في أصل خراب الشرق الأوسط وعذاب قاطنيه

29-11-2006

في أصل خراب الشرق الأوسط وعذاب قاطنيه

ما ميز ولا يزال يميز الشرق الأوسط في نظام العلاقات الدولية مجموعة من السمات الخاصة حكمت عليه بالتحول إلى بؤرة توتر مستمرة وحرمته من عوامل أساسية للتقدم على طريق التنمية الإنسانية الاقتصادية والاجتماعية، وأدانت شعوبه بالبقاء في أسر النظم المافيوزية ولا تزال تدفع ببلدانه نحو العزلة والهامشية والانحلال.

الأولى التدويل الناجم عن ارتفاع حجم الرهانات الدولية التي تنطوي عليها، سواء ما تعلق بموقعها الجيوستراتيجي كعقدة مواصلات بين القارات والتكتلات الكبرى الدولية، أو كأكبر مصدر للطاقة النفطية وأعظم خزان لها، أو بوصفها البقعة التي وقع عليها الاختيار لتكون مسرحا لحل دراما المسألة اليهودية، التي ارتبطت في أوروبا والمجتمعات الغربية عموما بالعداء للسامية على مدى قرون عديدة متتالية، ووجدت أقصى تعبيراتها في كارثة المحرقة والمذابح الجماعية لليهود الغربيين الذين قضوا بالملايين في القرن العشرين على يد قوى النازية والفاشية الأوروبية.
ولم تنفرج هذه الأزمة إلا بإعلان فلسطين دولة إسرائيلية وصبّ الأوروبيين دعمهم المطلق لهذه الدولة، ومساعدتها على تحقيق سياساتها بصرف النظر عن نتائج ذلك على سكان البلاد الأصليين ومصيرهم.

أعطت هذه العوامل وعوامل أخرى غيرها أقل أهمية، لمنطقة الشرق الأوسط، والمشرق العربي الذي يشكل قلبها بشكل خاص، أهمية إستراتيجية استثنائية ومستمرة منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم.

فالمسألة الشرقية التي شغلت دبلوماسية القرن التاسع عشر الأوروبية تعود اليوم من جديد على شكل مسألة إسلامية وعربية. وهي المسألة التي تكاد تحتل الجزء الأكبر من اهتمام الدبلوماسية الدولية وتشكل مصدر التوتر الأول في نظام العلاقات الدولية للحقبة الراهنة.

والسمة الثانية هي تباين المصالح والمواقف الدولية تجاه هذه الرهانات، ونزاعها الطويل والمستمر فيما بينها على تأمين مواقعها أو تطبيق ما تعتبره حلولا تنسجم مع مصالح كل منها تجاه المشاكل التي يطرحها الأمن والاستقرار والسلام في الشرق الأوسط.

وهو ما جعل من المنطقة مسرحا للصراع والتنافس بين الدول الكبرى، وحولها إلى حد كبير إلى مناطق نفوذ تتقاسمها هذه الدول حسب قوتها ومبادرتها.

وقد عمل ذلك كله على تدويل عملي للمنطقة، وعلى وضعها بشكل ضمني تحت الوصاية الغربية التي لم تكف في سبيل الدفاع عنها عن وضع الخطط والإستراتيجيات الدفاعية التي تضمن إغلاقها في وجه المنافسين والخصوم.

وكما عمل هذا السياق الدولي على تقليص سيادة الدول الشرق أوسطية، وفرض عليها نوعا من نظام التبعية البنيوي الذي يستحيل التحرر منه، جعل من الحرب ضد القوى المحلية التي تنزع إلى السيادة والاستقلال سياسة رسمية دائمة للكتلة الغربية التي تمثل الطرف الدولي الرئيسي المسيطرة على المنطقة منذ قرنين على الأقل.

وما كان لهذا الوضع إلا أن يضعف صدقية الدول المحلية، ويسيء إلى شرعية النخب الوطنية، ويُضيّق من هامش مبادرتها على صعيد السياسة الدولية، وتجاه الرأي العام المحلي نفسه الذي أصبح ينظر إليها على أنها أدوات في يد السيطرة الأجنبية.

وهكذا، لم يعد من الممكن الفصل بين الصراع الدولي على المنطقة والصراع السياسي داخل المنطقة، وكل بلد فيها، على السلطة والاختيارات الأيديولوجية وما تمثله من نظم وأنماط حكم وإدارة.

