«رواية اسمها سورية»عنوان فضفاض أطلق على مأدبة الوعي السوري

27-05-2007

«رواية اسمها سورية»عنوان فضفاض أطلق على مأدبة الوعي السوري

لم أستفق من صدمة العنوان الذي طالعنا به الأستاذ نبيل صالح في كتابه الجديد (رواية اسمها سوريا ) إلا بعد أن تابعت حديثاً له على قناة الدنيا الفضائية قبل أيام..إذ تأكدت بعدها أن من يتحدث عن سوريا بهذه الطريقة المستسهلة لا بدله من أن يصدر عنواناً فضفاضاً ومستفزاً كالذي بين أيدينا الآن...والأغرب من هذا أن هذه المحاولة التاريخية التي تتوسل الاختلاف عن تأريخ الأنظمة للبلدان التي حكمتها أو مازالت، ترى النور في فنادق الخمس نجوم ...ويدعى إلى حفل التوقيع أو التوزيع بعض الأسماء التي كرست حياتها للإساءة لهذا البلد وتاريخه...لكي يشاركوا الأستاذ نبيل فرحته باختصار مئة عام من تاريخ سوريا في أصنص مكتوب حمل العنوان الذي ذكرناه .

من وجهة نظر استباقية لا يمكن للأستاذ نبيل "وصحبه" أن يكونوا أوفياء لعمل التاريخ في ظل وجود هذه الأسماء التي تمت دعوتها ..فليس من المعقول أن يكون الأستاذ نبيل صديقاً للبطانة السياسية في سوريا وناتفاً ريشها بآن معاً ، فالصداقة تمنع العين الحيادية من ممارسة دورها فكيف إذا امتلكت هذه البطانة كل العوامل التي تمنع الناقد المؤرخ من الاقتراب منها إلا ضمن الحيز المسموح به من قبلها... وكيف يمكننا أن نقتنع بجدوى التأريخ الذي يداهن الطبقة السياسية ولا يخرج عن الإطار الذي تطبل الأنظمة لربابنتها ضمن فلكه وأطره... وأين المصداقية في هذا العمل الذي يدعي منذ البدء أن الشخصيات التي أسهمت في تشكيل وعي السوريين في القرن العشرين تتلخص أو لم تتعد مئة شخصية أختارها نبيل ومن معه...! وعن أية قامات نتحدث في ظل غياب المرجعيات التي تؤكد وبما لا يدع مجالاً للشك أن هذه الشخصية المذكورة في الكتاب بأجزائه الثلاثة تعتبر بحق مساهمة في تشكيل الوعي لدى السوريين ...وعن أي سوريين نتحدث في النهاية..هل السوريون هم أصحاب السمو والرفعة والغبطة وأصحاب الياقات والأساور الذهبية والماسية ممن حضروا حفل توقيع الكتاب في أحد فنادق الخمس نجوم الدمشقية ....! أم هم المساكين الذين نساهم التاريخ في عش الورور والستة والثمانين والسومرية ونهر عيشة ويهزمون في كل يوم عندما يكتشفون أن هناك من استأجرهم ليضع عنواناً عريضاً لكتاب أو موسوعة تفيد بأن الذي ساهم في صناعة وعيهم هو فلان وفلان لأن الأستاذ نبيل ومن معه قرروا ذلك ... أليس من المفترض أن يتأنى الكاتب أو الصحفي أو المؤرخ لحظة اختيار العنوان؟

أما إذا دخلنا ميدان اللغة الهادئة فنستطيع القول: إن العمل الذي بين أيدينا ثمرة جهد واضح وتعب زمن طويل دون شك ، وما اللغة التي اخترتها كتوطئة للحديث إلا نتيجة استخدام العناوين غير المتزنة التي بدأت تتكاثر في الآونة الأخيرة ... على شاكلة (المسرح السوري في مئة عام ...المسرح التجريبي عربياً وعالمياً...القصة السورية في القرن المنصرم..النقد الأدبي في القرن العشرين) وسواها من العناوين الفضفاضة التي تشي بحالة إحاطة المؤلف بكل صغيرة وكبيرة عبر مئة عام ،وهذا مالا يستطيع ادعاؤه أحد إلا من قبيل الثرثرة الأنوية على حد زعمي.

