المهاجران ليست سوى «صحن فلافل وضع أمام جائعين»

04-05-2009

المهاجران ليست سوى «صحن فلافل وضع أمام جائعين»

رغم كل الكلام الجميل والإجماع الذي حصده «المهاجران» في أنه العرض الأهم خلال الماضي من السنين الكثيرة في إنتاج المسرح السوري، وربما القادم منها، إلا أن محمد آل رشي يعتبره عملاً عادياً، ولكن يشبه صحن فلافل وضع أمام جائعين، والسر فيه يعود إلى صدق التعامل مع هذه التجربة وصدق التعامل مع المسرح الذي حمله كل من اشتغل بالعمل، حين تماهت الحدود بين المخرج سامر عمران والممثل محمد آل رشي والدراماتورج أسامة غنم لدرجة أن أحداً لن يستطيع القول إنه وراء إنجاز «المهاجران»، والفضل كما يقول «آل رشي» يعود إلى هاجس سامر عمران في تقديم عمل مسرحي حقيقي «فكنا ورشة عمل جماعية كل من فيها ند للآخر»، متمنياً أن تصبح هذه الطريقة آلية عمل في المسرح السوري. وحتى لا يكون ما اشتغلوه حالة استثنائية أو طفرة. يخوض اليوم محمد آل رشي وأسامة غنم تجربة جديدة ولكن مونودراما عن نص أعدوه من قصة اسمها «الأب» للكاتب «هايلر ميلر» ومسرحية «كراب» لصاموئيل بيكيت، يشتغلون فيها على التجريب في مستويات أخرى من التلقي، والنصان من اقتراح المسرحي أسامة غنم الذي أحس بأن هذه الشخصية تتقاطع مع شخصية محمد آل رشي. 
 ما الذي أقنعك للدخول في تجربة المهاجران؟
التحدي بوجود شخص كسامر عمران وآخر كأسامة غنم لأن نكسر القناعة الموجودة عن المسرح الذي لديه أكثر من عقبة، أهمها الكسل والإحباط الذي يعيشه الكثير من المحمد آل رشيناس الموهوبين الموجودين. ومن شاهد مشروع تخرج السنة الرابعة في المعهد العالي للفنون المسرحية فسيعرف حجم المشكلة العلمية التي يواجهها المسرح، لأن القائمين على تعليمنا هم أناس غير مثقفين على الإطلاق من المعيب ألا تملك سورية إلا أسامة غنم واحداً، نحن بحاجة إلى مئة يشبهونه.

ما الذي خرجت به بعد المهاجران؟
بعد المهاجران عرفت أن الترجمة هي مصيبة كبرى. عندما كنا نقرأ كنا نظن أننا نحن الذين لا نفهم، لكن اكتشفنا أن الترجمة هي سبب عدم فهمنا، لم أعد أومن بالترجمة على الإطلاق، ولم نصل إلى روح المهاجران إلا بعد أن أتينا بالنص الذي ترجمه سامر عمران من البولونية والنص الإنكليزي والفرنسي، وهذا يضعنا أمام مشكلة أخرى هي عدم وجود مترجمي مسرح، صار عندي تشكيك بأي نص مترجم وإذا أردنا أن نصنع عملاً أجنبياً يجب أن نقرأ النص بنسخته الأصلية فكلمات بسيطة تخص مجتمعاً ما مثل «شباك فتت بالحيط» قد يظنها الإنكليز شيئاً ميثولوجياً أو أسطورياً إذا ما قرؤوا الترجمة، مثل هذه الحوادث تصنع كوارث عند الممثلين والمخرجين، واكتشفت لماذا يقرر المخرجون التخفيف من النص، فهم على الأغلب لم يكونوا فهموا الترجمة وبهذا التخفيف قد يحذفون أفكاراً مهمة من العمل.

ما السر وراء الإجماع على نجاح «المهاجران»؟
فكرة المهاجران هزت المسرحيين قبل المشاهدين، لأنها مسرحية قدمت من دون استعراض للتكنولوجيا، وفي مكان بسيط، لم يكن فيها إبهار مدة ثلاث ساعات في ظروف قاسية للجلوس، أعتقد بأن هذا دليل على أنه عندما نقدم سيئاً حقيقياً يصل بشكل حقيقي.

قدمتم نموذجاً عن أهمية عمل الورشة في المسرح؟
كان من الممكن أن أترك قبل أن نبدأ لأنني أحسست بأن النص كوميدياً سمجة، ولكن عندما بدأنا بالعمل نحن الثلاثة فكان أول شيء فعلناه إزالة كل العوائق الممكنة التي قد تكون بيننا كأفراد، وباشرنا العمل بمنطق الورشة والندية، ووصلنا إلى نتيجة كنا جميعاً فيها شركاء لا أحد يدعي أنه صاحب العمل، سامر هو صاحب الفكرة وأتى بنا، بعدها لم نعد نميز عندما عجنا مع بعضنا بعضاً، أيضاً مع محمد قزق ورامي فرح، ولو أن دورهم أخف «شوي» لكن كنا نسمع رأيهم، على عكس ما نراه حين تسيطر الديكتاتورية والأنانية الفارغة على علاقة المخرج بالممثلين، في مخرجين «متخرجين مبارح» لا يسمحون للممثل بالتدخل وهذا يؤخر الإبداع وكان باستطاعة سامر أن يقول بسهولة «لو سمحتوا أنا المخرج» ولكن عندها كان سيحصل كارثة.

