نصري الصايغ يحتج على اعتقال كتبه في معرض القاهرة للكتاب

03-02-2007

نصري الصايغ يحتج على اعتقال كتبه في معرض القاهرة للكتاب

بماذا يشعر الكاتب عندما يأتيه خبر اعتقال كتبه في دولة عربية «شقيقة»؟ وبماذا يفكر الكاتب عندما تمنع كتبه من حضور معرض دولي، تشارك فيه دول ودور نشر، في القاهرة؟
أولا يشعر بالقهر، ثم، يفكر بعبثية الكتابة والتأليف، ثم، يستقر في لا مبالاة حزينة.
يقول: سأتوقف عن الكتابة. أو، سأحترم قواعد اللعبة. أو، وهو المرجح، سأكتب غصبا عنهم، وأفقأ عيونهم، وأروّس الحروف، وألغم اللغة، وأروّس الأفكار، وأفضح الزنى السياسي، والتدعير الوطني. واستقر في مقام القبضات، وألاكم، بسواعد دونكيشوت الفتية، ولغة عبد الرحمن الكواكبي المسنونة، طواغيت الانظمة البوليسية، المحظية في فراش الديموقراطيات الغربية الفاجرة.
أمس، تبلغت مصادرة كتابي في مصر، «لو كنت يهوديا» و«حوار الحفاة والعقارب». ثمة أمر تحققت منه. الرقيب الذي كان يقيم معي، ويستعير يدي، ويكتب عني، ويهذب مواقفي، ويدعوني الى فضيلة الجبن، وممارسة التذاكي اللغوي، وأسلوب التعميم المحتشم، كي لا أقع في الحرام البوليسي، قد مات.
تأكدت ان يدي الثالثة التي نمت في جسم اللغة، قد بترتها. تأكدت ان جبني الهستيري، قد تحول الى شجاعة هستيرية، لا تربأ بالعواقب. تأكدت انني لست بطلا أبدا، انما، كائن طبيعي: يفكر، يكتب، بلا قيود. لذا، صرت يهوديا في كتابي الأول، يهوديا حقيقيا، مُغاليا في التعبير عن مأزق اليهودي في اسرائيل. صرت يهوديا، وعرفته، كمن لم يعرفه أحد قبلي. لبسته بتمامه، بمأزقه وآلامه وانتكاساته وأحلامه ومصائره المغفلة وطموحاته البائسة، ومعاركه الضارية، وجراحه الفاغرة واسئلته العدمية وتحويله فلسطين الى مقبرة للفلسطيني والاسرائيلي معا.
لم أخف من «خيانتي»، لانني، بعد رحلتي الى يهوديته، صرت فلسطينيا اكثر، فلسطينيا بالتمام والكمال. لم يكن غريبا ان يدخل كتابي اسرائيل، وتكتب عنه الصحافة هناك. ولكني استغربت، لشدة الحمق لدي، كيف تمنعه القاهرة، عفوا، كيف تمنعه قوى الأمن الثقافية، من الدخول الى القاهرة.
لم أشك ان كتابي «حوار الحفاة والعقارب» ستنزل به عقوبة المنع. كم كنت غبيا. لم أكن أدرك اننا نعيش في بلاد يسكنها خوف الحكام من الكلمة. خوف الأنظمة السياسية والدينية من المعرفة. لا شك، ان بي لوثة ليبرالية، جاءتني من سكن باريس لعقد من الزمن، او من قرارات حوارات فرح انطون والشيخ محمد عبده. لا شك انني كنت أظن أنني اعيش في عصر ذهبي جدا، هو عصر الملكية والاقطاعية والاحتلال البريطاني.
لا يستحق اعتقال كتابين هذا الكلام. عذرا، لان اكثر من 200 مليون عربي معتقلين في انظمتهم ومذاهبهم وقبائلهم، وعشائرهم ودفاتر شيكاتهم... وليس من ينهض ليوقظ صوت اغلالهم التي اختارها زينة لمعاصم عجزهم.
لا يستحق كتابي هذا الصراخ وهذا الألم...فاحرقوهما، او اغلوهما، واسقوني زومهما الطيب، كحبر البراءة.

نصري الصايغ

المصدر: السفير  

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...