حلب: أم أحمد تعود من الفرن خاوية اليدين

08-07-2013

حلب: أم أحمد تعود من الفرن خاوية اليدين

تقف أم أحمد في طابور طويل أمام فرن مغلق، تنتظر كغيرها أن يفتح أبوابه لتعود إلى أطفالها ببعض الأرغفة تسكت بها جوعهم.
ترمق الطابور الطويل بنظرة بائسة وتقول «لليوم الثاني على التوالي نصطف هنا في هذا الطابور الطويل، بعضنا يقف منذ أكثر من ست ساعات، على أمل أن يفتح الفرن أبوابه». تصمت قليلاً، ثم تضيف «أطفالي جائعون، والدهم مات قبل شهرين، وهم ينتظرون بعض الخبز. أعجز عن جلبه لهم الآن».مسلحون يتجمعون استعدادا لمعركة مع القوات السورية في حي صلاح الدين في حلب امس الاول (رويترز)
أم أحمد ليست الوحيدة في حلب، المدينة التي أنهكتها الحرب خلال عام كامل، قبل أن تدقّ موجة جوع جارفة إسفيناً جديداً في نعش أهالي المدينة، الذين ضاقت بهم الشكوى فوقفوا في طوابير ينتظرون «الفرج».
يقول إبراهيم، وهو طالب جامعي متزوج، «فوجئنا، منذ أيام خلال ساعات الصباح الأولى، بأسواق حلب خاوية. معظم الأفران توقفت عن العمل، أما ما تبقى من خضار فقد تضاعفت اسعاره أربعة أو خمسة أضعاف». ويشرح «ربطة الخبز المدعومة حكومياً وصل سعرها إلى 300 ليرة سورية (دولار ونصف الدولار تقريباً) بعد أن كانت تباع بربع هذا السعر». وأضاف «على الرغم من ذلك فُقدت المادة بعد ساعات قليلة، حالها كحال بقية المواد الغذائية».
يعيد مصدر مسؤول في محافظة حلب نفاد المواد الغذائية والمحروقات في حلب إلى «قيام مسلحي المعارضة بقطع الطريق الوحيدة المؤدية إلى حلب (طريق حلب ــ دمشق الدولي)، وذلك بعد أن سيطروا على مدخل حلب الجنوبي، ما حال دون تمكّن التجار من نقل المواد الغذائية إلى المدينة».
وقال المصدر، «هذه الطريق كانت الوحيدة المتبقية المؤدية إلى حلب. كان يستخدمها التجار لنقل الخضار والفاكهة إلى المدينة، حيث تسبب قطعها بمنع وصول هذه المواد».
ويسيطر الجيش السوري على النصف الغربي الجنوبي من حلب فيما يسيطر مسلّحو المعارضة على النصف الشمالي الشرقي للمدينة، وهو ما يؤمّن لهم امتداداً إلى باقي مدن وقرى ريف حلب، كما يسيطرون على معظم مناطق ريف حلب الغربي والجنوبي. ولا يصل بين شقي حلب، الشرقي والغربي، سوى معبر واحد يقع في منطقة بستان الباشا، وهو أيضاً محاط بالقناصة. وبقيام مسلحي المعارضة بقطع مدخل حلب الجنوبي (الذي سيطروا عليه الأربعاء الماضي) أحكموا حصارهم على نصف المدينة الخاضع لسيطرة الجيش السوري.
وفي الوقت الذي يعاني فيه سكان الجزء الغربي الجنوبي من حلب من فقدان المواد الغذائية، ينعم سكان المناطق التي تسيطر عليها المعارضة بأسواق عامرة، حيث لم تسجل أية حالة نقص لمواد غذائية، في مشهد فيه من الظلم ما يكفي لاستنهاض صرخة دولية لإيقاف سياسة التجويع التي تنتهجها «جبهة النصرة» في التعاطي مع أهل المدينة العريقة، الذين رفضوا دعم هؤلاء، وهم اليوم يدفعون حياتهم ثمناً باهظاً بسبب مواقفهم. وفي المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في حلب سوقان كبيران للمواد الغذائية، في مدينة مارع (شمال مدينة حلب)، ومدينة الباب (شمال شرق حلب)، تُباع فيهما الخضار والفواكه والمواد الغذائية لباقي مناطق حلب الخاضعة لسيطرة المسلّحين.