تكلمت عن أهمية الدراماتورج الذي يتم التعامل معه لأول مرة في تاريخ المسرح السوري؟
في البداية كنت أظن أن عمله هو مراقبة البروفات وسيتكلم معنا بالعموم عن فكرة النص، أي جلسات تنظيرية، أنا لست ضدها. بدأنا بالعمل وفي أول جلسة تكلم أسامة لمدة ساعتين متواصلتين «لم نستطع أن نفتح فمنا».. حكى عن أجواء فرنسا سياسياً في تلك الفترة وما معنى أن يذهب مثقف يساري إلى البلاد الحرة وكيف سيفرض عليه أن يقول ما تريده الدولة التي أمنت له اللجوء، وكيف كانت السينما والفن التشكيلي في ذلك الوقت ورأينا أفلاماً عن تلك الفترة، تفاصيل كانت ممتعة جداً خاصة أن أسامة كان على علاقة مع السياسيين في فرنسا وحكى لنا عن الكاتب نفسه الذي كان يسارياً هارباً في فرنسا وعاش فترة فيها ثم هاجر إلى المكسيك وعاد بعدها إلى بولونيا. صار عندنا كم هائل من التفاصيل والحقائق لتلك البيئة فأصبحنا نشم ونرى ونحس ونتأثر، وأثناء ذلك كانت تتكسر الحواجز بيننا نحن الثلاثة وهو ما أوصلنا إلى هذه النتيجة، ولكن كل واحد كان له عمل أنا أعمل على الحوار وسامر على المشهدية وأسامة يجرنا للواقع ولمنطق الشخصية فكان كل منا محاطاً بالأمان والثقة.

إلى أي مدى يمكن للمهاجران التأثير في موجة الاستهلاك والسطحية التي يقدمها المسرح؟
هذا المسرح من الطبيعي أن يكون موجوداً لكن نحن لم نكن موجودين، المهاجران «طلعت» نتيجة الإحباط، سامر عمران كان لديه هاجس طول الوقت بالمسرح، وعندما قرأت النص تعاملت معه على أنه فرصة أنانية لي كي أثبت وجودي، ولم أنظر إليه من منطلق أن المسرح قضيتي، وكلانا كان يهدف إلى أن نكون حقيقيين في هذا العم، وكان بإمكاننا أن نقدم عرضا مملوءاً بالكوميك والتقفيل والضحك، لكن ليس هذا ما نريد، ورغم وجود الكلام البذيء في العمل مثل المسرح التجاري وأكثر، لكن كيفية استخدامه هي التي جعلت منه كلاما في السياق وابن الموقف ولحظته ولم يأت لأننا نريد أن نضحك المشاهدين به، الناس ترى كل شيء وتريد أن تضحك لكن في الوقت نفسه تذهب للمهاجران، الجمهور ليس لديه مشكلة فهو يشاهد كل ما يعرض له.

إلى أي درجة كنت قريباً من الشخصية التي أديت دورها؟
إلى درجة أنه أصابني المرض الفيزيولوجي نفسه الذي أصابه، فعانيت من وجع بالمفاصل وصار عندي رجفة، يجب ألا نستسهل الموضوعات والوقت نفسه ألا نصعبها، كنا نعمل على تفاصيل صغيرة مملة ولكن هي مهمة جداً في رسم اللوحة كاملة، كلما اشتغلنا على التفاصيل وتعبنا نجحنا، ولكن ذلك أيضاً بحاجة إلى مخرج عنده رؤية وذوق كما سامر عمران الذي وقف عائقاً دون إخفاق المشروع الذي كان معرضاً للفشل في أي لحظة.

كيف تمكنتم من عزل أنفسكم عن الجمهور المحيط بكم؟
إحاطة الجمهور كانت مخيفة لكنها أتاحت قوة التركيز بيني وبين شريكي، وخلقت طاقة رهيبة بيني وبين سامر وبيننا وبين الجمهور الذي كان يمررهذه الطاقة إلينا، في لحظات الصمت بعد لحظة قوية كنت أحس وكأنني قريب من خزان كهرباء ضخم وكنت أحس كيف ينتقل هذا الضغط بين المشاهدين، في البداية كان يخيفني ولكن بعد ستين عرضاً تحول إلى متعة هائلة ولو أنه متعب جداً، أنا وسامر دخلنا المشفى ولولا المتعة ما كنا لنتحمل كل ذلك.

كان العمل الأقل كلفة والأنجح بين عروض الأمانة؟
وصلت الكلفة إلى مليون ونصف المليون ليس لأن الديكور لم يكن مكلفاً، ولكن لأن سامر ليس «حرامياً» ولا نريد أن نغتني من هذه المسرحية كان أجري مئتين وخمسين ألف ليرة سورية لستة عروض وهذا رقم «كويس».

كان واضحاً تأثرك بزياد رحباني؟
لم أكن أريد أن أضحك على الشخصية، كنت أريد أن أعيشها لأعرف معاناتها، فهو كل سنة يقرر العودة إلى بلده لكنه لا يفعل، كل الشخصيات بالحياة درامية، مذكرات زبال هي بنفس أهمية مذكرات تشيرتشل إذا امتلكت التفاصيل وإذا لم نتعاط معها بسياحية من الخارج، بحثت دائماً في آلية تفكير زياد رحباني فالكثير من الكلام الذي يقوله «كليشيهات» إلا أنه بالغ التأثير، أعتقد لأنه يرى الأشياء دائماً بحيادية وبشكل موضوعي فيبني عليها ويستخدمها لتأتي في مكانها الصحيح، وما يراقبه زياد في الحياة يظل يحفر في رأسه طوال الوقت فقط ليصل بنا إلى نتيجة مفادها سؤالان: لماذا وكيف؟ «طلعت دورية عصفورين» نحسها أغنية بسيطة ولكن ليس إذا ما وصلنا للقفلة «أنا علقان بنفس الغرفة مفكر حالي أفلاطون»، البساطة والتكثيف هما ما يميزان زياد الرحباني.

فاديا أبو زيد

المصدر: الوطن السورية

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...