غسان الرفاعي: بلا مواربة ولا مخاتلة!

17-05-2010

غسان الرفاعي: بلا مواربة ولا مخاتلة!

ـ 1 ـ سيطرح في المكتبات بعد عدة أيام، في 19 أيار الجاري كتاب (رجيم) للمفكر الفرنسي (المشاغب) روجيس دوبريه، يصفه معارفه من المثقفين بأنه (كتاب شرير) لا لأنه يمتدح الرذيلة ولكن لأنه يفضح العدوانية الإسرائيلية دون مواربة ولا مخاتلة، وهو موجه إلى (إيللي بارفي) المؤرخ اليهودي وسفير إسرائيل السابق في فرنسا والكاتب المتحرر العلماني ـ كما يزعم ـ .

كان الرئيس السابق جاك شيراك قد كلف روجيس دوبريه السفر إلى الشرق الأوسط ودراسة ‏

(التعايش العدائي بين الأديان) وإعداد تقرير عن حقيقة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وقد قام المفكر الذي يثار حوله الضجيج أينما حضر ـ كان رفيق غيفارا وقضى عدة سنوات في سجون بوليفيا، وعين مستشاراً للرئيس ميتران ولكنه استقال لأنه لم يتأقلم مع طقوس السلطة وفضل أن ينقطع للكتابة ـ قام بزيارة كل بلدان الشرق الأوسط وعقد لقاءات معمقة مع عدد كبير من الكتاب والمثقفين والسياسيين العرب، وأعد تقريراً مطولاً عن مشاهداته واستنتاجاته، سماه (انطباعات ساذج في الأراضي المقدسة) ورفعه إلى الرئاسة، لكن ساكن مقر الإليزيه كان قد تبدل ورفض مستشارو الساكن الجديد التقرير وكتبوا إلى روجيس دوبريه لتبرير رفضهم، وكتب هو في مقدمة كتابه الجديد: (اعترفوا لي أن تشخيصي للصراع العربي ـ الإسرائيلي صحيح ولكن يستحيل تبنيه في فرنسا جهاراً، إذ هناك إصرار على إنكار الحقائق وتكريس للأضاليل في هذا البلد، لذلك قررت أن أضع كتاباً مفصلاً أكثر التزاماً بمشاهداتي وأكثر مصداقية مع معتقداتي). ‏

ـ 2 ـ ‏

يكشف دوبريه بشجاعة في مقدمة الكتاب الجديد الذي نشرت فقرات منه قبل أن يوزع في المكتبات أسبوعية (لو بوان) وبشكل استفزازي وتحت عناوين مثيرة بعد أن جعلت منه الموضوع الرئيسي على غلافها، يكشف عن جملة من الأفكار غير المألوفة في الأدبيات الفرنسية بهدف تثبيت رفضه لطروحات الإعلام الموالي للصهيونية. ‏

... تقدم إسرائيل نفسها على أنها واحة من الحضارة الغربية في الشرق الأوسط، وأنها تجسيد لقيم هذه الحضارة الديمقراطية، ولكن دوبريه يكتب غاضباً: (وبصفتي من أبناء هذه الحضارة لي الحق في أن أعترض على هذا الزعم المخادع ولي الحق في أن أصف الحقائق كما شاهدتها لا كما يراد لي أن أشاهدها، وما شاهدته يثبت أن إسرائيل هي تجسيد للهمجية المعاصرة التي لا يجوز التستر عليها، ثم إنني إنسان ونزيه في انتمائي إلى انسانيتي ولا يحق لي أن أتستر على الجرائم التي تقترف مجاناً، لقد تحررت من عقدة اللسان التي فرضت على العقل الأوروبي، ولا أريد أن أبقي القناع الضبابي على وجهي ولا بد أن أكون شفافاً وصريحاً)... ‏

ولعل أول انجاز نزيه ينبغي القيام به قبل محاولة فهم حقيقة ما يجري ميدانياً في الأراضي المقدسة هو استبدال الألفاظ التي يستخدمها الإعلام الغربي الموالي لوصف الأحداث: هناك حصار فاشي للسكان الفلسطينيين على أرضهم لا إعادة ترسيم للأراضي المحتلة، هناك حكم بالإعدام المعنوي والجسدي على شعب بكامله لا تنفيذ لأحكام عادلة يصدرها قضاء إسرائيلي قانوني، وهناك جدار عنصري غير شرعي لا فاصل أمني ضروري لحماية السكان من الإرهاب، وهناك اغتيالات مقصودة ومبرمجة ومقررة على أعلى المستويات لا سقوط ضحايا بالخطأ أو نتيجة اشتباكات بالمصادفة، وهناك اغتصاب للأراضي وحرق للمزروعات واغتيال لأشجار الزيتون لا توسيع تنظيمي وهندسة معمارية. ‏

