الحجاب في مصر سياسة للبيع

07-06-2006

الحجاب في مصر سياسة للبيع

كان مرشد الإخوان الراحل مصطفى مشهور فى مشهد نادر.. كان يواجه ثورة من مجموعة من أعضاء الجماعة صغار السن. المناسبة كانت جنازة أحمد الملط نائب المرشد، بعد الدفن التفت مجموعة من شبان الجماعة المتحمسين حول المرشد العام وواجهوه بحالة السخط التى يشعرون بها، كانت الجماعة وقتها تمر بحالة من حالات التجميد السياسى لا تخوض الانتخابات.. ولا تعقد اجتماعات تنظيمية موسعة.. وتتلقى ضربات أمنية متتالية.. قال الشبان للمرشد: إن الجماعة تتراجع.. نظر المرشد للشاب الذى كان يحدثه وسأله: هل زاد عدد المحجبات فى الشارع الذى تسكن فيه أم نقص؟!

رد الشاب: بل زاد.. فرد المرشد: إذن نحن نسير للأمام. هذا الموقف الذى روته صحيفة آفاق عربية الناطقة بلسان الجماعة وقتها يمكن أن يلخص قصة الحجاب فى مصر.. الحجاب ظاهرة اجتماعية.. اقتصادية.. لها بعد وثيق الصلة بالحرية والاختيار الشخصيين لكنها أيضا طوال الوقت ظاهرة قابلة للاستخدام السياسى، والأدق أن الحجاب طوال الوقت يستخدم سياسيا.. المنطق يقول أنه ليس كل حجاب دليلا على عفة من ترتديه.. تماما كما أن كل زى عادى ليس دليلا على انحلال من ترتديه.

لماذا ينتشر الحجاب حاليا؟ الإجابة سهلة هى التى قدمها المرشد السابق للإخوان المسلمين أو هى نفسها الإجابة التى يمكن أن يقدمها أى فرد من أفراد الجماعة.. الإجابة ستقول أننا إزاء نوع من أنواع «الصحوة الإسلامية» أو المودة الاجتماعية للدين وأن الحجاب هو أحد أبرز تجليات هذه الصحوة.. حسن ولكن المصريين كانوا متدينين - عن حق - طوال العقود الماضية وأن العقود من العشرينيات وحتى الثمانينيات - بداية الانتشار الجماعى للحجاب لم تشهد هذا الكم من التهتك القيمى الأخلاقى الذى تشهده حاليا.. والصحيح أن الظاهرة - أية ظاهرة - لها أبعاد ومكونات سياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة. وإذا كان الإخوان وأنصار فكرة الإسلام السياسى بشكل عام يحاولون استخدام الحجاب السياسى.. فربما كان للأمر تفسير سياسى ولكن من منظور مختلف. فى رسالتها للماجستير فى الجامعة الأمريكية والتى حملت عنوان (الناشطات الإسلاميات) خلصت الباحثة شيرين حافظ إلى أن المرأة المصرية كانت دائما محورا للصراع بين الدولة من جهة وجماعات الإسلام السياسى من جهة أخرى.. الدولة - أو بعض أجنحتها تتبنى دائما وبالتدريج فكرة الإصلاح التشريعى والرعاية الاجتماعية للمرأة، وجماعات الإسلام السياسى تدرك أن المرأة هى مربية الأجيال وأنها إذا تم استقطابها يمكن أن تبث الأفكار التى تؤمن بها لأطفالها.. هؤلاء الأطفال هم المستقبل.. فكرة بسيطة ومطروحة بقوة فى أدبيات جماعة مثل الإخوان المسلمين.