وبيّن مصدر معارض، أن «قيادات الجماعات المسلحة في حلب أصدرت تعميماً يقضي بمنع وصول أية مواد غذائية إلى النصف الخاضع لسيطرة الحكومة السورية، في محاولة لإخضاع هذا الجزء لسيطرتهم عن طريق الحصار الاقتصادي»، موضحاً أن مفاوضات تجري في الوقت الحالي لفك هذا الحصار، خصوصاً مع النقص الكبير في المواد الغذائية، والذي «زاد من كره الحلبيين لمسلحي المعارضة وإضعاف الحاضنة الشعبية لهم».
من جهتها، أعلنت مصادر حكومية أنها أرسلت قافلتي مساعدات غذائية إلى مدينة حلب، في تحرك أولي لتلبية حاجات المواطنين. وهو تحرك رأى مواطنون أنه «متأخر جداً وغير كافٍ»، وهو ما عبّر عنه عضو مجلس الشعب السوري عن مدينة حلب بشر يازجي بقوله «على الحكومة أن تتحرك بشكل أوسع، عليها أن تعالج المشكلة لا أن تعطي مسكنات، فهذه المعونات لا تحل المشكلة، عليها إما أن تفتح الطريق أو أن تخلق سوقا حكومية تلبي حاجات المواطنين».
وتابع يازجي «بالرغم من كل الدمار والخراب والسرقة التي لحقت بحلب، إلا أنها لا تزال صامدة. على الحكومة أن تعي ذلك تماماً، وعليها أن تولي هذه المدينة جلّ اهتمامها، لا أن تشاهد أبناءها يعانون الجوع عدة أيام لتقوم بإرسال بضعة قوافل مساعدات لا تكفي قوتاً سوى لأيام معدودة. يجب أن يكون حل الحكومة جذرياً».
ورأى يازجي أن الوضع المأساوي للمدينة «قد يشكّل فرصة لكل من حمل السلاح ليصحو ويعود إلى حضن الوطن ويكون في الجبهة الأولى لفك الحصار عن حلب»، معتبراً أنها «فرصة أيضاً لكل المغتربين والتجار والصناعيين في سوريا للعب دور إيجابي، ولو بالبيع بسعر الكلفة لأبناء مدينتهم، كما أنها فرصة للحكومة لتثبت فعلاً أن حلب على رأس أولوياتها، وأي إهمال وتقصير متعمد ستحاسب عليه».
يستغرب مواطنون في حلب اكتفاء الحكومة بإلقاء اللوم على المسلحين «الذين قطعوا الطريق عند مدخل حلب الجنوبي» في ظل وجود طريق آخر آمن يصل ريف محافظة حماه بمدينة السفيرة شرق حلب، ومنها إلى مدينة حلب، وهو «طريق آمن حسبما أكدت الحكومة في أوقات سابقة».
ويبدو لافتاً تجاهل المعارضة السياسية السورية لحصار حلب، إذ لم يصدر أي تصريح أو بيان يوضح موقفها من حصار المدينة، باستثناء «تيار بناء الدولة السورية»، الذي اصدر بياناً اكتفى فيه بـ«شجب» حصار حلب، وحمّل «طرفي الصراع مسؤولية هذه الأزمة»، معتبراً أنها «نتيجة لعسكرة الأزمة وخوض معارك عبثية».
ترمق أم أحمد الطابور الطويل، وقد بدا على وجهها التعب. تسير بخطى مثقلة وبيدين خاويتين، وتقول «قبل أن أخرج من المنزل طلبت من أطفالي الدعاء إلى الله، فدعاء الأطفال لا يرد، وها أنا أعود خاوية اليدين، حاسب الله من كان السبب».

علاء حلبي

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...