فأكثر مما هو الحال في أي منطقة أخرى، تتحكم العوامل الخارجية هنا في رسم حدود مسرح السياسة الداخلية وعواملها وفرصها وآفاقها التاريخية.

والقانون السائد بشكل عام هو أنه لا توجد ضمانة للوصول إلى السلطة، أو للنجاح في الحكم، لأي قوة داخلية لا تكون مدعومة بشكل فعال وناجع من قبل الكتلة الغربية أو بعض دولها المؤثرة.

لا يعني ذلك بالطبع أنه من غير الممكن لقوى غير ممالئة للغرب أن تصل إلى السلطة، ولكنه يعنى أن وصولها إلى السلطة لا يجلب الاستقرار وإنما يفتح عليها في الوقت نفسه معارك داخلية وخارجية لا تستطيع مواجهتها إلا بتطوير إستراتيجيات كبرى ذات طابع دولي أيضا.

كما حصل مع التجربة الناصرية التي احتمت بحركة عدم الانحياز وكانت وراء تكوينها، كما حاولت الدفاع عن نفسها واستقلال قرارها بتطوير إستراتيجية هجومية في المنطقة العربية تحت اسم القومية العربية التي سعت من خلالها إلى تعبئة الرأي العام العربي ضد مواقع النفوذ والسيطرة الغربية، وجعلت من تصفية الاستعمار وذيوله نواة سياستها الوطنية والاجتماعية.

ومع ذلك لم تنجح في وضع حد لنظام الوصاية الغربية واستنزفت قواها في الحروب والمواجهات الإقليمية، قبل أن تُقوّض أسسها الهزيمة الكبرى أمام إسرائيل في يونيو/ حزيران 1967.

وكما عمل وجود موضوعات رهان كبرى ذات أبعاد عالمية على تدعيم التدخلات الأجنبية في المنطقة وجذبها، أدى الخلاف بين المصالح والتوجهات الخاصة بالدول الكبرى المتدخلة وصاحبة النفوذ إلى تعريض المنطقة بشكل مديد إلى منطق الحرب الباردة الدائمة.

تلك التي قسّمت المنطقة لعقود طويلة بين الغرب والاتحاد السوفياتي، خلال الحرب الباردة الكلاسيكية المعروفة، وتلك التي عبرت عن التنافس الأوروبي الأميركي بعد زوال الحرب الباردة، ثم تلك التي تتجلى اليوم في الصراع على السيطرة على الشرق الأوسط بين الكتلة الغربية والآسيوية، التي لا تزال تعمل من وراء إيران وتعزيز المحور الإيراني السوري اللبناني.

هكذا لم تخرج المنطقة عن منطق الحرب الباردة بالرغم من انتهاء هذه الحرب ولا يزال أمامها فرص كبيرة للغرق المديد فيها. وهو ما يُعلّق مصير المنطقة ودولها وشعوبها وسياساتها على النزاعات الدولية، ويحدّ من قدرة الشعوب على تقرير مصيرها، كما يقدم للقوى الحاكمة فرص اللعب على النزاعات الدولية للهرب من التزاماتها تجاه شعوبها، وتوفير وسائل حماية وجودها والوقوف في وجه أي معارضة تقف في طريق استمرارها. وكما أنه لا ديمقراطية ممكنة من دون إرادة شعبية حرة، لا توجد إرادة شعبية حرة من دون سيادة وطنية.

والسمة الثالثة انتشار القوميات المحبطة ونزاعاتها الدورية والمستمرة. هكذا تتميز منطقة الشرق الأوسط، أكثر من أي منطقة أخرى في العالم، بسبب التركيب الاستعماري لخريطة توزيع الدول فيها، وحرمان البعض منها وإعطاء أكثر من دولة لشعب آخر، وهو إحدى نتائج وضعها الدولي المذكور نفسه، بأنها منطقة القوميات أو الحركات القومية المحبطة، والوطنيات غير القادرة على تحقيق ذاتها وإنجاز أهدافها واكتمال هويتها.

وبالتالي فهي منطقة القوميات والوطنيات الناقمة أيضا بسبب ما تعانيه من إخفاق وحصار وانعدام آفاق. ومن هذه القوميات وأهمها القومية العربية، لكن أيضا الكردية والفارسية وغيرهما من القوميات الصغرى المهمشة أو المغدورة أو المقموعة.