بشكل أو بآخر يمكن أن نعتبر أن ذلك النوع من الانتشار للحجاب فى مصر هو جزء من حرب الهيمنة والمصطلح للمفكر اليسارى الإيطالى أنطونيو جرامشى الذى يعتبر أن الجماعات المختلفة فى صراعها نحو السلطة تمر بمراحل عدة، المرحلة قبل الأخيرة منها هى حرب الهيمنة - التواجد فى مراكز التأثير - مؤسسات المجتمع المدنى.. وسائل الإعلام.. النوادى.. بعد حرب الهيمنة - تأتى المرحلة النهائية (السيطرة)... إذا طبقنا هذه الفكرة على المجتمع المصرى فهل يمكن اعتبار انتشار الحجاب بين شرائح اجتماعية واسعة من الفتيات والسيدات إعلانا (لهيمنة تيار معين؟! فى الحقيقة لا؟). الإجابة بالنفى لها علاقة بانتشار نمط جديد من التدين فى المجتمع المصرى يمكن تسميته بالتدين الفردى أو نزعة الإيمان الفردى. فإلى جانب السيدات المصريات اللاتى يرتدين الحجاب لأسباب اقتصادية سنجد أن الحجاب انتشر بقوة فى أوساط الشرائح التى يمكن أن نسميها الشرائح العليا من الطبقة الوسطى.. فتيات هذه الطبقة حصلن على تعليم عال.. وغالبا يعملن فى وظائف فى قطاعات مهمة وبشكل عام ليس لديهن دوافع قوية تدفعهن للسخط السياسى نظرا لتمتعهن بفرص جيدة فى الثروة والمكانة الاجتماعية.. هن فقط يردن نوعا من الحماية الأخلاقية ويردن زيا لايمنعهن من التمتع بمباهج الحياة والإحساس بالتميز الاجتماعى والمادى.. لذلك من الطبيعى ألا تجد فى مصر حجابا واحدا، ومن الطبيعى أيضا أن تجد أن حجاب السيدات فى أحياء مثل إمبابة وبولاق الدكرور يختلف تماما عن حجاب الفتيات فى أحياء الدقى والمهندسين، الحجاب الأول خمار واسع فضفاض يدارى أشياء كثيرة من بينها الفقر.. الحجاب الثانى كتانى ناعم مكلف جدا وذو ألوان مبهجة.. مع انتشار هذا النوع من الحجاب الذى يرمز إلى رغبة فى التحلى بالصفة المحافظة على مستوى الشكل أكثر مما يرمز إلى تدين حقيقى. كان من الطبيعى أيضا أن ترى فى مصر عروض أزياء للمحجبات ومصممات أزياء تخصصن فى ابتكار أشكال جذابة من الحجاب لسيدات وفتيات المجتمع الراقى.. مع عروض الأزياء ظهرت مجلات موضة متخصصة فى الحجاب وبوتيكات تبيع أزياء المحجبات غالية الثمن.. هذا لا يعنى أن الحجاب سوق كبيرة للأرباح والتجارة فقط شأن ظواهر دينية كثيرة تحولت إلى مصدر واسع للأرباح فى السنوات الماضية.. لكنه يعنى أيضا أن هذا النوع من الحجاب الناعم هو لافتة أخلاقية وهو يختلف تماما عن ذلك النوع من الحجاب ذى الطبيعة التقشفية وربما الجهادية.. الذى كان ارتداؤه تعبيرا عن حالة من حالات التصادم والخصام مع المجتمع تبنتها بعض الجماعات العنيفة طوال سنوات السبعينيات والثمانينيات. إلى جانب حجاب الفتيات من غير الشهيرات لدينا أيضا حجاب الفنانات والنجمات.. منذ أسبوعين بثت المواقع الخبرية خبرا عن نية المطربة والراقصة اللبنانية هيفاء وهبى ارتداء الحجاب.. الخبر كان أكثر الأخبار طباعة على مواقع الإنترنت ظل الكثيرون مشغولين بتخيل جسد هيفاء وهبى تحت الحجاب.. حتى نفت هيفاء وهبى الخبر ووزعت صورا أكثر من مثيرة لها وهى ترتدى المايوه البكينى لتؤكد أنها لم تعتزل.

