الشرق الأوسط وإشكالية تنمية الثقافة السياسية

26-12-2009

الشرق الأوسط وإشكالية تنمية الثقافة السياسية

الجمل: تعتبر منطقة الشرق الأوسط الأكثر ثراء في العالم لجهة التفاعلات السياسية, ولكنها برغم ذلك, فهي من بين الأكثر فقرا في العالم لجهة الثقافة السياسية, وتبدو هذه الإشكالية واضحة من خلال ضعف الإدراك السياسي الذي ظل ومازال ملازما للنخب السياسية الشرق أوسطية.
مقاربة الثقافة السياسية: المفهوم والدلالة
تمثل الثقافة السياسية ظاهرة فكرية تتلازم مع وجود المجتمعات السياسية, ولما كانت المجتمعات السياسية المنتشرة في العالم لا تعيش بشكل متماثل, فإن الثقافة السياسية لابد أن تكون غير متماثلة, وبالتالي, فإن معالجة الثقافة السياسية للمواقف والقضايا في كل مجتمع سياسي لابد أن تختلف في وجه ومن الوجوه عن معالجات الثقافات السياسية الأخرى لها, وإن كانت تتشابه في جانب أو آخر.
سعى خبراء علم الاجتماع السياسي والثقافة السياسية إلى مقاربة مصطلح "ثقافة سياسية" عن طريق وضع التعريفات المحددة له, ومن أبرز هذه المقاربات تشير إلى الاتجاهات الآتية في تعريف الثقافة السياسية:
• تعتبر الثقافة السياسية هي منظومة المعتقدات التي تم تجريبها, والرموز والقيم التي تجد الاعتبار والاهتمام, بحيث يتم من خلال منظومة المعتقدات, والرموز والقيم, التعرف على الأوضاع السياسية, والأحداث السياسية الجارية.
• تمثل الثقافة السياسية عملية توزيع معين للاتجاهات والقيم والأحاسيس والمعلومات والمهارات السياسية, ومثلما تؤثر اتجاهات ثقافة الشخص على سلوكه وما يقوم به, فإن اتجاهات الثقافة السياسية للدولة تؤثر على سلوك الدولة وما تقوم به من أعمال, وأيضا على مسئوليها وموظفيها, وما يقومون به من أعمال.
• تمثل الثقافة السياسية جزءا من ثقافة المجتمع التي تتكون من القيم والمعتقدات وطبيعة الإدراك العام السائد إزاء الحكومة وما تقوم به من أعمال, وإضافة لذلك فإن الثقافة السياسية تنتقل من جيل إلى جيل من خلال عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية, وذلك بما يجعل من الثقافة السياسية أحد العوامل المكونة لسيكولوجية الفرد والجماعة.
على خلفية هذه الاتجاهات, يوجد عدد لا حصر له من التعريفات الأكاديمية والمدرسية التي سعت إلى مقاربة مصطلح "ثقافة سياسية" وحتى الآن, لم ينجح خبراء السياسية وعلم الاجتماع السياسي في وضع تعريف واحد متفق عليه لهذا المصطلح.
تصنيف أنواع الثقافة السياسية:
تختلف الثقافة السياسية باختلاف المجتمعات السياسية, وإضافة لذلك, فحتى في المجتمع السياسي الواحد, لا توجد ثقافة سياسية واحدة متفق عليها, وذلك, لأن كل طائفة, وكل مذهبية, وكل جماعة أثنية, وكل حزب, وما شابه ذلك, تكون له ثقافته السياسية الخاصة به, والتي بالضرورة تميزه عن الآخرين, ولكن, برغم ذلك يمكن الإشارة إلى التصنيف الآتي لأنواع الثقافة السياسية:
• الثقافة السياسية الفردية: تتمثل في التوجهات الثقافية السياسية التي تتعلق بتفضيلات واهتمامات الفرد الشخصية إزاء الأوضاع والوقائع السياسية.
• الثقافة السياسية الأخلاقية: تتمثل في التوجهات الثقافية السياسية التي تنظر إلى الدولة باعتبارها وسيلة لتحقيق القيم الأخلاقية مثل العدالة, والمساواة, وما شابه ذلك, ومن أبرز ما تتضمنه هذه الثقافة يتمثل في تعظيم منافع تدخل الدولة في الاقتصاد والحياة العامة لحماية القيم الأخلاقية.
• الثقافة السياسية النخبوية: تتمثل في توجهات الثقافة السياسية ذات الطابع الأبوي و"البطرياركي", وترى هذه الثقافة بمبدأ قيام النخبة باستخدام الدولة كأداة للضغط الاجتماعي, بحيث تقوم الأقلية النخبوية بالسيطرة على مراكز النفوذ, واستخدامها لجهة توجيه الدول والمجتمع طالما أن أغلبية السكان لا يولون اهتماما بموضوع السياسية.
• الثقافة السياسية الهامشية: وتتمثل في ثقافة عدم الاهتمام واللامبالاة إزاء الدولة والنظام السياسي, وعلى أساس الثقافة السياسية الهامشية, فإنه يغلب على الأفراد والجماعات طابع النظر للنظام السياسي باعتباره ظاهرة عرضية لا أهمية لها, وبالتالي, لا يولي الناس اهتماما للقرارات والظواهر والتطورات السياسية التي تحدث, مهما كانت بالغة الأهمية لمستقبل حياتهم.