وتشكل هذه القوميات المحبطة براكين مشتعلة، على استعداد دائم للتنازع فيما بينها، والنزاع مع الكتلة الغربية المسؤولة عن إحباطها، ومع النظام الدولي الذي يعكس إخفاقها ويكرّسه.

في هذا السياق يظل الدفاع عن الهوية والنزاع من أجل تأكيدها محور أجندة الحركات السياسية الشعبية، في الوقت الذي يؤدي فيه فشل المشاريع القومية وإخفاقها إلى تنامي روح العصبية الطائفية والقبلية والمذهبية داخل صفوف الكتلة الشعبية، فاتحا بذلك مسرحا إضافيا للنزاعات الإثنية داخل المجتمعات المنتمية للقومية ذاتها.

وبقدر ما تفترض الديمقراطية الاستقرار والتحول نحو أجندة تنمية سياسية واجتماعية، تصبّ عنايتها أساسا على الفرد المواطن وتعزز موقعه ومكانته في المجتمع والدولة، يدفع منطق النزاع السائد بمختلف أنماطه إلى التضحية بالفرد وبفرص التنمية وتحسين شروط الحياة والمعيشة العامة للسكان، لصالح تأكيد الهوية والاستقلال والسيادة المهددة أو المقيدة أو المفرغة من مضمونها.

وهو ما يعني أن فرص نمو قوى ديمقراطية قوية تظل ضئيلة جدا في مثل هذا الوضع. وهو ما تشير إليه الوقائع بالفعل في كل بلدان المنطقة.
ويقدم النزاع العربي الإسرائيلي والحروب المستمرة التي فجّرها، وهو النزاع الذي لا يزال مستمرا منذ قرن من دون انقطاع، النموذج الساطع عن تأثير مناخ الصراع القومي والأقوامي على مصير القوى الديمقراطية، وعلى الديمقراطية بشكل عام في المنطقة الشرق أوسطية.

وأكثر فأكثر يجُرّ النزاع العربي الإسرائيلي إلى تعبئة المشاعر والعصبيات الدينية والقومية، ويدفع إلى تحويل المقاومة الخارجية والتركيز على العدوان الأجنبي إلى الأجندة الوحيدة السائدة في السياسة العربية، ويُهمّش جميع القوى التي تعمل على توجيه الرأي العام نحو مطالب تتعلق بتحسين شروط ممارسة السلطة وشروط الحياة والعيش داخل المجتمعات.

وليس هذا من الأمور المستغربة أو الغريبة. فعندما تتعرض المجتمعات إلى عدوان خارجي دائم، يتقدم الدفاع عن المصير العام على أي دفاع آخر عن مصالح الأفراد والجماعات.

وتستطيع النظم الاستبدادية التي تتحكم بوسائل الدعاية والإعلام أن تُعمّق من هذا الاتجاه، وأن تستفيد منه لحرف الأنظار عن ممارساتها الشائنة.

وهو ما يفسر إلى حد كبير نجاحها في عزل القوى الديمقراطية بالفعل في السنوات الماضية باسم الدفاع عن المصالح القومية ومقاومة الاستعمار والصهيونية، وحماية تراث الإسلام وصون كرامته أمام الاعتداءات والاستفزازات الغربية.

والسمة الرابعة مركزية الدولة وضمور المجتمع المدني في تنظيم الشؤون العمومية. وترجع قوة الدولة والمكانة المركزية التي تحتلها في المجتمعات الشرق أوسطية، وقدرتها على ضبط المجتمعات واحتواء حركتها واستيعابها، إلى عاملين رئيسيين.

قوة التحالفات التي تجمع النخب الحاكمة عموما مع المنظومة الدولية الغربية، والمصالح التي تربط بينهما في جميع المجالات الإستراتيجية والمالية معا.

أما السبب الثاني فهو حيازتها على عوائد ريعية استثنائية بكل معنى الكلمة واستخدامها لهذه العوائد، مستفيدة من تفاهمها مع الغرب، لبناء نظم مستقلة كليا عن المجتمعات، وقادرة على البقاء من دونها، وفي مواجهتها معا.

وهذه الاستقلالية التي نجحت هذه النظم في بنائها هي التي قوّت من رصيدها في نظر الدول الغربية، وزادتها مراهنة عليها كوكيلة لمصالحها وشريكة محلية لها في حفظ الأمن والنظام الإقليميين.