المفارقة أن الكثيرين أسعدهم الخبر.. واعتبروه شيئا إيجابيا.. هكذا كان يمكن لهيفاء وهبى أن تحتفظ بثروة قيمتها 16 مليون دولار جمعتها من الغناء فى علب الليل والحفلات الخاصة وتصبح أيضا من الداعيات وقادة الرأى فى المجتمعات العربية.. لم يكن غريبا لو مددنا خط الخيال على استقامته أن نرى هيفاء بالحجاب تقدم برنامجا على قناة فضائية دينية.. مثلها مثل زميلاتها.. ومعنى هذا الاهتمام الرهيب بقنبلة حجاب هيفاء وهبى أننا مجتمع مازال يفكر بنصفه الأسفل والمعنى الأعمق أننا نفتقد لأية قيم حقيقية فى الحكم على الأشخاص والأفعال.. لا قيمة سوى الشكل لذلك يمكن أن ينقل «الزى» هيفاء وهبى وغيرها من خانة إلى خانة.. ومن النار إلى الجنة.. ينقلها من خانة الراقصات إلى خانة الواعظات وقادة الرأى. الحجاب فى النهاية فكرة يتم ترويجها على أنها مقدسة.. مرتبطة بأمر إلهى لكن هذا لا يمنع بعض الفنانات والمذيعات من استخدامها كمادة للدعاية الرخيصة على طريقة (فلانة خلعت الحجاب، فلانة ارتدت الحجاب) فى الأسبوع الماضى سربت المذيعة بسمة وهبى خبرا عن أنها خلعت الحجاب.. وذهبت لاستوديو تصوير شهير وتم تصويرها دون حجاب (التصوير دائما هو الخطوة الأولى) وبعد أن نشر الخبر عادت ونفته.. أهلا وسهلا.. ما المهم فى أخبار مثل هذه سوى دلالتها التى تقول أننا لا نفكر فى النجمة أو المذيعة سوى كخبر - لا شىء - ولكن ما الذى أوصلنا إلى هذه الحالة؟ هل كانت هذه هى حالة المرأة المصرية دائما.. فى الحقيقة لا.. وفى الحقيقة أن القصة طويلة وتبدأ منذ عام 1919.

بين 1919 و2006 سنوات طويلة بالتحديد خمسة وثمانون عاما جرت خلالها فى نهر الحياة المصرية مياه كثيرة.. فى 1919 خلعت المرأة المصرية الحجاب للمرة الأولى.. وخرجت مجموعة من النساء المصريات فى مظاهرة سياسية للمرة الأولى وكن سافرات الوجوه.. لم يكن الحجاب الذى خلعته بنات الأسر الكبيرة اللاتى شاركن فى المظاهرة هو الحجاب الدينى المنتشر الآن بالتأكيد.. ولم يكن خلع الحجاب رمزا للانحلال الخلقى بالطبع.. كان إعلانا عن الرغبة فى المشاركة.. كانت المسألة باختصار هى أن ثورة 1919 كانت ثورة المصريين الذين يريدون أن ينتزعوا دورا فى حكم مصر، كانت ثورة شرائح اجتماعية نضجت اقتصاديا واجتماعيا فى سنوات ما قبل الاحتلال واستوى نضجها خلال سنوات الاحتلال.. بل أن أرباحها الاقتصادية تضاعفت فى سنوات الحرب الأولى.. هذه الشرائح التى تعبر فى مجملها عن الطبقة الوسطى المصرية رأت فى نهاية الحرب العالمية موعدا مناسبا كى تطالب بحقها فى المشاركة.. بعد 1919 لم تعد لعبة السياسة فى مصر مقصورة على الصراع بين سراى عابدين وقصر الدوبارة.. شارك المصريون وكانت مظاهرة النساء إعلانا عن رغبتهن فى المشاركة فيما هو قادم.. ولو بقدر.. لم تكن النساء فقط هن اللواتى استدعين للمشاركة فى مصر ما بعد 1919 كان هناك أيضا الأقباط بعد الثورة شارك الأقباط فى المشهد السياسى بصورة أكثر من ناجحة.. وهو مالم يتحقق مع النساء تماما.. لكن الأكيد أن النساء خرجن من الحرملك.. عرفت الفتيات طريقهن للتعليم الجامعى والمنتديات العامة وللحياة الاجتماعية.. ولكن ذلك كان يتم بالتدريج البطىء.

