دار الأوبرا السورية لاتحب المنبهات

02-05-2010

دار الأوبرا السورية لاتحب المنبهات

حضور الحفلات الموسيقية، والعروض المسرحية أو السينمائية ليس شيئاً إن لم يتخلل ذلك حوار واحد على الأقل، حوار تحت أشجار المكان، بالقرب من تماثيله ومن عظمة الإسمنت ومظاهره الراسخة. ‏

فالجمهور ليس قطيعاً، ليس كتلة صماء من حشد غائب الملامح، إنه جمهور فيزيائي في اتجاهاته وتعدد مشاربه الثقافية والمعرفية، وهو أيضاً، أي هذا الجمهور بشر تجب العناية بهم، وكما هو مشروع ومتاح أن يدس موظف الدار يده في حقيبتك على عتبة الأوبرا السورية من باب حراسة المكان من أعداء مرتقبين- أكيد لانحب أن يكونوا بيننا في حفلة اليوم- أيضاً لجمهور دار الأوبرا وكما كل جمهور أوبرا في العالم الحق في الاستعداد النفسي للعرض، ومناقشة هذا العمل أو ذاك في مكان يليق به، فالمسرحية التي ستبدأ بعد قليل –أي مسرحية كانت- ليست شيئاً إلا إذا التقينا قبل العروض أو بعده، على الأقل لنحكي عن الطريق الذي أقلنا إلى مسارح المدينة الكبرى، لنلتقي قبل الحفلة بنصف ساعة على الأقل، لالشيء، وإنما من أجل أن نجتمع ونتحدث عن مصادفاتنا السعيدة، فهذه دار أوبرا، وليست داراً للمسنين، أو ربما نتحدث عن لقاءاتنا الشحيحة تحت كهرباء الحضور، فليس من المعقول وبعد مرور ست سنوات على افتتاح دار الأسد للثقافة والفنون أن هذا المكان لايوجد فيه مقهى واحد على الأقل، ليس هذا وحسب، بل أن الجمهور يعامل في هذا المكان بطريقة غريبة، إذ حالما يخرج من العرض الموسيقي أو المسرحي- أياً كان نوع الحفلة- تطفأ عليه الأنوار، وكأن هؤلاء الناس الخارجين لتوهم من الحفلة عليهم التوجه مباشرة إلى سياراتهم أو إلى ساحة الأمويين، دون حتى ان ينبسوا ببنت شفة. ‏

لامكان في هذا الصرح الحضاري الكبير للجلوس إلى طاولات للنقاش، أو لشرب القهوة قبل الخضوع لجلسات المشاهدة أو طقس الفرجة والاستماع، مع أن هناك كتلة من البناء مخصصة للمقهى، لكن حتى الآن لم ترس المناقصة على أحد، مناقصة عجيبة استغرقت أكثر من ست سنوات، ولم تفحْ رائحة القهوة في أرجاء الأوبرا حتى هذه اللحظة، لم يلتفت أحد إلى أن المكان يزيد من رسميته وتجهمه، وتهترئ نباتاته، فلا من فسحة واحدة لنتكلم عن عرض مسرحي، او نطبخ النميمة الطيبة برفقة كأس من الشاي، ليس الشاي وليست القهوة، ولاحتى الزنجبيل، إنها حاجة الناس إلى اللعي، لالشيء، من أجل أن نجتمع ونتحدث، أن نتكلم على مقربة من الحدث، إن نشترك في فرحنا الجماعي بمسرحية حطمنا سلاميات أكفنا ونحن نصفق لها، أو أن نندب حظنا الجماعي أيضاً على عرض أو حفلة موسيقية لم تكن في المأمول من طموحاتنا الغريرة، لالشيء، كي نتقاسم هذا الخبز الثقافي الفريد، أو نتجاذب أطراف الحديث، كي نتعرف أكثر على أحجامنا الحقيقية ونحن متلاصقون جنباً لجنب على كراسي مسرح الدراما أو الأوبرا، كي نغتنم فرصة وجودنا تحت سقف الموسيقا في مسرح الاستعمالات المتعددة. ‏

