساء كجلد الأفعى هناك في الوطن العربي كتاب وأساتذة جامعات كبار، لم يؤخذوا باللعبة الحرباوية، واستعصوا على التدجين والاستيعاب وتقبلوا اسفنجة الخل وهم على صلبان حرمانهم وكفاحهم في سبيل غد أفضل، لوطنهم وشعبهم، لكن هؤلاء في القلة أما الأكثرية فقد خربت دوراتها الدموية، ولا تزال المعركة، على المثقفين العرب ومن حولهم قائمة بغية اقتناصهم، واستزلامهم، أو على الأقل تحييدهم فإذا لم يمدحوا لا ينتقدون، وهذا في ذاته مكسب، والقانصون راضون به، أو متحولون عنه إلى العصا والجزرة فمن لم تنفع معه هذه قد تنفع معه تلك. ‏

إنني لا أحتج على منع تدريس أي من رواياتي، في الجامعة أو المدارس الثانوية أو الإعدادية، فالاحتجاج بي جنف عنه، إنما أريد تأكيد أن سورية منجم إبداع، وفيها روائيون وقصاصون وباحثون يحسن الاستفادة من إبداعاتهم، سواء في الجامعات أو المدارس السورية وشكراً على كل حال على هذا الإغفال لي لأنه من بعض الشيم وبعض السلوك الذي لا حيدة فيه ولا رجوع عنه!. ‏

حنا مينة

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...