أهالي اسكندرون: 77 عاماً من النزوح داخل سوريا

04-04-2015

أهالي اسكندرون: 77 عاماً من النزوح داخل سوريا

«أصل عائلتي لأبي من لواء اسكندرون. غادره جدّي مصطحباً جدّتي نازحاً إلى طرابلس بعدما ادّعت فرنسا أنها لا تملك الحق في تسليم هذا الإقليم إلى سوريا. ومن طرابلس، انتقلا إلى العديد من المحافظات السوريّة من ريف إدلب وغيره، قبل أن يستقرا في حلب. والداي ولدا في حلب ونشآ فيها. وفي العام 1987 أنجباني لكي أعيش واقعاً يفرض عليّ أن أكون في نظر المجتمع الحلبي مجرد نازحةٍ من اللواء، وأعامل كغريبةٍ في أرضي، قبل أن ننزح إلى اللاذقية أواخر في العام 2011 م بفعل الأزمة السوريّة، لأُعامل كحلبيّةٍ نازحةٍ إلى السّاحل!».
هكذا تروي مايا، التي تجيد الرسم، وهي تخطّ على ورقةٍ بيضاء بقلمها الرصاص أشكالاً لم تتوضح معالمها، رحلة نزوح العائلة من «اللواء السليب»، مكملةً: «طوال كل هذه السنوات كنّا نبحث عن هويّتنا الضائعة ضمن التّضاريس السورية».
كثيرة هي الإحصاءات التي أجريت حول أهل لواء الاسكندرون منذ العام 1938، وعدد العائلات النازحة وأماكن نزوحها. يومها خُيّرت العائلات بين البقاء والنزوح، فذهب البعض إلى المحافظات القريبة كحلب واللاذقية وغيرهما، فيما البعض الآخر ذهب ليقطن قرب أقربائه، وفي حين اختار الآخرون الهجرة الى خارج البلاد، ولا يزال يربطهم بقرى اللواء التي نزحوا منها حنينٌ مشابهٌ لحنينِ أيّ سوريّ لمسقط رأسه.
يطلّ لواء اسكندرون على البحر المتوسط، وهو يمدّ يداً على سهول حلب، واخرى إلى الشمال ليصافح سهول كيليكيا وجبال طوروس، وأخرى ليصافح اللاذقية وجبل الأقرع. وفي اسكندرون أربعة جبال (الأمانوس، الأقرع، موسى والنفاخ)، ينبسط بينها سهل واسع أخضر هو سهل العمق، كما تجري فيه أنهار غزيرة عذبة المياه: نهر العاصي الذي يمر بمدينة أنطاكية ثم يمضي إلى خليج السويدة ليصب ماؤه في البحر، ونهر الأسود الذي ينطلق من كيليكيا إلى بحيرات سهل العمق، ونهر عفرين الذي تجري مياهه من حلب الى بحيرات سهل العمق أيضاً، بالإضافة إلى بعض الأنهار الصغيرة الصافية، فيما تبلغ مساحته 4800 كيلومتر مربع.
ويقول يونس صالح، اللوائي الأصل، «بين كلّ المحافظات التي زُرتها، والسوريين الذين عشت وتعاملت معهم، لاحظت أنّ اللوائيين يتمتعون بحسّ القوميّة المرتفع مقارنةً بالسوريين بشكل عام. لا أقول هذا فقط لأنني لوائي بل لأنّ الناس صارت تبحث عن مصالحها في الدرجة الأولى، ولم يعد الانتماء الهاجس الأكبر الذي يسيّرنا كسوريين ويسيّر مصالحنا».
ويضيف «اللواء جنّةٌ من جنّات الأرض، وبالرغم من خروجي وعائلتي منه إلاّ أنّ لنا أقارباً ظلّوا في قراهم. في الثمانينيات كنت أزور اللواء بشكل شبه يوميّ، أسافر إليه صباحاً وأعود في المساء، وآخر زيارة لي كانت في العام 1994».
ويتابع «أقاربي لا يزالون هناك حتى اليوم، وعندما تهدأ الأزمة الحالية سآخذ أولادي وحفيدي إليه».
وتعود إشكالية اسكندرون وسلخه من سوريا إلى العام 1936، وقد تمّ بشكلٍ نهائيٍّ ضمّه إلى تركيا في العام 1939، قبل أشهرٍ قليلةٍ من قيام الحرب العالمية الثانية. وعندما أصبحت سوريا دولةً مستقلةً في العام 1946، ادّعت فرنسا، دولة الانتداب، أنّها لا تملك الحق في تسليم هذا الإقليم إلى سوريا. وبدورها رَفضت سوريا قبولَ القرار الذي اتفقت عليه كلّ من فرنسا وتركيا من دون موافقة من السوريين الذين خيّروا بين أن يبقوا أو يتركوا بيوتهم وينزحوا. وقد خلّف هذا الموقف تأثيراً سلبياً على العلاقات بين سوريا وتركيا لبضعِ سنواتٍ، كما عَمدت سوريا إلى وَضع المنطقة ضمن الخرائط التي تبيّن حدودها خلال الاعوام الماضية.
