تضخيم الخطرالنووي الإيراني لأسباب داخليةإسرائيلية واعتبارات أمريكية

29-10-2007

تضخيم الخطرالنووي الإيراني لأسباب داخليةإسرائيلية واعتبارات أمريكية

قناعة متزايدة ليست في العالم الواسع وحسب وإنما في أوساط الحكومة الإسرائيلية أيضاً بأن انشغال رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت بالخطر النووي الإيراني ليس نابعاً فقط من اعتبارات إحساسه الجدي بالخطر. كما أن الاهتمام الأميركي والدولي بهذا الخطر لا ينبع فقط من رغبة في تبني جهة الدفاع عن إسرائيل. فهناك اعتبارات وحسابات كثيرة قديمة وجديدة تجري تصفيتها بعضها داخلي وبعضها الآخر اقتصادي أو سياسي ذو طبيعة محلية أو دولية تقف وراء مواقف هذه القوى. ومع ذلك يبدو أن أولمرت يحرث العالم جيئة وذهاباً من أجل شأن استراتيجي وتبدو الدول الغربية وكأنها لا هم لها سوى رعاية المصالح الإسرائيلية.
وبدا واضحاً للجميع أن الأميركيين والأوروبيين استخدموا في الأسابيع الأخيرة تعابير لم يسبق لها مثيل لجهة تعاطفهم مع إسرائيل والتزامهم بأمنها. بل أن الرئيس الأميركي ذهب إلى حد استخدام عبارة «حرب عالمية ثالثة» في إشارة إلى وجوب منع إيران، ولو بالقوة، من امتلاك مشروع نووي. كما أن الرئيس الفرنسي أكد حدود ما ينوي فعله من أجل المحافظة على استمرار «معجزة» قيام إسرائيل.
وحتى إذا بدت التعابير التي يستخدمها القادة الأميركيون والأوروبيون قوية فإن هناك من يعتبرها مجرد خدمة كلامية في أعقاب الفشل في تجنيد الأسرة الدولية لفرض عقوبات على إيران. وهناك من يذهب أبعد من ذلك فيرى أن هذه التصريحات تعبد الطريق لنوع جديد من حرب غير قريبة على إيران بدعوى المحافظة على وجود إسرائيل. غير أن المؤكد أن تصريحات القادة الأميركيين والأوروبيين تخلق حافزاً متزايداً لدى الإسرائيليين لفعل شيء أو للتظاهر بفعل هذا الشيء.
وفي ظل تدهور حالة ومكانة الجيش الإسرائيلي جراء حرب لبنان الثانية ثمة من يرى في تشغيل محركات الطائرات وسيلة لدفع عموم الإسرائيليين إلى تناسي ما جرى والانتباه فقط إلى ما سوف يجري ولو بشكل افتراضي. وبحسب صحيفة «معاريف» فإن الطيارين الإسرائيليين يتدربون منذ الآن على وضع تتعرض فيه قواعدهم الجوية لغارات صاروخية تدمر فيها أبراج المراقبة الجوية ومواقع السيطرة الميدانية.
ومن الجلي أن الكثيرين من القادة الإسرائيليين لا يروق لهم نجاح أولمرت في تجاوز كل العقبات التي تعترض طريقه على الصعيد الداخلي. فليس هناك رئيس حكومة تعرض لمثل ما يتعرض له أولمرت من تحقيقات جنائية واتهامات بالفساد، ومع ذلك يبدو وكأنه المنقذ للإسرائيليين من الأخطار التي تحدق بهم. ورغم أن تجربة أولمرت في إدارة الأزمات وإدارة الدولة لا تشجع الإسرائيليين على التمسك به فإن المعطيات الحالية بعد الغارة على سوريا تظهر أنه بات يخرج من قعر التأييد الشعبي. والأهم أن أحداً من قادة إسرائيل البارزين ليس على استعداد لمنح التأييد لأولمرت لبلورة جبهة دولية ليست عسكرية ضد إيران مقابل تقديم «تنازلات» جوهرية للفلسطينيين في الدولة والحدود.
ورغم كثرة الإشارات من جانب قادة سياسيين وأمنيين سابقين وحاليين في إسرائيل بصعوبة إقدام إسرائيل، منفردة، على مهاجمة إيران فإن الجيش الإسرائيلي يستعد لأمر من هذا النوع. وأساس فرضية العمل في الجيش الإسرائيلي ترتكز إلى فكرة أنه إذا لم يكن هناك مفر فلا بد أن المواجهة قادمة. ومع ذلك فإن عدداً من القادة العسكريين الإسرائيليين يتحدثون سراً وعلانية عن أنه ليس بوسع إسرائيل إنجاز مهمة القضاء على الخطر النووي الإيراني كما أن تبعات عمل من هذا النوع قد تكون كارثية على إسرائيل. إذ ليس هناك من يرى أن إيران يمكنها ان تبتلع ضربة إسرائيلية ولا ترد عليها بكل السبل المتاحة لها. وهنا ثمة أهمية لأمرين قيلا في الوقت نفسه: الرئيس الأميركي جورج بوش أعلن أن إيران قد تشكل خطراً على الأمن القومي الأميركي في منتصف العقد المقبل. ووزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك يقول بإمكانية تحصين إسرائيل ضد الصواريخ بعيدة وقصيرة المدى خلال ثلاث سنوات.
وإذا كان من معنى لهذا الكلام، فإنه ورغم ضجيج الكلام الحربي فإن جميع الأطراف المعنية تتــحدث عن أمـر لن يحدث قبل ســنوات. وهــذا يعنــي أن كـل ما نسمعه الآن هـو في أحســن الأحــوال ضغوط تستهدف إضعاف إيران على المدى البعيد، ربما بانتظار ظروف أفضل لتوجيه ضربة. ويترافق هذا الكلام مع أحاديث عن تأخر المشروع النووي الإيراني وأنــه يعاني من عراقيل تقنية وتمويلية.
ويبدو اليوم أكثر من أي وقت آخر أن هدف التصريحات النارية من جانب أميركا وعدد من حلفائها الأوروبيين هو الضغط على كل من روسيا والصين لقبول فرض نظام عقوبات أشد صرامة على إيران. وبحسب كل الشارات فإن الخطة الحالية تقول بوجوب إقناع دول العالم عبر القوة الاقتصادية والعسكرية الأميركية بمنع نشوب «الحرب العالمية الثالثة» عن طريق تأييد العقوبات. ومن المؤكد أن أميركا تحقق بذلك ليس فقط بهدف ترويع إيران وإنما، وهذا هو الأهم، تلقين دول العالم درساً جديداً للتعرف على ماهية سيد العالم الذي كان وما يزال.

حلمي موسى

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...