فبفضلها ضمنت هذه الدول نظما محلية تستطيع أن تستوعب حركة شعوب ومجتمعات يُنظر إليها على أنها مصدر للنزاعات القومية والدينية المتطرفة، وبالتالي لحركات مناوئة للغرب ومعادية لمصالحه.

وجاءت ولادة حركات الإرهاب الإسلامية في العقدين الأخيرين، واختيار بعضها الساحة الدولية، والغربية خاصة، مسرحا لعملياتها الانتقامية، لتعزز من خوف التحالف الصناعي الغربي وتزيد تعلقه بنظم برهنت على قدرتها على إخضاع الكتلة الشعبية بصرف النظر عن المعايير التي تستخدمها في إخماد حركات النقد والمعارضة والاحتجاج الداخلية، وغياب أي شكل من الحياة السياسية وأحيانا القانونية فيها.

وكانت النتيجة الطبيعية والمباشرة لهذا التفاهم بين النخب الحاكمة المحلية والتحالف الغربي في الشرق الأوسط التحييد السياسي الكامل للشعوب، وشلّ إرادتها بالفعل، وتفتيت قواها السياسية والمدنية، وإقامة نظم متكلسة ومنغلقة على نفسها، ليس لها أي تواصل مع شعوبها، ولا تعرف طريقة أخرى لكسب تأييد هذه الشعوب ولا التعامل معها سوى استخدام وسائل القمع والقهر السافر والمقصود لذاته من أجل إعطاء العبرة والمثال.

ولذلك ارتبطت صورة هذه النظم كما لم يحصل في أي نظم أخرى بتعدد قوى الأمن وتنوع أجهزته، واتساع دائرة ممارساته اللاقانونية، وشمول صلاحياته كل الشؤون العمومية.

فصار الأمن هو البديل الحقيقي للسياسة. وأصبح العمل السياسي المعارض عملا فدائيا بالمعنى الحقيقي للكلمة يُعرّض فيه صاحبه نفسه لكل المخاطر، من الصرف من الوظيفة إلى الاعتقال التعسفي إلى التعذيب إلى السجن المديد إلى القتل.

وطالما شعرت النخب الحاكمة أنها تحظى برضا الغرب وتأييده، وأنها تتمتع بالموارد المادية والمالية الضرورية لتسيير أجهزتها، لم يعد هناك ما يدفعها للنظر في قضايا الشعوب، ولا التساؤل عن مصيرها، ومن باب أولى التوقف عند حقوقها ومصالحها.

وهكذا حوّلت هذه النخب الدولة إلى مزرعة، وجعلت من قوى الجيش والأمن مليشيات خاصة تستخدمها لفرض الإذعان على مجتمع من الأقنان، واستعملت الإرهاب لردع قوى المقاومة الضيئلة التي لا تزال تتجرّأ على الوقوف في وجه الاستبداد وتوجيه النقد إلى سياساته.

من المستحيل في ظل هذا النظام الذي يلغي السياسة من الأصل، ولا يعترف بحقوق ولا واجبات، ويكرس "ألوهية" الحاكم وعصمته، كما يُكرّس توارث مناصب المسؤولية في كل المؤسسات، أن تقوم مجتمعات مدنية، أي أيضا سياسية، بالمعنى الحقيقي للكلمة.

وكل ما نعرفه من المنظمات والهياكل المدنية يتوزع بين مجموعتين، فئة المنظمات السياسية والحقوقية القائمة على جهود نخب المثقفين النشيطين المناضلين والمغامرين بمصالحهم وأحيانا أرواحهم أيضا، والمستندة في وجودها وتمويلها إلى المجتمع المدني العالمي، وفئة الجمعيات الخيرية التي تعمل تحت السقف المنخفض جدا للأمن والسياسة الرسميين، ولا تستطيع أن تستمر وتعيش إلا بقدر ما تخضع لقاعدة الالتزام بمصالح جزئية، وتجنب الحديث أو العمل في كل ما له علاقة، من قريب أو بعيد، بالشأن العام وبالقضايا المتعلقة ببناء المجتمعات المدنية.

الدول تحولت إلى أجهزة ضبط وحصار وقمع، أي إلى أدوات للسيطرة المادية المباشرة والفورية، ولم تعد تتمتع بأي قيمة أو بُعد أو محتوى سياسي أو أخلاقي أو اجتماعي.

برهان غليون

المصدر: الجزيرة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...