لايمكن أن ندخل هكذا إلى حفلة الساعة الثامنة، ونخرج بعد ساعة وكأن شيئاً لم يكن، وكأن لاحديث يمكن أن نرويه، لاشجار يمكن أن نعمره على نحو: هل كان المخرج موفقاً في إدارة ممثليه، ثم أين هو المخرج؟ ليأتي ويجلس معنا، لنتعرف عليه وعلى فرقته الزائرة، سننتظرهم ريثما يغيرون ملابسهم ويخرجون من دهاليز الكواليس، سندعوهم للقهوة، في كافتيريا الأوبرا، لمَ لا، سنفاجئهم بأسئلتنا الطازجة، رجالاً ونساءً سنلتقي على طاولة الخشب تلك، سنقترح لهم حلولاً إخراجية أخرى، سنكافئهم، ونستفزهم، ونبارك لهم، لكن أين؟ ليس من مكان في هذه الأوبرا، وموظفو الدار يطفئون علينا الأنوار: أن غادروا على الفور، لاتتحدثوا هنا، فهذه دار أوبرا!.. ‏

حسناً سنذهب ريثما ندخن هذه السيجارة اليتيمة، حجتنا للوقوف في انتظار إن يحدث شيء، ثمة أصدقاء سيخرجون بعد قليل، سيقترحون علينا الذهاب إلى مطعم أو مقهى، لكن نحن نريد أن نتحدث هنا قبل أن تفتر الفكرة، وينفك السحر عنا كسندريلات تداهمهن الساعة الثانية عشرة، لكن مهلاً حتى تلك السندريلات يملكن وقتاً أطول للبقاء في حضرة الحفلة، نحن غالباً مانغادر الدار في العاشرة مساءً على أكبر تقدير بعد أن نتحول مرة أخرى إلى فئران ورؤوس قرنبيط، نحن من يواظب على عروض الدراما الموسيقية، من غير المعقول أننا نجد أنفسنا فجأة وكأننا نقوم بملء كراسي الفرجة، وكأننا لاأحد، موظفون في خدمة فرجة صامتةً، موظفون كأشباح، كمقابض إضافية لكراسي المسرح الذي خرجنا منه للتو، ثم ماذا؟ علينا المغادرة على الفور، وإذا لم نفعل ذلك، ستطفأ علينا الأضواء، طيب هناك وليس بعيداً عنا في دار الأوبرا المصرية مثلاً بدلاً من المقهى هناك أكثر من خمسة مقاه، لم لا؟ ألم يعمر اليونانيون القدماء مسارحهم وملاعبهم الأولمبية وساحاتهم العظيمة من أجل ترسيخ الاجتماع والحوار؟ هل كان من الممكن أن يكتب شاعر عظيم مثل سوفوكليس تلك المسرحيات الرائعة لولا الحوارات العظيمة التي كانت تجمع أهل أثينا الغابرين بالقرب من معابدها ووتياتورناتها (جمع تياترو) أجل التياترو، إذ يبدو أن علينا تحاشي كلمة المسرح في هذا السياق بالذات، فكلمة المسرح هنا لاتفي بالغرض، التياترو هي المفردة الأكثر دقة للتعبير عن معنى الاجتماع، حيث التياترو أقرب إلى المدرج الإغريقي بمعناه البعيد عن لفظة مسرح الآتية في اللغة العربية من (السرح) وهو المكان الذي تسرح فيه الخرفان، وليس التياترو «theater» أي المدرج الذي كانت تقام عليه الاحتفالات وتقدم الأضاحي لإله الخمر ديونيسوس. ‏

ربما تكشف لنا اللغة هنا شيئاً جوهرياً وهو على الأغلب مؤلم ومزعج في آن معاً، إذ شتان بين إسراح الخرفان وإدخالها إلى حظائر الفرجة، وبين الاحتفال بالمشهد عبر الحوار واختراع الأضاحي، فالأهم ليس استقطاب العروض ودعمها، بل مناقشة هذه العروض عبر الاحتفاء بالجماعة النوعية لفعل المشاهدة والاستماع، وتعزيز هذا النوع من الألفة، الألفة القادرة على جمع عدد هائل من الأنوات الإنسانية، أي مجموع الناس الذين يتنفسون أوكسجيناً واحداً لساعة أو أكثر من الزمن في مكان واحد، بعد أن قرروا بملء إرادتهم الخروج من بيوتهم، لاليملؤوا الكراسي ويصبحوا امتداداً لخشبها، بل لأنهم يعرفون جيداً ويصدقون كلمة شاعر المكسيك العظيم أوكتافيو باث: «نحن وحيدون مع آلاف الوحيدين في هذا العالم». ‏

 

سامر محمد اسماعيل ‏

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...