مع قيام ثورة يوليو ورغم تهميشها للعديد من القوى السياسية على الساحة.. إلا أن السياسات الاجتماعية للثورة أدت لحضور قوى للمرأة فى المشهد الاجتماعى العام.. مجانية التعليم أدت لمزيد من فرص التعليم للمرأة.. والالتزام بتوظيف الخريجين من الذكور والإناث أدى لمزيد من الحضور الاجتماعى للمرأة والاستقلال الاقتصادى لها.. ورغم أن تمثيل النساء فى السياسة ظل رمزيا ووزيرة واحدة غالبا للشئون الاجتماعية.. إلا أن أعداد النساء العاملات فى الجهاز الإدارى للدولة وفى شركات القطاع العام كانت فى تزايد مستمر.. لم تكن سنوات الخمسينيات والستينيات هى سنوات حجاب النساء.. على العكس كانت هناك حالة صعود مستمر للنساء.. وكان المزاج العام فى مصر والعالم يسمح للنساء بقدر من التحرر فى الزى لكنه كان تحررا من السهل فرزه.. حين تنظر لصورة أسرة مصرية فى الستينيات تدرك منذ الوهلة الأولى أن السيدة فى الصورة زوجة وأم.. لم يكن الزى ذا دلالة أخلاقية ربما لأن أجساد النساء لم تكن قد دخلت سوق الاستهلاك بالدرجة التى رأيناها فيما بعد.. فى السينما ظهرت ممثلات عبرن عن فكرة الفتاة التى أفرزتها ثورة يوليو.. كانت أهمهن سعاد حسنى.. ونادية لطفى فى أدوار معينة.. على المستوى السياسى لم تكن النساء من ضمن جمهور جماعة مثل الإخوان المسلمين، وجماعة السيدات المسلمات كانت تتمحور حول شخصية زينب الغزالى وهى سيدة تنتمى لفئة النساء اللاتى يدخلن عالم السياسة بصفات أقرب لصفات الرجال.. نفس الفئة التى تنتمى لها نساء مثل مارجريت تاتشر وجولدا مائير.. وباستثنائها مع النساء من زوجات أعضاء الجماعة لم يكن هناك جمهور من السيدات ولا جناح نسائى للجماعة.. فى السبعينيات كانت الهجرة للخليج.. عاد الرجال يرتدون الجلابيب البيضاء وعادت النساء بالعباءات السوداء والحجاب.. كان هذا هو الزى الرسمى المسموح به فى بلاد الهجرة والنفط.. وحين عادت النساء لم يجدن مايدعو لتغييره.. نفس الجيل من النساء الذى أنتجته السياسات الاجتماعية لثورة يوليو كان قد دخل مرحلة الكهولة والأهم أنه مع هزيمة 1967 هزم مشروع النهضة نفسه.. ولم يجد الرجال والنساء شيئا سوى مهارات فنية وتقنية أتاحتها لهم فرص التعليم المجانى.. لم يكن أمام الجميع سوى محاولة استثمار مهاراته بشكل فردى هنا أو هناك فى الداخل أو فى الخارج نجح البعض وأخفق البعض الآخر لكن الفشل كان من نصيب الجميع كمشاركين فى مشروع عام منى بالهزيمة.