ـ 3 ـ ‏

ثم إن إسرائيل كيان مزدوج الولاء والهوية: هناك إسرائيل ابراهيم ومن ينتسبون إليه يتبنون تعاليمه ووصاياه وهذه لا تختلف في الجوهر عن بقية الأديان التي تدعو إلى المحبة والتسامح وهناك إسرائيل يعقوب وليس له أتباع وإنما ورثة وأحفاد، وهؤلاء متعصبون حاقدون انعزاليون، والمأساة حالياً أن ورثة يعقوب هم الذين يتحكمون بإسرائيل ويوجهون سياستها. ‏

والمفارقة أنه لا يجوز ليهود (الديا سبورا) أن يتحملوا ما يفعله يهود يعقوب داخل إسرائيل ولكن ما يحدث هو العكس تماماً، إذ إن حاخام باريس الأكبر ينظم مسيرة أمام سفارة إسرائيل في باريس تأييداً لدخول الجيش الإسرائيلي إلى غزة متجاهلاً التقاليد العلمانية التي يفاخر بها الفرنسيون، يقول دوبريه: (إن استخدام الله لتأييد حرب فاسقة ضد شعب كريم هو أمر مقرف للغاية، هل هذا هو المقصود بالتضامن الديني...؟ أم هل هذه هي الوطنية الإسرائيلية، وإذا كانت الكنس اليهودية تصفق للعدوان، فكيف تريدون من مغاربة فرنسا ألايعتبروا يهود فرنسا طابوراً خاصاً لإسرائيل؟). ‏

ـ 4 ـ ‏

وفي قناعة دوبريه أن إسرائيل هي لقيطة من مخلفات حركة تصفية الاستعمار التي ازدهرت في القرن العشرين ولكن إسرائيل تحولت إلى رمز من رموز الاستعمار في أفحش مظاهره، وكان من الممكن أن نغتفر لإسرائيل تبنيها لأساليب الاستعمار التقليدية لولا أنها قد بالغت في غرز الخنجر في الجرح بحيث أصبح تحمل ممارساتها بحق الفلسطينيين شيئاً مستحيلاً، إن إسرائيل لم تتوقف عن إذلال من تحتل أراضيهم وعن النيل من كرامتهم الوطنية: ‏

دمرت إسرائيل أكثر من 18 ألف منزل فلسطيني وقبضت على أكثر من 550 ألف فلسطيني في فترات متعاقبة ومازال في السجون والمعتقلات 11 ألفاً، وهناك أكثر من 500 حاجز أمني في الضفة الغربية تحول دون تنقل المواطنين الفلسطينيين في مدنهم وقراهم وفي وطنهم. ‏

ويتساءل دوبريه: (أريد أن أفهم هذا اللغز المحير: في الحروب الاستعمارية التقليدية تكون النسبة في عدد الضحايا بين الجيش النظامي الاستعماري والمقاومين الوطنيين الذين يرفضون الانصياع هي نسبة (واحد على عشرة) أي إن ضحايا الاشتباكات المسلحة بين الطيران والمدفعية الثقيلة وقنابل النابلم ومولوتوف وبين البنادق الصغيرة المصنعة محلياً والأسلحة البيضاء لا يمكن أن تتجاوز هذه النسبة، ولكن إسرائيل رفعت هذه النسبة إلى أرقام خيالية إذ جعلتها واحداً لمئة من دون شعور بالذنب، لقد قتل في العدوان على غزة 1450 من الفلسطينيين بينهم 410 من الأطفال و104 من النساء مقابل 13 إسرائيلياً فقط، لقد قلمت الهمجية أظفارها في كل مكان من العالم باستثناء الهمجية الإسرائيلية التي أصبحت أكثر فتكاً ودموية. ‏