وبالرغم من مرور نحو 80 عاماً على سلخ اللواء، إلا أنّ حراكاً شعبياً يبدو أنه قد عاد إلى الأجواء السورية، وقد مهّدت له الحرب الدائرة منذ أربعة أعوام، وموقف تركيا المعادي لسوريا، حيث تم تشكيل ما يعرف باسم «الجبهة الشعبية لتحرير لواء اسكندرون»، التي حملت اسم «المقاومة السورية».
ويقول الأمين العام لـ «الجبهة» علي كيالي ان «اللواء جزءٌ لا يتجزأ من الوطن مهما كانت الظروف الاجتماعية والاتجاهات الفكرية والقرارات السياسية من الحكومة السوريّة تجاه اللوائيين أو من قبل الحكومة التركية، فهو يضم عائلات كبرى لها أقرباؤها وارتباطاتها في المحافظات السورية الحدودية وغير الحدودية، ومهما كانت قرارات الدولة محليا تجاه الأمور المتعلقة بالدراسة أو بالإقامة أو الزواج أو الطلاق، فلن يتغير موقف اللوائيين من وطنهم وهذا الأمر واضح من خلال التضحيات والشهداء خلال الأزمات والحروب السابقة وحتى اليوم».
وفي حين يشدد كيالي على أن «الأتراك حكموا اللواء بالحديد والنار ومنعوا اللغة والثقافة السوريتين»، يوضح أنه «برغم فرض الاتراك لغتهم وثقافتهم الهجينة على التعليم ودوائر الدولة، فقد صمدنا وكان ارتباطنا بوطننا ولغتنا أقوى من أساليبهم القمعية، فأطفالنا يتكلمون أثناء لعبهم اللهجة السورية العامية التي لا نتكلم بسواها معهم.
وعن الفعاليات الثقافية، يقول كيالي انها «كانت مقتصرةً على عدد من طلاب الجامعات وفئةٍ صغيرةٍ من المثقفين وبعض الحركات الثقافيّة الثوريّة التي ظهرت منذ العام 1975 وناضلت للاستمرار. وخلال الفترة الماضية بدأنا بالفعاليات المرئيّة والمكتوبة والمسموعة من رياضة إلى مسرح وشعر وغيرها ضمن استطاعتنا».
لا يخفي كيالي الذي ينتمي الى عائلة ذات باعٍ في السياسية ـ فأبوه هو ذكي القاسم من مؤسسي «حركة العروبة» الذي يقود مجموعة تقاتل في جبال اللاذقية القريبة من اللواء إلى جانب الجيش السوري ـ انتقاده للحكومة السورية، ويقول «خطأ وتقصير كبيران ارتكبا بحق أبناء اللواء، فمثلاً كما قدموا برامج تعليمية لأبناء الجولان، كان من المفترض أن يوجه أيضاً برنامج تعليمي لأبناء اللواء»، معتبراً ان «الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها الحكومة السورية تمثلت بفتح أبواب الصداقة والتجارة مع تركيا، متناسيةً أنّ أيَّ تطور في ساحة الوطن ينعكس أضعافاً مضاعفةً على أبناء اللواء».
مع مرور السنين دَخلت قضيّة اللواء طيّ النسيان بسبب تَناسي الحكومة السوريّة له من جهة، والعلاقات الاقتصادية والسياسية الجيدة مع الحكومة التركية (قبل بدء الصراع الحالي) من جهة أخرى.
لكنّ موقف تركيا الأخير من الأحداث، وقيامها بدعم الفصائل المسلّحة وفتح حدودها أمام المسلّحين، أعادت للشّارع السوريّ ذاكرتهُ المريرة مع تركيا خصوصاً وأنّ لواء اسكندرون كان سيشكّل نقطةَ ارتكازٍ هامة في الدّفاع عن سوريا لو كان تابعاً لها، كما فتحَ المجال أمام أصوات السوريين المناهضين لتركيا والذين صمتوا لفترة من الزمن وعادت اليوم أصواتهم تنادي بسوريّة اللواء، وقد استطاعوا عبر الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي أن ينشروا صور خريطة سوريا متضمنةً اللواء ويثيروه كقضيةٍ حساسةٍ ضمن أوساط السوريين أينما كانوا ليعود محطاً للأنظار كأي أرضٍ سوريةٍ سليبةٍ.
تتابع مايا تركيزها في الورقة التي بين يديها، وتقول «حتى لو بقينا في أية محافظةٍ سوريّةٍ سنعود إلى اللواء، وسيكون ملكاً لنا ولكلّ سوريٍّ، نزوره ونقطن فيه إن شئنا... عندها فقط تَرجعُ لنا هويّتنا وحقّنا في الانتماء».
تضع مايا بهدوءٍ الورقة بعد أن تَشكّلَ عليها وجه شخصيّةٍ (أيقونةٍ) مبهمةِ المعالم.

 

السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...