غسان السباعي أحد مؤسسي الحداثة الفنية السورية

24-02-2015

غسان السباعي أحد مؤسسي الحداثة الفنية السورية

برز غسان السباعي عبر تياره الشخصي بقوة في حركة الفن السوري المعاصر؛ إذ أسهم منذ مطلع الستينيات وبعد عودته إلى سوريا في تطوير فهم خاص عن اللوحة والتشخيص معيداً أطروحات الحداثة الغربية في الفن إلى أصولها في التشخيص السوري؛ مكرّساً أعماله كمفاهيم متنوّعة الدلالة على مستوى الصورة والذاكرة الشعبية؛ فالسباعي أدرك منذ اشتغاله على أعماله الأولى المأزق العربي للفن التشكيلي عندما دفع لوحته نحو التشكيك بالمفاهيم الخاصة بالتصور العربي عن الكون والكائن، ليؤكد دور الهوية في تصدير محترفه التشكيلي خلال سنوات عمله الفني الطويلة؛ إذ انعكس ذلك عبر أسلوبية خاصة به؛ أخذها من المدارس التعبيرية التي رافقت بداياته؛ مضيفاً عليها صياغاته اللونية، اعتمد فيها على قوة شعوره وإحساسه في بناء لوحته؛ لا كفنان يتعامل مع الألوان كحرفة بعيداً عن الوجدان العاطفي؛ فكل عمل من أعمال هذا الفنان كان بمثابة تعبير عن رؤيته وموقفه الشخصي من الفن عموماً؛ ولهذا لم تكن اللوحة التشكيلية بعيدة عن التجربة الحياتية التي عاشها السباعي شغوفاً بإدراكه لكل مدارس الفن التشكيلي ومشاربها؛ لكن هذا لم يشوّش على عمله؛ ولم يدعه ينصاع لصدمة الحداثة التي رافقت جيله؛ وهذا ما يفسر حضور العالم الداخلي في كل أعماله؛ خصوصاً لوحته الشهيرة «موت سمكة - زيت على قماش».
هنا يحضر اللون وكذلك الخطوط الخاصة به؛ مثلما تحضر الجرأة التعبيرية؛ والإيقاع الروحي الداخلي لتجربة عصر بأكمله؛ قضاه السباعي برفقة العديد من الأسماء التي جايلته؛ رفاق الدرب الذين حملوا منذ الستينيات نزعة التحرر والتنوير عبر أعمالهم من مثل لؤي كيالي وأسماء فيومي، وليلى نصير، والياس الزيات، وغياث الأخرس؛ كان لديهم حالة من الشعور بالمسؤولية وضرورة إعادة الفن إلى الواجهة في الحياة اليومية لبلادهم. هكذا فهم السباعي فن التصوير والشغل على سطح اللوحة مبكراً؛ معلناً تجربته الخاصة التي تبدّت في شخوص لوحاته؛ حيث تحضر المرأة ككائن سحري، كما هو الحال في لوحته «نساء - زيت على قماش» تلك اللوحة النابعةً من وجودها في الفضاء البصري المغلق على نفسه؛ فرغم دراسة السباعي في كلية الفنون الجميلة بباريس؛ إلا أنه لم ينجرف مع تيارات غلاة الفن المعاصر في أوروبا؛ بل حاول في معظم نتاجه أن يكوّن نظرة عربية للحداثة ولما بعد الحداثة في شغله؛ معيداً الاعتبار إلى سرديات وتصوّرات الإنسان السوري عن نفسه؛ وذلك عبر لغة رمزية تدفق بقيم جمالية لعناصر لوحته، وتوزع الضوء والظل على سطوحها، مصرّاً على ضرورة استجواب للذات؛ ملتمساً الطريق إلى شخصية فن محلّي؛ تبدو مصادره عند السباعي ذات مصادر إلهام جديدة؛ فالسباعي فصل بين الصنعة والإبداع الفني مركزاً على أهمية استلهام الماضي ضمن معطيات الحاضر؛ فلم تكن القيم الجمالية على حساب القيمة الفكرية في أعمال السباعي؛ لاسيما في لوحته «ليلة مقمرة - زيت على قماش»، فالمعادلة لدى هذا الفنان كانت دائماً لمصلحة المفاهيم الفكرية؛ وذلك من خلال الفصل بين التصوير الحديث والتصوير الكلاسيكي. لقد قدّم السباعي الحقائق الصغرى الأشد صعوبة؛ معتبراً أن العثور عليها يتطلّب جهداً معقداً ومجرداً من أي غاية، وهذا يعتمد على الإحساس الكبير بهموم العالم والبيئة والمجتمع وبالتالي الإنسان بالمفهوم الكلي. الفنان السوري الراحل إلا من نسائه وألوانه وعوالمه الغامضة العميقة نجح على مرّ كل هذه السنوات أن يقدّم عرضاً بصرياً طرح من خلاله أمثلة لا ترد؛ مقتفياً فرادته التعبيرية الخالصة؛ والمنزّهة عن تلك الهجنة التشكيلية؛ والتي لا تحمل هوية بلادها ولا معالم بشرها؛ فتداخل فنون الشعوب مع بعضها واعتماد الحركات الفنية الحديثة على نتاجات الحضارات في مختلف البلدان؛ واختلاط القديم بالحديث؛ كل ذلك لم يجعل السباعي في متاهة التيارات والمدارس؛ ولم يزجّه في فوضوية بصرية وفكرية. على العكس تماماً؛ فالاختلاف لدى هذا الفنان برأيي كان ضربة ريشة سيالة؛ فرغم عدم اكتمال التجربة الفنية في سورية؛ وعدم التآلف بين الذوق السائد في الساحة التشكيلية السورية مع الابتكار العالمي بمفهومه الإبداعي، لم يحوّل أنظار هذا المبدع إلى لعبة تسويقية أدارتها صالات الفن ومزاداته العلنية؛ فلم يسعَ السباعي وراء الربح؛ ولم يهرول وراء المعاصرة بمعناها الاستهلاكي وما تستدعيه من توجيه للفن نحو المتعة والمنفعة؛ بل ظلت أعماله في صلب الهاجس الاجتماعي والفني، وها هو يرحل اليوم تاركاً خلفه كل هذا الضوء.

سامر محمد اسماعيل

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...