• الثقافة السياسية الخضوعية: تقوم الثقافة السياسية الخضوعية على أساس اعتبارات مبدأ القسر والإرغام, بحيث يكون حضور الدولة والحكومة في الثقافية السياسية السائدة قويا, وبالمقابل يتعامل المجتمع بقبول مع توجهات الدولة والحكومة, وإن كان كارها وغير راغبا في ذلك.
• الثقافة السياسية التشاركية: تتضمن الثقافة السياسية التي يقوم فيها الأفراد والجماعات بدور فاعل, لجهة التأثير على عملية صنع واتخاذ القرار, بما يتيح الانفتاح المتبادل بين المجتمع ومراكز القرار لجهة التصدي لمعالجة القضايا والمشكلات.
• الثقافة السياسية التصارعية: وهي الثقافة السياسية التي تتضمن قدرا كبيرا من الخلافات الحادة بين المواطنين والحكومة, وبين المواطنين نفسهم, وبين الزعماء الحكوميين نفسهم أيضا, وتجدر الإشارة إلى أن حالة الانقسام والخلاف قد تفاقم بما يتجاوز مستوى الخلاف حول معالجة القضايا والمشاكل ويصل إلى عدم التوافق حول الشرعية وطبيعة الدولة نفسها.
إسقاط أنواع وتصنيفات الثقافة السياسية على منطقة الشرق الأوسط, يكشف لنا عن وجود خليط ثقافي سياسي, غير منسجم, يضم جميع هذه المكونات, وعلى سبيل المثال لا الحصر, فمن المعروف أن التعرض للمخاطر والمهددات يساعد بقدر كبير في توحيد وانسجام مكونات الثقافة السياسية, ويعتبر المجتمع الفلسطيني النموذج الأكثر ملائمة لتحقق وحدة وانسجام الثقافة السياسية, ولكن, وبرغم ذلك, فإن الساحة السياسية الفلسطينية أصبحت تضم قدرا متزايدا من الثقافات السياسية المتنافرة وغير المنسجمة, مما أوصل الأطراف الفلسطينية إلى قتال بعضهم البعض, والدخول في المعارك البينية, تاركين إسرائيل تقف موقف العدو المتفرج الذي ينتظر اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة ضد الطرف الفلسطيني الذي يقترب من تحقيق الغلبة, بما يؤدي إلى إضعافه, وإغراء خصومه, بالمضي قدما في الصراع ضده.
الشرق الأوسط وإشكالية تنمية الثقافة السياسية:
ترتبط عملية تنمية الثقافة السياسية بعملية التنمية السياسية, وبكلمات أخرى, مثلما تؤدي التنمية الاقتصادية إلى تنمية الثقافة الاقتصادية, فإن السيناريو ينطبق أيضا على مجال السياسة, وبالتالي, عندما نؤسس على هذه القاعدة, فإنه يتضح لنا بأن السياق الأمثل لتنمية الثقافة السياسية هو التأكيد على التنمية السياسية وفقا للخطوط الآتية:
• مستوى الهياكل المؤسسية السياسية: ويتضمن إنشاء وتحديث المؤسسات المعنية بالشأن السياسي, وعلى وجه الخصوص الاهتمام بتوسيع وتعزيز استخدامات التقنيات المتطورة, وإقامة مراكز الدراسات, والبحوث, والكليات الجامعية, وما شابه ذلك من المنشآت المعنية بالشأن السياسي.
• مستوى الوعي القيمي السياسي: اعتماد أدب الخطاب السياسي الذي يقوم على المبادئ التحليلية والمنطقية, وذلك باعتبار أن الثقافة السياسية التي لا تقوم على التحليل والمنطق, تكون علاقة منفصمة مع الواقع, وبالتالي, فإن كل النتائج التي تتوصل إليها تكون نتائج خيالية وغير قابلة للتحقيق على أرض الواقع.
• مستوى التفاعلات السياسية: ويتضمن الانفتاح المعرفي والأبوستمولوجي إزاء مفاهيم العلم السياسي, وذلك لأن التفاعلات السياسية لا تتمثل فقط في مجرد العلاقة بين النخب السياسية والجماعات, وإنما داخل هذه النخب والجماعات نفسها, وعلى سبيل المثال لا الحصر, تكون التفاعلات السياسية أكثر رشدا ونضجا, في حالة إلمام الأطراف المتفاعلة, بالمعرفة والإدراك السياسي السليم.
تبدو إشكالية ضعف الثقافة السياسية في منطقة الشرق الأوسط واضحة من خلال ضعف إدراكات وتوجهات الرأي العام في البلدان الشرق أوسطية, فقد اندلعت الكثير من المظاهرات والثورات وحركات الاحتجاج الشعبي, والتي تبين لاحقا, أنها كانت تستند على أكاذيب وتلفيقات تم إعدادها بواسطة بعض عناصر النخب السياسية المرتبطة بالقوى الإقليمية والدولية المعادية لمنطقة الشرق الأوسط, وكم من زعيم شرق أوسطي تمادى في الرهانات الخاطئة إزاء الآخرين, وعندما خسر رهانه, جاء معتذرا يطلب الصفح والغفران, فقد سعى الكثيرون لإرضاء إسرائيل وأميركا, ولكنهم خسروا في نهاية المطاف, وهي خسارة ما كانت لتحدث لولا ضعف ثقافتهم السياسية, وثقافة الجماهير التي هللت لهم.

 


الجمل: قسم الدراسات والترجم

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...