الكتاب أو الموسوعة أو العمل الروائي كما أحب الأستاذ نبيل أن يسميه طرح عدداً من الأسماء التي قدمت مشاريع استثنائية أغنت الحياة الثقافية في سوريا وأمدتها بوقود المعرفة على مدار سني حياتها ،إلا أن رصد تفاصيل حياتها أو ما قدمته من استثناءات يحتاج إلى مؤسسات كبرى وعقول كثيرة تستطيع أن تحرر القصص والروايات التي تذكر للتحقق مما هو أسطوري وكاذب وما هو واقع وحق..إذ إن أغلب الكتب التي قدمت على أنها مراجع للبحث تحمل صبغة المبالغة في الحديث عن هذه الشخصية أو تلك وتظهر هذا الفنان أو الكاتب أو المناضل كملاك بأجنحة بيضاء ملأ الدنيا إيماناً وأخلاقاً وعفة ، وجعل الكون بفضل وجود منظومته الفكرية والحياتية أعلى سقفاً وأكثر بهاء..والحقيقة في أغلب الكتب التي تتحدث عن أشخاص بعينهم غير ذلك تماماً ،إذ ليس من الطبيعي أن أنذر نفسي للكتابة عن شخصية ما وأذكر خستها في بعض المواقف أو تفاهتها في علاقاتها مع الناس أو منظومتها الأخلاقية المبسترة ، وليس مقبولاً في الوقت ذاته أن تظهر السيدة أم كلثوم في المسلسل الذي تناول مسيرة حياتها كأنها السيد المسيح في كل ما مرت به من ظروف ومراحل، لهذا كله أقول : كان على الأستاذ نبيل صالح أن يتأنى قليلاً في هذا المشروع الضخم لئلا يتورط بجمل مدائحية لسياسيين ما زالوا أحياء أو لكتاب ومفكرين يمتلكون ميليشيات للرد على أية معلومات لا تتناسب مع وجهة نظرهم عن أنفسهم وهذا ما يفسر عدم وضع اسم صاحب الجزء الذي تحدث عن الرئيس الراحل حافظ الأسد ، إذ لم أجد ما يبرر غياب اسم صاحب المادة إلا خوفه من عدم الموضوعية ،وكان على الأستاذ نبيل أن لا يقع في المطب السائد بتعظيم الشخصيات المتناولة كما تفعل المذيعة المصرية هالة سرحان ، إذ كلما استضافت فناناً صغيراً أو كبيراً فإنها تطلق عليه ألقاباً كبرى تجعل المشاهد يستنفر من هذه الطريقة البلهاء وتوقعه في فعل عكسي تماماً ، فبدلاً من احترام هذا الضيف أو ذاك تراه يضحك عليه انطلاقاً من الجمل الكبرى التي قدمته المذيعة بها والتي لا تنسجم ولا تتناسب مع مسيرته الفنية على الإطلاق على نحو (ملكة الأداء التمثيلي...أستاذة الزمن الجميل ...قارورة العسل الصافي...إمبراطور الكوميديا) وليعذرني الأستاذ نبيل على هذه المقارنة إلا أنها خطرت في بالي ودعمتها عندي على الأقل العناوين التي تضمنها الكتاب، ولينظر القارئ إلى هذا السيل من الألقاب التي ربما لن تقبل بها الشخصيات المذكورة لو كانت على قيد الحياة (إمام الوحدة والإصلاح،أمير الجهاد والبيان،رجل العلم الأول،رائد الفكر القومي،شيخ الموسيقى العربية،زعيم الشباب،القبس المضيء،فيلسوف القومية العربية،شجرة الشوق والمعرفة،شيخ المثقفين السوريين وسواها من الألقاب التي لا تفعل شيئاً إلا دفعنا للتساؤل :أليس اسم بيتهوفن أكبر من أي لقب يمكن أن يطلق عليه أو أن يقدم به ...

ثانياً: وضعت على غلاف الموسوعة أو العمل الروائي أسماء واحد وثلاثين شخصية كبيرة أثرت الحياة الثقافية قي سوريا وأغنتها ، فكان تساؤلي عن باقي الشخصيات المئة التي فعلت فعلها في الوعي السوري، فعلى أي قرار للفرز تم اختيار هذه الأسماء لتكون على غلاف الكتاب بأجزائه الثلاثة؟..وهل لعامل الترويج والتسويق يد طولى باختيار الأسماء؟ ثم ما مبرر وجود بعض الأسماء على الغلاف إذا كان العمل بكليته هو رصد لحياة مئة شخصية سورية..وهل تاج الدين الحسيني وفوزي القاوقجي وعمر أبو ريشة وفخري البارودي وزكي الأرسوزي وعز الدين القسام ونديم محمد أقل قيمة ونجومية من عبد الحميد السراج الذي وضع اسمه على الغلاف ...وهل يمكننا أن نقتنع بأن عبد الحميد السراج أسهم في تشكيل وعي السوريين في القرن العشرين؟ وإذا كان الأستاذ نبيل يعتقد أن ضباط المخابرات يمكن أن يساهموا في خلق فلسفة الرفض والثورة على الاستبداد ، فلا يمكن قبول هذه الفرضية إلا من خلال منطق الدلالة لأن السراج وسواه ممن شابههوه، ساهموا في خلق ثقافة نمت في السراديب،فحواها التحريض على فعل مقاومة السلطة المرضية ، لكن هذا لا يمكن إدراجه في باب المساهمة في تشكيل حالة وعي وإلا فلنوجه الدعوة إلى كل الطغاة في العالم كي يمروا على سوريا من أجل إضافة وعي جديد على ما ساهم في صناعته السراج أفندي

كل ما تقدم أعتبره ملاحظات تخص الشكل كفعل أولي لممارسة القراءة ...وسيكون لي حديث أكثر غوصاً في التفصيلات عند الانتهاء من قراءة هذا العمل الذي أتمنى أن يكون مرجعاً حقيقياً مع أنني أجد الأمنية بعيدة المنال قليلاً .

سامر رضوان

زمان الوصل

اقرأ أيضاً:

الوطن السورية: «رواية اسمها سورية» انعاش للذاكرة الوطنية

الراية القطرية: «رواية اسمها سورية» استقراء لتاريخ سورية الحديث

الثورة : "رواية اسمها سورية" تقدم ذاكرة السوريين بلغة الأدب


 

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...