وإلى جانب الملايين الذين سافروا لدول النفط كان هناك طوفان من الكتب والأشرطة ضمن هذا الطوفان كان هناك طوفان أصغر استهدف المرأة بشكل عام.. ليس فى الأمر أدنى مبالغة أو استسهال فى التحليل.. لم تكن فكرة أن الأم هى التى تتولى تربية الأطفال وإعداد الأجيال الجديدة من المصريين غائبة عن مروجى فكرة الصحوة الإسلامية وهى مظلة اتسعت بقوة فى سنوات السبعينيات لتضم تحتها قوى أخرى بخلاف جماعة الإخوان التى عادت للمشهد السياسى والاجتماعى بعد سنوات من الغياب الإجبارى فى الستينيات كان هناك ناشرون ومفكرون تحولوا من أقصى اليسار لأقصى اليمين وكان هناك من يؤمن بالفكرة.. وهناك أيضا من يؤمن بالأرباح التجارية لترويج الفكرة.. لكن الكتب والشرائط وسنوات الهجرة للدول الخليجية لم تكن هى السبب الوحيد لإقبال النساء المصريات على الدخول تحت خيمة الحجاب الواسعة.. كانت هناك فكرة أعمق.. وهى أن الاستهلاك أصبح هو السمة الأولى لمجتمع ما بعد الانفتاح.. وهكذا فقد سفور المرأة فكرته الأساسية وربما شرعيته.. كانت الفكرة المطروحة فيها قبل ذلك هى أن هناك مشروعا للتنمية وأن الجميع مدعوون للمشاركة فيه وبالتالى فلا مبرر لأن ترتدى المرأة زيا يميزها عن الرجل.. كان شرف المرأة متعلقا بقدرتها على المساهمة فى مشروع النهضة الذى كان المفترض أنه كان مشروعا جادا وحقيقيا وكان من الواضح أن الكثيرين يصدقونه وينتمون له.. بعد الانفتاح الاقتصادى والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية الحادة.. أصبح كل شىء مطروحا للاستهلاك.. وهكذا كان على المرأة أن تحمى جسدها حتى لا يصبح مطمعا لمن يرغب فى استهلاكه.. هذا إذا كان وعى المرأة سليما والأكيد أن هذا هو وعى الأغلبية.. والأكيد أيضا أن وعى أو لا وعى الأقلية كان يفكر أن تغطية السلعة أية سلعة من شأنه أن يزيد من ثمنها.

هكذا ظهرت محاولات التفسير غير النصية والمنطقية للحجاب فى خطاب بعض الدعاة وكان المنطق أن الإسلام يرى المرأة شيئا غاليا جدا.. جوهرة.. لذلك يريد الحفاظ عليها من أعين المتطفلين بغير وجه حق.

