مايكل أونداتجي صاحب «المريض الإنكليزي».. رحلة بين الحضارات والأمكنة

02-03-2013

مايكل أونداتجي صاحب «المريض الإنكليزي».. رحلة بين الحضارات والأمكنة

هل كانت الرواية المكتوبة بالانكليزية تعرف اليوم هذا الازدهار والحضور لو لم تعرف «الدعم» الذي قدمته إليها البلدان الأميركية أو تلك المناطق الجغرافية التي تزدهر فيها هذه اللغة وذاك الأدب بأشكال مختلفة، على الرغم من مناخاتها المتباعدة وثقافاتها المتفرقة؟
في المنتصف الأول من القرن العشرين، جاء جيل من الجنوب الأميركي ليضفي على لغة شكسبير نفحة جديدة: همنغواي وشتاينبيك ودوس باسوس وفوكنر وغيرهم، إذ عرفوا كيف يحملون معهم «إعصار الملاحم والهواء الرطب» الذي كان يلف جنوبهم الغارق في «البلوز». وبعد سنين عديدة من ذلك، جاء روائيون آخرون، كتبوا بالانكليزية أيضاً، ليضيفوا إلى فضاء السرد ألواناً مدهشة، وكانوا يأتون من قارات مختلفة: سلمان رشدي (الهند) ونايبول (ترينيداد) وكازوو إيشيغورو (اليابان) وبن أوكري (نيجيريا) و..مايكل أونداتجي (سيريلانكا). وهذا الأخير اكتشفه القارئ العربي بعد ترجمة روايته «المريض الإنكليزي»، وهو يكتشفه اليوم مع «رؤى الانقسام» (منشورات الجمل، نقلها إلى العربية شارل شهوان).
مايكل أونداتجي (مواليد العام 1944، في سريلانكا (وكانت تدعى سيلان)، تلقى علومه في إنكلترا، يعيش حالياً مع عائلته في كندا حيث يُدرّس الأدب في جامعة تورونتو. ويعتبره النقاد أحد الكتّاب الأكثر أهمية والأكثر إبداعاً بين أبناء جيله. ربما ما ساعده في ذلك إقامته في ثقافات عدة، وليس بين ثقافتين. فحين يكون المرء «بين» أمرين، معناه أنه ليس في أيّ مكان، ومع ذلك، فهو مثل بعض الكتّاب الذين لا يبدعون أبداً بلغتهم الأم، أيّ أنه صلة وصل، وجسر بين كيانين. من هنا، نجده يملك مسافة كافية تفصله عن هويته «المستعارة» ليقول ما يجب قوله وليأخذ منها ما يجب أخذه. والحال هي ذاتها بالنسبة إلى هويته «الأصلية».
صحيح أن شهرته طبّقت الآفاق، حين حصل فيلم «المريض الإنكليزي» على عدد كبير من جوائز الأوسكار، إذ كان مقتبساً عن رواية له (بالعنوان ذاته)، لكن تجدر الإشارة إلى أن روايته هذه كانت حازت جائزة «بوكر» العام 1992، وهي أهم جائزة أدبية بريطانية. بيد أن تفرد أونداتجي بدأ مع روايته الأولى «جلد الأسد»، وقد فرض هذا التفرد مع روايته الثالثة «مشابهة» التي ليست سوى سيرة ذاتية غريبة وفاتنة. فروايته هذه، هي أولاً وقبل أي شيء، رحلة عبر الفضاء والزمان، رحلة عبر مختلف الأشكال والألوان الشعرية والسردية والملحمية والغنائية، إذ عرف كيف يزاوج فيها هذه الأنواع المختلفة فيها. إنه كتاب رحلة في الذاكرة والذكريات، التي تؤججها عودته إلى الوطن بعد أن غادره لفترة طويلة. وفي هذه العودة، إعادة اكتشاف لهذا الوطن بعد أن حمل أولاده معه للمرة الأولى.
بعد وصوله، تعود تلك الأمكنة، تلك العطور الطيبة، لتسري مجدداً من خلال تلك النظرة المزدوجة للماضي (ماضيه) وللحاضر (حاضره أيضاً وخاصة نظرة أولاده إليه). إنها نظرة تحرر التموجات وتثير الصور وتعيد إحياء الأشباح. ففي سيريلانكا مايكل أونداتجي كما في مكسيك خوان رولفو أو كولومبيا غارسيا ماركيز نجد أن الحدود التي تفصل الواقع عن الخيال، كما الحدود التي تفصل الكائنات الحيّة عن الوهمية، هي حدود لا توجد إلا لكي تلغى، إذ ما من جزء من تلك العقلانية الأوروبية (القديمة) أو من تلك الدقة الأنكلوساكسونية (التي خبرها الكاتب) يأتي ليعارض انسيابات هذا الفضاء أو ليفرمله أو ليؤطره. فضاء، تلوث الغزارة فيه كلّ شيء.
فتحت سماء هذه المدارات، وهذه الحرارة القاسية لمناخ بلا تدرجات، نجد الجدود والآباء وهم ينبثقون من ماضيهم ويصاحبون الزوار في جنونهم القديم، مثلما نجد كيف أن السكرات والشغف والحب يعود ليحيا على الإيقاع الشيطاني لجزيرة الهذيان هذه. فهنا، وفي إطار هذا المنظر الطبيعي الجميل، ما من شيء يحيا في السكينة والهدوء. فالجو حارق، والأمطار غزيرة والعواصف محمّلة بالبروق. ففي سياق مماثل، هل تستطيع العواصف أن تخضع لاعتدال ما، للياقة مستحيلة؟ إنها طبيعة تتكوّن باستمرار داخل اختلاج الطبيعة ذاتها، وفي فصول الحب والبغض، تتفتح الأجساد في ألعاب شهوانية معقدة، تثيرها رطوبة الهواء وعنف العناصر المقلق.

