الفصائل حائرة من «المخالعة» بين «النصرة» و«القاعدة»

30-07-2016

الفصائل حائرة من «المخالعة» بين «النصرة» و«القاعدة»

الإفلاس وانسداد الآفاق والخشية من المجهول القادم، كلّها عوامل تقف وراء افتعال مسرحية فك الارتباط بين «جبهة النصرة» و «تنظيم القاعدة». تنازلٌ مؤلم اضطر الشق القاعدي من «الجهاد العالمي» إلى تقديمه على مذبح الضغوط والتطورات، من دون أن ينتظر أي مقابل. فهو قام بخطوته الفريدة، وأمله الوحيد أن تبقى الأمور على حالها وحسب، ليس مطلوباً أن تتحسن، المهم ألا تسوء أكثر.ظهر الجولاني للمرة الأولى كاشفاً عن وجهه، ومرتدياً الطربوش والعمّة الشامية وبزة عسكرية (أ ف ب)
المسرحية كانت فاشلة بكل المقاييس. فإلى جانب التناقضات الشكلية والموضوعية، كان السيناريو والإخراج مفعمَين بالثغرات. وما زاد الطين بلّة، سوء أداء الممثلين. ومن دون التوقف عند انقلاب الزعيمَين الجولاني والظواهري على مواقفهما السابقة الرافضة لفك الارتباط وتشكيكهما بجدواه، تبقى تساؤلات كثيرة من قبيل: كيف يمكن قبول أن تظهر خطوة الجولاني كأنها مجرد تنفيذ لأمر صدر له من زعيمه الذي يريد الخروج من عباءته؟ ثم يُشدد على أن الخطوة هي اقتداء بنهج أسامة بن لادن زعيم «القاعدة» الراحل الذي كان ولا يزال أحد أهم رموز الإرهاب في العالم؟ وفوق ذلك يتقدم بالشكر إلى قيادته التي سمحت له بفك الارتباط، وكأنها مخالعة بين زوجَين اضطرا للجوء إليها لاتقاء ملاحقة المحاكم لأموال الزوج؟
 وقد بدت السذاجة، أو ربما اللامبالاة، في أبهى صورها، من خلال إظهار أبي الفرج المصري، أحد مؤسسي «القاعدة» وأبرز مطوري فكرها وعملها، جالساً إلى جانب الجولاني وهو يلقي بيان الانفكاك عن التنظيم الذي يمثله الرجل؟ كما كان من المفارقات اللافتة أن تنعى «النصرة»، في اليوم الأول بعد انفصالها الشكلي عن «القاعدة»، القيادي من جنسية سعودية أبو ثابت الجزراوي جراء استهدافه بغارة جوية، وهو ما يفتح الباب أمام سيل من التساؤلات حول مدى انسجام وجود كتلة من «المقاتلين الأجانب» تقدر بحوالي ثلث عدد مقاتلي «النصرة»، مع التسمية الجديدة لتنظيم الجولاني «فتح الشام».
لعلّ الجولاني، وهذا غير مستبعد، لم يكن نفسه يُصدق جدية الخطوة التي يقدم عليها، لذلك لم يكن معنياً بكل تلك التفاصيل التي تظهر مدى هشاشتها وسطحيتها.
ومن التناقضات الكاشفة لمدى وطأة الإفلاس الذي تشعر به «النصرة» و«القاعدة»، أن كلا الطرفين شدّد على أن السبب الوحيد لإلغاء الارتباط التنظيمي هو «اتحاد المجاهدين»، فكان ينبغي والحال كذلك أن يكون ثمة مشروع وحدوي يجري العمل عليه ولم يبقَ عائق دونه إلا فك الارتباط. لكن أين هو هذا المشروع؟ ومع أي فصيل أو جهة؟ ولماذا التسرّع في إعلان الانفكاك على هذا النحو القاهر، وليس هناك سبب «وحدوي» موجب؟ وكيف يفسر الجولاني دعوته للاتحاد بعد فك ارتباطه مع «القاعدة» وهو الذي عرقل قبل أشهر مشروعاً ضخماً للتوحد بين الفصائل وكانت الذريعة عدم قبوله بفك الارتباط ثمناً لذلك؟
