البرامـج الـدينيـة إرشـاد وسيـاسـة وتطـرّف

06-10-2012

البرامـج الـدينيـة إرشـاد وسيـاسـة وتطـرّف

شهد الفضاء العربي في السنوات الأخيرة انتشاراً سريعاً للقنوات ذات الطابع الديني الصرف، ترافقت مع طفرة واضحة في البرامج الدينية. خلال الفترة الأخيرة، لاحظنا تحوّلاً في مسار بعض هذه البرامج، التي كانت تعطي الأولوية للشؤون الاجتماعية انطلاقاً من أحكام الشريعة. فمع الأحداث الأخيرة في العالم العربي، انصرفت تلك البرامج إلى الشؤون السياسية المتماهية مع الدين، فأصبحت في كثيرٍ من الأحيان منبراً للتضليل وللتحريض. فيما ظهرت برامج أخرى شكّلت، على قلّتها، مساحةً للنقاشات الجادّة.
في مرورٍ سريع على التلفزيونات اللبنانية، تبدو البرامج والفقرات الدينية شبه غائبة، إن استثنينا تلك المتخصصة في الدين كـ«تيلي لوميير» أو على تلك العقائدية كـ«المنار». على هذه الأخيرة، تكثر البرامج الدينية، وتنقسم إلى أنواع، بينها برامج الأدعية والصلاة، وأخرى اجتماعية كبرنامج «آداب السلوك». أما برنامج «في رحاب التقريب»، فيجمع السياسي بالديني، عبر محاولته التقريب بين مذاهب الإسلام، وخصوصاً بين الشيعة والسنة. وتقوم فكرة البرنامج الذي يقدمه محمد دكير على استضافة رجال دين متنورين من الجهتين، لتوضيح مكامن التقارب بين الفرق التي فرّقتها السياسة منذ القدم، والتي اشتدت الخلافات بينها في السنوات الأخيرة.
من جهتها، ورغم الصبغة «المدنيّة» التي تحاول الحفاظ عليها، تعرض قناة «أن. بي. أن» برنامجاً دينياً، وهو «مسلكيات» مع الشيخ أحمد طالب. البرنامج الذي يتناول مواضيع عن الفرد والعائلة والمجتمع، لا يحظى بنسبة مشاهدة عالية كما يظهر على «يوتيوب»، باستثناء حلقة بعنوان «نصائح لحياة زوجية سعيدة»، حصدت النسبة الأعلى من المشاهدة، كغالبية المقاطع الدينية المقترنة بالزواج والجنس التي يتمّ تحميلها على الشبكة.
يتفادى تلفزيون «المستقبل» من جهته الخيار الديني في برمجته، إلا خلال شهر رمضان. وابتعاد القناة بما تمثّله عن هذا الخيار، مفهوم نوعاً ما، خصوصاً أنّها تحاول إبعاد شبهات التشدُّد الديني عنها منذ زمن. ثمّ ان جمهور القناة غير العقائدية، هو خليطٌ من فقراء وتجار وليبراليين. لهذا، تتجنب «المستقبل» الخطاب الفئوي الديني الصريح، وتنصرف إلى الدعاية السياسية التي ترضي هذه الأطياف.
وإن كانت القنوات اللبــنانية الأخرى تغيّب عن جدولها البرامج الدينية، فإنّ معظمها بات متمرساً بخلط الدين بالطائفية وبالمذهبية خدمةً للخطاب السياسي. على سبيل المثال لا تكاد تمرّ نشرة أخبار على قناة «أم. تي. في.»، من دون تقارير دينية عن الأديرة والكنائس والقديسين في لبنان. ولا تزال المحطات المحســوبة تاريخياً على «الشارع المسيحي»، تتنافس ضمناً على «من هو مسيحــي أكثر». فإلى جانب قدّاس الأحد الصباحي، ظهرت هذه المنافسة بوضوح في التغطية والمواكبة الخاصة لزيارة البابا إلى لبنان، التي شاهدناها على «أم. تي. في.»، و«أل. بي. سي.»، و«أو. تي. في.». وفي المحصلة المحلية تــكون قناة «الجديد» و«تلفزيون لبنان»، القناتين الوحيدتين اللتين لا تقدّمان أي برنامج ديني ولا تقترب من هذا الشأن، إلا في الأعياد.