التمييز

«رؤى الانقسام» هي الرواية الخامسة للكاتب، ومنذ بدايتها نقع على كلّ شروط اللعبة. العنوان الأصلي Divisadero، أي شارع ديفيزاديرو، الشارع الذي جاءت منه آنا. والكلمة تأتي من اللغة الاسبانية التي تعني تقسيم ، أي أنه الشارع الذي كان في السابق يقسم ما بين سان فرانسيسكو وحقول «بريزيديو» إلا إذا كان ينحدر من كلمة Divisar أي تمييز... أي المكان الذي تذهب إليه نظرتنا في البعيد.
هذا ما يطالعنا في بداية الكتاب: التمييز، أن نعود لنتذكر أحداثا أو أشخاصاً ضاعوا في الماضي، لنلحق بهم مجدداً لدرجة أننا نراهم في كلّ مكان، تماماً مثلما تفعل آنا، التي نلاحقها في طفولتها، في إحدى مزارع كاليفورنيا الشمالية، لنجدها لاحقاً وهي تعمل في مركز للتوثيق حيث كانت تكتشف نصوصاً في التاريخ والفن من أجل إعادة رسم حياة لوسيان سيغورا، وهو كاتب شهير عاش في جنوب فرنسا في بداية القرن العشرين. وبين هاتين اللحظتين، ثمة فراغ لا نردم إلا جزءاً منه في مكان آخر من الكتاب.
تلخص لنا آنا طفولتها عبر كلمات قليلة: فتاة وصبي تمت مفاجأتهما وهما يحضنان بعضهما البعض، تحت سماء خضراء. ثمة أب يحاول قتل صبي، وثمة فتاة تحاول أن تقتل الأب. أمر لا يشغل سوى سنتمترين مربعين في إحدى لوحات بروغيل. في الواقع، ثمة العديد من مشاهد العنف ومن الأحاسيس القاتلة التي يرزح تحتها أربع من شخصيات الكتاب: آنا ووالدها، كلير الفتاة التي ولدت في اليوم عينه الذي ولدت فيه آنا، والتي تبناها والدها، لذلك نستطيع اعتبارها بأنها شقيقتها التوأم بمعنى من المعاني، وأخيراً هناك كوب، الصبي اليتيم الذي أنقذته عائلة آنا لتتبناه بدوره، إذ ذهبت عائلته في مجزرة ارتكبت بحقها تحت عينيه. نحن إذا أمام مآس تشكل قطيعة في هذه الحيوات التي أمامنا، تشكل بداية قطيعة لفراق من دون خاتمة محتملة، على الرغم من محاولاتها (محاولات هذه الحيوات المتعددة) الهرب من هذه الوحدة القاتلة التي تلاحقها.
كوب مثلا أصبح مقامراً محترفاً وغشاشاً، ذهب ليعيش في لاس فيغاس حيث تعلم هناك شكلا آخر من أشكال العنف. تلاحقه شلّة من اللصوص إذ ترغب في أن يعمل لصالحها، وحين يرفض يتعرض إلى ضرب مبرح لدرجة الموت لو لم تنقذه كلير في اللحظة الأخيرة. هذه هي الحياة التي تستعاد وتتكرر. ومثل أغنية شعبية قديمة تعزف اللازمة عينها، تعود الأحداث من جديد: نحن هنا أمام التعنيف والجريمة، الجريمة التي ذهب ضحيتها أهل كوب والجريمة التي كان سيذهب ضحيتها هو نفسه لمرتين.