 لا شك أن هذه الأفكار والأحداث كانت تدور في رؤوس قادة الفصائل وهم يستمعون إلى الجولاني محاولاً قلب معادلة الحرب السورية بأقل من خمس دقائق. لذلك كان من الطبيعي أن تأتي ردة فعلهم عليه مفعمة بالقلق والتساؤلات والشكوك. وما جعل ذلك بحكم المسلمات، بعضُ المواقف الدولية التي كانت بمثابة رسائل واضحة لمن يعنيه الأمر، ومفادها أن «جبهة النصرة» موضوعٌ لم يعد قابلاً للنقاش، وعلى رأسها الموقفان الأميركي والتركي.
وعليه، أكّد رياض نعسان الآغا، المتحدث باسم «الهيئة العليا للمفاوضات» أن خطاب فك ارتباط «جبهة النصرة» عن تنظيم «القاعدة» جاء «متأخراً»، ويوحي بتغير الإسم فقط، خاصة أنه لم يوضح الموقف من مدنية الدولة». وأضاف في تصريحات صحافية أدلى بها، أمس، أن «أمر فك الارتباط لم ينل قبولاً لدى المجتمع الدولي لتأخره».
أما «جيش الإسلام» الذي يعد من أول الفصائل التي اصطدمت مع «النصرة»، حيث كان مسؤوله الشرعي قد وصف الجولاني «بالشاب المتمايع الذي يرتدي الجينز» منذ العام 2012، فقد رحّب بخطوة فك الارتباط، لكنه اعتبرها غير كافية. وطالب محمد علوش، عضو المكتب السياسي وكبير «المفاوضين» السابق، بـ «فك الارتباط المشاريعي الفكري والمنهجي والعملي وتبني مطالب الشعب السوري لا غيره»، في إشارة إلى أن التغيير شكلي ولا يطال نهج «جبهة النصرة» الذي سيبقى قاعدياً. كذلك أبدى قائد «ألوية الفرقان» شكوكه حول خطوة الجولاني ومدى جديتها، فقال إن «كان هذا القرار المتأخر بمثابة مصالحة مع أبناء سوريا، فإننا بانتظار ما هو أهم من ذلك وأمرّ».
في هذه الأثناء، لا تزال «أحرار الشام» تلتزم الصمت إزاء إعلان الجولاني التخلي عن إسم «القاعدة»، ولم يصدر عنها بيان رسمي يبين موقفها تجاه الخطوة، إلا أن بعض قادة الحركة أعربوا عن ترحيبهم بها مع بعض التحفظات، في حين ركّز أبو العباس الشامي مسؤولها الشرعي الأسبق، على الموقف الأميركي الرافض لفك الارتباط، ورأى فيه محاولة لـ «الدفع بتيار الغلو إلى الواجهة، ورفض أي مبادرة إصلاحية أو مراجعات جادة»، لافتاً إلى أن هدف واشنطن قد يكون خلق «داعش» آخر في الشمال السوري. لكن الشامي، المعروف بدهائه وببغضه المستجدّ لتنظيم «القاعدة»، استغل ذلك لمطالبة «جبهة النصرة» بمزيد من المراجعات، في محاولة منه على ما يبدو لإبعادها أكثر عن تنظيم «القاعدة».
ويعد موقف «أحرار الشام» شديد الحساسية بسبب شراكتها مع «النصرة» في السيطرة على محافظة إدلب، لذلك من المتوقع أن تستمر في الصمت أو تتجه نحو اتخاذ موقف متفهم لا تصادم فيه.
وفي وقت متأخر من مساء أمس، كاد الداعية السعودي عبد الله المحيسني قاضي عام «جيش الفتح» ان يلخص حقيقة المأزق الذي تمرّ به «جبهة النصرة». اذ توّسل بما تعنيه الكلمة من جميع الفصائل اصدار بيانات لمباركة خطوة فك الارتباط، مشيراً الى حالة الخمول وعدم الاهتمام التي طغت على ردود الافعال.
لكن المحيسني كشف انه سيعمل مع بعض طلاب العلم من اجل توحيد الفصائل وجمعها في كيان واحد، وافق من وافق ورفض من رفض، مشيراً الى ان ذلك سيحرج الفصائل امام اهل الشام.

عبد الله سليمان علي

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...