ـ 5 ـ ‏

هناك إسرائيل مزدوجة لا إسرائيل واحدة: العلمانية والمتدينة، رابين وقتلة رابين، هوس الاستيطان والاغتصاب وحلم السلام الشامل والدائم، وهذه الازدواجية تتعايش داخل كل إسرائيلي تارة في وئام وتارة في صدام وكما يقول كلود لانزمان : (إسرائيل تمشي على قدمين ونحن لا نعرف على أي قدم تمشي في هذه الفترة أو تلك).. ‏

للذاكرة مجرموها وقتلتها وللمحرقة اليهودية التي تغلغلت في ضمير الغرب ثقلها المتورم عن خبث، إن تثبيت الذاكرة على جرح الماضي واستثمار هذا التثبيت لزرع (عقدة الإثم) عند بسطاء الناس لا يمكن أن يولد إلا الخديعة ولا يسمح بمواجهة التاريخ دون أقنعة. ‏

ثم إن قيام دولة إسرائيل لم يكن رد فعل على المحرقة، وإنما هو قرار صدر عن الأمم المتحدة التي تتنكر إسرائيل اليوم لكل قراراتها، وقد يفيد التذكير بأن وعد بلفور المشؤوم صدر عام 1917 أي قبل النازية وتحميلها مسؤولية المحرقة. ‏

المفارقة في هذه المحرقة ـ كما يقول دوبريه ـ إنها خلقت هاجس الأمن الإسرائيلي ونقلت هذا الهاجس إلى المجتمع الدولي بحيث صار الجميع يتحدثون عن ضرورة حماية إسرائيل ولو بالسماح لها بالحصول على القنبلة الذرية. ‏

ـ 6 ـ ‏

لم يستطع روجيس دوبريه أن يتحمل رؤية طوابير الفلسطينيين وهم يقفون أمام مراكز التفتيش الإسرائيلية في الضفة الغربية، شعر فجأة بالرغبة في التنفس والتملص من البدانة الديمقراطية الغربية والتحرر من التصابي العقائدي، كتب في الفصل الثالث: (شعرت بالخجل وأنا أتأمل مشهد قطعان من الفلسطينيين - الماشية الذين يزدحمون أمام مراكز التفتيش الإسرائيلية منذ الفجر الباكر ينتظرون السماح لهم بالعبور من قرية الى قرية داخل وطنهم، إنهم طوابير بائسة ذليلة تتحمل الإهانات والإذلال حتى البصاق.. نعم شعرت بالخجل وكان لابد لي أن أصرخ، كان لا بد لي أن أكون مخلصاً لإنسانيتي، لقيمي، لتاريخي، نعم لابد أن أكون مثقفاً نزيهاً وصريحاً وصادقاً وليحدث ما يحدث وليتهمني معارفي بكل النعوت السيئة..!). ‏

ـ 7 ـ ‏

ثم ما هو قانون العودة الخرافي الذي تتمسك به إسرائيل بصفاقة متناهية؟ إنها تمنح اليهودي المتجذر في نيويورك أو أوديسا الحق في العودة الى إسرائيل موطنه الأصلي كما يزعم، ولكنها تطرد السكان الأصليين من فلسطين وتشردهم وتقلبهم الى لاجئين يعيشون على صدقات الاونروا، بل إنها ترخص للوافدين الجدد أن يحتلوا منازل السكان الأصليين وأن يقتلعوا أشجار زيتونهم وان يصادروا ممتلكاتهم وأن يغتصبوا أماكنهم المقدسة، بل ان يتصدروا ويتحكموا على أساس أنهم يملكون الحق في السيادة. ‏

ـ 8 ـ ‏

كتاب (رجيم) - كما يصفه مثقفو الموالاة - يضع الكثير من النقاط على الحروف.لقد بدأ الموالون التهجم عليه حتى قبل أن ينزل الى المكتبات: أثارتهم الفقرات المقتطعة التي نشرتها (لو بوان) فلم يتمالكوا أعصابهم وهرعوا ينشرون ردود أفعالهم الغاضبة في ذات العدد، ولكن روجيس دوبريه ينتظرهم. يكتب في عدم اكتراث: (أعرف أنهم سيهاجمونني وانهم سيرجمون ما كتبته بحجارتهم ولكنني مرتاح. لقد قلت ما ينبغي أن أقوله وأرحت ضميري وهذا يكفي..). ‏

د. غسان الرفاعي

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...