وإذا ما كانت هناك قسمة في الكتاب، فإننا نجد كل تلك الشخصيات المنقسمة على نفسها وعلى الآخرين، تماما مثل البناء السردي للكتاب المقسوم إلى خيوط متفرقة وإلى قصص متداخلة ومتشابكة لتشكل في النهاية فصولاً ثلاثة: آنا، كلير، كوب، العائلة في العربة، بيت ديمو. يحتل الفصل الأول نصف الكتاب، ويأتي وفق المنهج التطوري الأفقي التقليدي حيث نجد أن اونداتجي يفضل استعمال تقنية الكولاج، تجميع أجزاء حياة كما لو أنه يرغب في أن يميز بينها العناصر البارزة، أو نجده أحيانا يفض تقنية الحكاية الشرقية، حيث يراكم القصص السردية لتكفي سحرها في إدهاش القارئ وأخذه إلى أماكن قصية. من هنا لا تهمه إلى هذه الدرجة آلية الأحداث الخارجية ولا هذا التسلسل الكرونولوجي لوجود في سيرورته الداخلية بل فيلم حياتنا هذه الذي وباستمرار نعبره مرارا وتكرارا عبر روحنا. من هنا تبدو لعبة الماضي والحاضر لعبة متداخلة، تنادي الواحدة الأخرى، يشكلان صدى واحداً، وبخاصة حين نعود لنحيا الزمن الذي نرسمه وفق منطق لا علاقة له بمنطق العالم بل بمنطق دوراننا واستداراتنا الخاصة، متبعاً رسم هذا المنظر الداخلي.
للوهلة الأولى، يبدو فصل بيت ديمو لا علاقة له بباقي الرواية، إلا إذا استثنينا حضور آنا، التي كانت قد التقت برفاييل، وهو ابن سارق، وغجرية كانا يعرفان جيداً سيغورا التي كانت تقوم بأبحاثها عنه. تبدو حياة هذا الأخير مروية كما لو قامت آنا بذلك بطريقة شهوانية وحُلُمية: ثمة شذرة من الماضي مسكونة بشخصيات جديدة تتراءى كظلال محمولة من قبل الشخصيات الأولى، محمولة من العناصر، الهواء والريح والمياه والطين والمطر والوحل... وهي عناصر تلعب في الرواية دوراً أساسياً. فهذا النثر الغني بالأصوات والروائح والأحاسيس يشكل ذلك النسيج الضام الذي تنكتب عليه القصص. هو هذا النثر الذي يجمع بينها مثلما تلحق بها الاستعارات التي تنتقل من واحدة إلى أخرى: هكذا تبدو انعكسات زجاج المشكال العائد لآنا، الذي حين يخبئ وجه سيغورا فإنه يكشف في الوقت عينه عن نظرة ثانية.
يشكل الطريق المكان الذي تتابع فيه قصة آنا وكلير وكلوب، إنه الطريق الذي تسير فوقه ليلاً حين تنساب حياتنا كلها خلفنا. أما النهر فهو المكان الذي تتابع فيه قصة سيغورا التي تغمر النهر والطريق، مثل حياتين، مثل حكاية مروية بالمقلوب كما حكاية مروية بالطريقة السليمة. بهذه الطريقة، تقبل العالم، الماضي، الحاضر، الرسم، السينما، الأدب، الموسيقى كما أيضا بعض نتف من حرب، وهي حرب العراق عام ,1991 التي تختصر بلعبة فيديو يدمن عليها كوب في لاس فيغاس. وإذا ما استدعى اونداتجي الحرب، في روايته الأخيرة هذه، نجده يستدعي أيضاً احد موسيقييه المفضلين تيلونيوس مونك.
أن نقرأ اونداتجي معناه أن نذهب قليلاً في رحلة بين الحضارات والأزمنة والأمكنة. هذا ما ينجح فيه هنا، وقد يكفي لنا كقراء أن نذهب معه في رحلته الجديدة.

اسكندر حبش

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...