على المستوى العربي، تقدّم قناة «الجزيرة» برنامجاً دينياً وحيداً، وهو برنامج الشريعة والحياة. البرنامج الذي يقدمه عثمان عثمان، نستطيع ملاحظة كيفيّة تغيّر مساره في السنوات الأخيرة من الاجتماعي إلى السياسي. فمن فيديو لحلقة مع الشيخ المصري محمد حسان تتعلق بالزواج حصلت على نسبة مشاهدة على «يوتيوب» تتخطى السبعين ألفاً، وحلقة أخرى عن الحجاب حصدت شعبية كبيرة، تحوّل البرنامج إلى مواضيع متعلّقة بالربيع العربي، منها الثورة السورية، و«التيار الشيعي المستقل في لبنان»، حين كان ضيف الحلقة السيد محمد حسن الأمين. ويبقى المقطع الحاصل على أكثر تعليقات على «يوتيوب»، وهو الذي يستضيف فيه البرنامج رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين يوسف القرضاوي، حين اتصل مواطن سوري من مدينة القصير في حمص ليبلغ عن اشتباكات عنيفة بين الجيش الوطني السوري والجيش السوري الحرّ، خارجاً عن سياق الحلقة والاتصالات. وتساءل من رفع المقطع على «يوتيوب» مستغرباً: هل من تتعرَّض مدينته للقصف والاشتباكات يتّصل على برنامج «الشريعة والحياة»، ليستنجد بهم؟
وما نلاحظه في الفترة الأخيرة «تفريخ» قنوات إسلامية، ذات خطاب متطرّف، مثل قناتي «وصال» و«صفا»، وهما القناتان اللتان كانتا منبراً لخطابات الشيخ عدنان العرعور عبر برنامج خاص به، يبثّ على القناتين بعنوان «ماذا يريد الشعب السوري»، واللتين جُندتا «للردّ على شبهات المغرضين وأباطيل المضللين من أصحاب الفرق والمذاهب الهدامة»، كما تعرف عنهما المواقع الإلكترونية. في هذا الوقت، نرى برنامج «أ ل م» يقدّم نقاشاً رصيناً حول القضايا الإسلامية المعاصرة من موقع معتدل. تطرّق البرنامج الذي انطلق مع انطلاقة قناة «الميادين» في حزيران الماضي، ويقدّمه الدكتور يحيى أبو زكريا، إلى مواضيع في السياسة والدين والحضارة، مثل حكم الإسلاميين في تونس، الفتاوى والتكفير، عوامل السقوط الحضاري في العالم الإسلامي، وغيرها من المواضيع السجالية.
وفي وقتٍ تنهمك فيه بعض القنوات الإسلامية المتطرّفة في تغذية النّعرات بين المذاهب الإسلامية وتعميق الهوة بينها، تنتشر قنوات مسيحية متطرّفة تنهمك بدورها في تعميق الخلافات مع الإسلام والمسلمين، كقناة «الحياة» التي تبثّ من مصر بالشراكة مع منظمة «جويس ماير التبشيرية»، والتي لا تنفكّ تهاجم الإسلام على الهواء منذ سنوات.
في ظلّ هذه المناخات الإعلامية غير المسؤولة والتي تفتقد بالحدّ الأدنى الجدّية، تسجّل قناة «الميادين» علامة فارقة، إذ كانت سبّاقة في عرض برنامج يحاكي مسيحيي الشرق في مرحلة من التحول السياسي الذي يمسّهم مباشرةً، فخرجت القناة ببرنامج «أجراس المشرق» من إعداد وتقديم غسان الشامي. ويقول الشامي في اتصال مع «السفير»، إن «أجراس المشرق» لا يندرج في إطار البرامج الدينية، «فهو يتابع الشأن الحضاري والتاريخي والثقافي للمسيحيين المشرقيين، ولا يتدخل بالشأن الديني أو اللاهوتي، وفيه ضيوف علمانيون ورجال دين مسلمون، ويتكلّم في جزء منه عن الحوار بين المسيحيين والمسلمين خارج إطار التكاذب».

جوي سليم

المصدر: الأخبار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...