غسان الرفاعي: المثقف بين البدانة والخجل

01-02-2010

غسان الرفاعي: المثقف بين البدانة والخجل

-1- أطلق الأستاذ الجامعي دانيال ليندلبريغ المعروف بثوريته النزيهة الرصاصة الأولى, وأصدر كتاباً سمّاه (دعوة إلى الانتظام) اتهم فيه المثقفين الفرنسيين (بالرجعية الفاسقة) بسبب مناهضتهم للثقافة الجماهيرية, ولحقوق الانسان, وروح ثورة 1968, وقبولهم الضمني للعنصرية, ومعاداة العالم الثالث من منطلق (التعالي الثقافي والمعرفي).

وقد سبق (رصاصة) ليندلبريغ توزيع الإعلانات عن (موت المثقف) والتبرع بتوزيع (نعيته) مجاناً, بعد أن أكدت مراكز الرصد ان أكثر القامات الثقافية قد استنفدت رصيدها, وخلدت إلى الصمت, بعد أن داهمتها الأحداث, واستغلق عليها فهمها وتحليلها. ‏

وكانت الأدبيات قد اكتشفت ان المثقف, بالمفهوم الشائع في القرن التاسع عشر, أي المثقف المرشد, الموجه, الذي يقتدى به كنموذج مثالي, قد سحب من التداول, وحل محله (الإعلامي) أو (مقدم البرامج الترفيهية) أو (الاختصاصي في الإعلان). ويبدو أن المجتمع المعاصر ـ وهو سجين العجالة المفرطة وسرعة القطاف ـ يقاطع كهنة الفكر ويفضل عليهم (الإعلاميين) بعد أن انقرض دور (الموجه الايديولوجي), وانطفأ الإيمان السياسي الملتزم. ‏

-2- ‏

ولكن المفكرين رفضوا هذا الطرح المتشائم, وحاولوا إثبات أن المثقفين مازالوا على قيد الحياة, وان هناك طلباً جماهيرياً متزايداً للاستماع إليهم, وقراءة ما يصدر عنهم. المشكلة ـ كما يراها أحد المتحذلقين ـ انه يتعذر على المثقف أن يحتبس في قارورتين: قارورة الرجعية, وقارورة التقدمية, وانه قد توجد في قواسم مشتركة ينبغي ابرازها, والتمسك بها, ولكن هذه القواسم تبدو مستحيلة, في المناخات السائدة, ولعل ما قاله الكاتب العنصري دانيال هوبيرك مؤلف كتاب (المنصة) الذي أثار ضجة كبيرة حين صدوره بسبب افراطه بالعنصرية, كاف لزعزعة هذه القواسم, إذ قال بفظاظة في مقال نشر في أسبوعية (لوبوان): (حينما أسمع أن هناك حواراً ثقافياً, يطيب لي أن اشارك فيه, ولكنني اشعر بالحاجة إلى التسلح بمسدسي. صدقوني, أنا على استعداد لاستخدام هذا المسدس حين الحاجة..). ‏

-3- ‏

مازلت أذكر ندوة دعيت إليها في اليونسكو حول (المثقف المعاصر), وما اثير فيها من مناقشات حادة, ومهاترات متوترة, حتى خُيل إلي, للوهلة الأولى, أن موضوعاتها لا تنطبق إلا على مجتمعات (التخمة والبطر), ولكن دراسة متمهلة تكشف ان المجتمعات التي تخوض معارك قاسية من أجل تحررها, وانعتاقها من الأغلال والأصفاد السياسية والاقتصادية, تعاني هي الأخرى, من ارهاقات وتوترات ثقافية, قد تكون مشابهة لما تعانيه المجتمعات المتخمة, وإن اكتسبت المعاناة أبعاداً مختلفة. ‏

أول الموضوعات التي احتدم حولها النقاش هو إصرار معظم المشاركين في الندوة على أن (المثقف الشمولي) الذي كان ينصّب نفسه مرشداً وموجهاً للمجتمع قد تغمده الله برحمته, وأن المجتمع لم يعد بحاجة إليه, بعد أن أصبحت الأمور تسير تلقائياً من دون حاجة إلى توجيه, وازدادت الحاجة إلى الاختصاصي, أو التقني. ويقول المفكر بول تيبو: (الشيء الجديد في مجتمعنا هو الاعتماد على التسيير الذاتي دون الاستعانة بكهنة التوجيه, الانسان المعاصر يتلقى أغذيته الحضارية من عدة مصادر: المعلوماتية توفر له كل شيء بشكل مدهش, ولم يعد بحاجة إلى (ايميل زولا) أو (تولستوي) ليقتدي بسلوكهما, وإنما هو بحاجة إلى مصلح تلفزيون, أو منظف بلاليع). هذا كلام فظ موجع, ولكنه يصور واقعاً يومياً, وما عاد من الممكن تجاهله, ويضيف (تيبو): (المفارقة, أن أحداً لا يحاسب منظف البلاليع على موقفه السياسي, ولكن الجميع يحاسبون المثقف, ويحملونه مسؤولية اقواله, فإن كان صريحاً عاقبوه, وإن استخدم التورية اتهم بأنه مراوغ رخيص..). ‏