هكذا عرفت النساء فى الثمانينات وأواخر السبعينيات طريقهن إلى الحجاب وهذا الجيل من النساء هو الذى يمكننا أن نطلق عليه جيل الأمهات.. وهن أمهات لفتيات يقبلن أيضا على الحجاب لأسباب أخرى.. وقبل أن نتطرق لهذه الأسباب ومنذ السبعينيات وحتى الآن لايمكننا أن نغفل عاملا آخر يقف وراء انتشار الحجاب هو العامل الاقتصادى حيث إن ارتداء الحجاب يجعل تكلفة خروج المرأة من المنزل أقل ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية وتدهور الحالة المادية لكثير من موظفى الجهاز الإدارى للدولة فى مواجهة التضخم وارتفاع الأسعار أصبح الحجاب حلا اقتصاديا لكثير من النساء. لكن سنوات الثمانينيات شهدت متغيرا لايمكن تجاهله فى عالم الحجاب ظهرت لأول مرة فكرة الفنانات المحجبات بدأت المسألة فردية.. فى توقيتات متقاربة 1986-1987 فصاعدا.. اعتزلت الممثلة شمس البارودى التى كانت رمزا للإغراء فى سنوات السبعينيات.. السينما التجارية كانت تقدمها بشكل استهلاكى تماما والحجاب كان حماية من فكرة الاستهلاك كان الاعتزال على يد الشيخ الشعراوى وهو ماتكرر مع فنانة مثل هناء ثروت التى أفتى لها الشيخ بأنه لايجوز أن تمثل وهى ترتدى الحجاب.. هذه الفتوى المهمة جدا تم نقضها فيما بعد على يد علماء مثل د. يوسف القرضاوى ومحمد الخطيب مفتى جماعة الإخوان وعلى يد دعاة مثل خالد الجندى.. الذين أصدروا فتاوى مضادة نتج عنها طوفان المعتزلات اللاتى عدن للتمثيل.. شمس البارودى وهناء ثروت لم تكتسبا أهميتهما فقط من كونهما أول من تحجبن ولكن بسبب الدور الجديد كداعيات متمكنات نسبيا تحولت دروس البيوت التى يلقينها إلى إرهاصة لظاهرة جديدة فى التدين الذى يجتذب نساء من شرائح اجتماعية معينة لأسباب كثيرة فإن الفنانين والمشاهير عادة ما يكونون قدوة للعاديين من الناس. والنساء بالتحديد لديهن ميل فطرى لتقليد النساء الأخريات الأكثر شهرة فى تسريحة الشعر.. وتفصيلة الفستان وربما فى الحجاب أيضا.. ربما لهذا السبب تستعين الشركات الكبرى بالنجوم والمشاهير والإعلان عن بضائعها.. المهم أن عدد الفنانات المحجبات والمعتزلات كان يتزايد.. والمطربة ياسمين الخيام التى كانت تحظى برعاية خاصة فى السبعينيات دخلت أيضا إلى عالم المحجبات.. وهى تحظى بمواهب شخصية وإدارية خاصة جعلت من الجمعية الخيرية التى أسستها مركز جذب لتنظيم حركة الفنانات المعتزلات.. أو بالأحرى سيدات النخبة الراغبات فى الالتزام بنمط حياة جديد.. هكذا ظهر مركز ثقل دينى واجتماعى جديد يتمايز تنظيميا عن الأشكال الدينية الموجودة مثل جماعات الإسلام السياسى والأزهر الشريف.. هذا المركز الدينى الجديد اتصل عضويا بحركة الدعاة الجدد الذين تولوا فكرة الإرشاد الروحى للفنانات المعتزلات وخاصة بعد رحيل الشيخ الشعراوى.. وهكذا كان الداعية السكندرى الشيخ ياسين رشدى على علاقة وثيقة بجماعة الفنانات المعتزلات حتى أن الشائعات زوجته من الممثلة الجميلة والمعتزلة مديحة كامل.. لكنه نفى الشائعات وقال إن علاقته بالفنانات المعتزلات هى علاقة «أخوة».

الشيخ عمر عبد الكافى أيضا لعب دورا مهما مع جماعة المعتزلات وخاصة الفنانة سهير البابلى وأخريات وهو نفس مافعله دعاة مثل عمرو خالد وخالد الجندى. سنوات التسعينيات وبالذات النصف الثانى منها شهدت إقبالا من بعض الفنانات الشابات على الاعتزال: منى عبد الغنى.. عبير صبرى.. ميار الببلاوى.. صابرين.. هؤلاء يمكن ربطهن بجيل الفتيات.. أو الجيل الثانى من الفتيات المصريات وهو جيل«ارتبط بالأشكال الجديدة للتدين وحكمته فكرة الإيمان الفردى وعدم القطيعة مع المجتمع.. والتأثير عن طريق التواجد.. وهى نفس الفكرة التى أدت إلى عودة الفنانات المعتزلات «سهير البابلى وسهير رمزى وأخريات.. وهى عودة دعمتها فتاوى مناقضة لفتوى الشيخ الشعراوى حول حرمة التمثيل بالحجاب.. ودعمتها أيضا اشتراطات مفاجئة من الموزع الخليجى بأن تلعب المعتزلات العائدات بطولات المسلسلات التى تشتريها تليفزيونات بعض دول الخليج.. وهذه بالطبع فكرة عادية لا يوجد فيها أى «مؤامرة».. لكنها تبقى فى حاجة للتحليل والدراسة والتنبؤ باحتمالات المستقبل.

 

 

وائل لطفي

المصدر: روز اليوسف

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...