-4- ‏

وثاني الموضوعات أن هناك انسداداً يصطدم به المثقفون في سعيهم إلى امتلاك الحقيقة, وقد يتعذر عليهم, حفاظاً على تماسكهم العقائدي أو الاجتماعي أن يحددوا المخارج المشروعة منه. كانت الحركتان المتخاصمتان قبل الحرب هما الانغلاق القومي والانفتاح الأممي, وقد تسبب ضيق أفق المتحمسين للحركتين بفواجع دويلات, ثم أتت حركتان متخاصمتان مختلفتان بعد الحرب هما (الانفلاش) الوجودي لـ(سارتر) والطغيان الماركسي, ما أحدث انشطاراً في المجتمع, تلاشى تدريجياً بعد أن وجد مفكرو الحركتين فجوات أو مخارج, أنقذت الجميع من كارثة مؤكدة. يتحدث الفيلسوف (المارق) فيلكر كراوت عن العنكبوت الذي ينسج شباكه من داخله, والنملة التي تجمع مؤونتها وتدخرها, أنه يختار أن يكون النملة, قائلاً: أنا لا أستطيع أن أتغذى من أحشائي, ولا بد من قوت خارجي, وهذا يوفره لي الناس, كل الناس... ‏

‏ -5- ‏

وثالث الموضوعات أن المأزق الذي يواجه قوى اليسار في أوروبا لا يلخص في انخفاض عدد الناخبين لممثليه ولكنه عائد إلى تحول جذري في العقلية المعاصرة وتبدل في الرؤية الثقافية, لقد تبنى المجتمع المعاصر قيم الاستهلاك والثروة والارتزاق وهذا صحيح في الغرب المتخم, كما هو صحيح في العالم الثالث المملق, خاصة في الدول الجديدة الصاعدة مثل الهند والصين, والبرازيل, إذ لا تكاد هذه البلدان تقترب من الحداثة حتى تتهالك على الاستهلاك والرفاه, إن الفقراء أو (البروليتاريا) في هذه البلدان يطمحون إلى الاغتناء السريع وإلى اقتناء المواد الاستهلاكية بغزارة, مثل الأغنياء, ويتخلون عن التضامن الطبقي. ‏

ولكن ما الذي تطرحه المثل التقدمية الاشتراكية؟ إنها ترفض هذا الانبهار بالاستهلاك, وتدعو إلى الزهد, والعودة إلى ما هو ضروري في الحياة, ثم إنها تطالب بالمزيد من التضحيات والتقشف, ولكن لا أحد يريد أن يبذل مثل هذا الجهد, وقد قدمت إيطاليا التي يحكمها برلسكوني النموذج الأمثل, إذ لا يخجل رئيس وزرائها من الدعوة إلى البرجزة, والبذخ, والاستهلاك, والتمظهر الجذاب. ‏

‏ -6- ‏

ورابع الموضوعات هو الولع الكوميدي بالانتخابات الرئاسية والتشريعية الموسمية, وهنا لا بد من القول: إن الانتخابات الديمقراطية قد تكون مثل (فزاعة فرانكشتاين) بالنسبة لبعض قادة الأنظمة ممن تعودوا أن يمارسوا الحكم المطلق وممن نجحوا في تحويل مواطنيهم إلى رعايا مذعورة, وقد تكون الانتخابات أشبه ما تكون ببابا نويل بالنسبة لجماهير الناس ممن يحلمون بحرية التعبير, وممن يطمحون إلى أن ينتزعوا حقهم في المشاركة والمساءلة, وقد تكون شبيهة (بمؤامرة امبريالية) تستخدمها مراكز الاستكبار والاستفراد لتبرير التدخل والاحتلال وتزيين التخلف القومي,ولكن الظاهرة الجديدة التي تحرج هي عزوف الجماهير عن الانتخابات وارتفاع نسبة المستنكفين ما يعتبر دليلاً على تآكل (الحيوية الديمقراطية وانحسار الوعي المدني) وتفتت التضامن الاجتماعي. ‏

المتشائمون يرجعون هذا العزوف المحير إلى تفشي الفردية الانتهازية, وشيوع الانحطاط المدني, وتفاقم الهم المعيشي, خصوصاً بعد أن سقطت الفراديس الشمولية, بكل ما كان يثقلها من عنجهية في التنظير الايديولوجي, وفساد في الممارسات العملية, وبعد أن انفضح أمر الديمقراطيات البرجوازية, وغرقت في لجج الفساد والعهر الاقتصادي, والاستبداد المالي, ولكن (الحكماء) يرون في هذا العزوف تطوراً لافتاً لا يخلو من الإيجابية, إذ إنه انتقال من الديمقراطية المستقطبة إلى الديمقراطية المتشظية. ‏

يبدو أن المواطنين يرفضون أن يكونوا ذرات في سديم انتخابي, إذ إنهم وجدوا بدائل للتعبير عن رغباتهم خارج صناديق الاقتراع, مثل التوقيع على العرائض, والانخراط في المسيرات, والتظاهرات, والاعتصام, والعصيان المدني, واللجوء إلى القضاء, وكما قال بيير روزا تفالون في كتابه (خرافة المواطن السلبي): يسعد المواطن أن يتقاعس, وأن يتخلى عن حقه الانتخابي, لا تهرباً من المسؤولية السياسية, وإنما لأنه يفضل أن يعلن عن خياراته بوسائل أخرى: كم هو جميل أن يوقع على عريضة احتجاج, كم هو مثير أن يهتف في مسيرة حاشدة, ثم إن العصيان المدني, أو الاعتصام في محطة مترو, أو الإضراب الشامل الذي يشل المرافق العامة, نشاطات رومانسية تذكرنا بحيويتنا. ‏

‏ -7- ‏

هموم مستوردة, قد تتصف بالبدانة, والترهل, وقد تكون من افراز (التخمة), ولكنها هموم قد تهاجر إلى أماكن أخرى, ومنها شرقنا الأوسط, الذي يعاني من كثرة (التصدير), لا عن حاجة, وإنما لأن المستكبرين طامعون به, وقد يكون من الحكمة تفحّص (البضاعة) المصدرة عنوة, فقد ننجح في وقاية أنفسنا منها. ‏

د. غسان الرفاعي

المصدر: تشرين


إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...