الإشارات المتعاكسة للانسحاب التركي المفاجئ من شمال العراق

04-03-2008

الإشارات المتعاكسة للانسحاب التركي المفاجئ من شمال العراق

الجمل: جاءت عملية الاقتحام العسكري التركي لشمال العراق ضمن سياق يرتبط بتوجهات السياسة الخارجية التركية الإقليمية والدولية ومدى تطابقها مع الثوابت الدستورية التركية وتوجهات الرأي العام التركي الرافضة لوجود أي كيان كردي خارج الإطار الجيوسياسي التركي.
* الإشارات المتعاكسة للانسحاب التركي المفاجئ:
برغم تأكيد رئيس الأركان التركي والسلطات التركية القائلة بأن عملية الانسحاب كان مخططاً لها بشكل مسبق، وليس لها أي علاقة بضغوط الإدارة الأمريكية وزيارة روبرت غيتز وزير الدفاع الأمريكي إلى تركيا، فإن ثمة تساؤلات تلقي المزيد من الشكوك على مصداقية التصريحات الرسمية التركية:
• ما هي الأهداف التي حققتها القوات التركية داخل شمال العراق؟ والإجابة: لا شيء يذكر، لأن كل خسائر حزب العمال الكردستاني لم تتجاوز 150 عنصراُ من إجمالي عدد قواته البالغ حوالي 5 آلاف عنصر.
• تكاليف العملية العسكرية التركية أكبر من حجم الفوائد التي حققتها.
• عندما ترسل الحكومات جيوشها وتقوم باحتلال الأراضي بالقوة، فإنها لا تنسحب إلا بموجب اتفاقيات واضحة، يملي فيها الطرف الأقوى شروطه على الطرف الأضعف. ولما كانت تركيا هي الطرف الأقوى في حرب شمال العراق فما هي الاتفاقية التي سحبت بموجبها أنقرة قواتها؟ والإجابة: حتى الآن لا توجد أي اتفاقية صريحة لها إلزامية قانونية واضحة تحدد الالتزامات والواجبات بين بغداد وأنقرة، وحتى لا توجد أي وعود لأنقرة لا بواسطة واشنطن ولا بواسطة بغداد.
* اقتحام عسكري أم "انقلاب قصر":
يستخدم مصطلح "انقلاب القصر" في التحليلات السياسية ليصف العملية الانقلابية الصورية التي يقوم بها النظام من أجل إطالة أمد بقائه في السلطة. وبالنسبة لعملية الاقتحام العسكري التركي لشمال العراق، فإنها أدت لنتائج تتشابه في كثير من الوجوه مع صيغة "انقلاب القصر":
• الرأي العام التركي كان يطالب باقتحام شمال العراق، وقد نفذت الحكومة التركية المطلب ولكنها لم تحقق الأهداف.
• الجيش التركي كان يطالب باقتحام شمال العراق وقد نفذت الحكومة مطلبه ودفعته إلى شمال العراق، ولكن قيادة الجيش التركي قررت الانسحاب لأن "الأهداف قد تحققت". بينما تقول كل الحسابات العسكرية ويعرف كل الجنود الأتراك الذين ذهبوا إلى شمال العراق بأنه لم يتحقق شيء لأنهم بالأساس لم يواجهوا أي شيء.
• كانت واشنطن ترفض اقتحام شمال العراق، وكانت أنقرة تعتمد على الاقتحام وقد تم تنفيذه بحيث لم تخسر أمريكا شيئاً ولم تكسب أنقرة شيئاً، وكل ما هنالك أن علاقات أنقرة – واشنطن سوف تتحرك إلى ملف جديد بعد أن تم إغلاق ملف شمال العراق بالعملية العسكرية التي تمت ضمن سيناريو "التراضي".
* سيناريو "التراضي" وحسابات الفرص والمخاطر:
على خلفية إسدال الستار على الاقتحام العسكري التركي لشمال العراق والطريقة الدراماتيكية التي تم بها إصدار وتنفيذ قرار الانسحاب نشير إلى الحسابات الختامية الآتية:
• أنقرة: استغلت فرصة التأييد في الشارع التركي ومطالبات المؤسسة العسكرية وقامت بتنفيذ عملية الاقتحام العسكري لشمال العراق. وفي زخم العملية استغلت أنقرة فرصة تمرير التعديلات الدستورية المتعلقة بالسماح بارتداء الحجاب وتوسيع نطاق أداء الشعائر الدينية في المؤسسات الرسمية وهو الأمر الذي لم يكن ليحدث لو لم تكن المؤسسة العسكرية في حالة حرب وكان الرأي العام التركي الديني والعلماني مشغولاً بالحرب. وهي حيلة ميكافيلية من الدرجة الأولى: تتوحد الجبهة الداخلية بوجود الخطر الخارجي وعندها يمكن للحكام تمرير ما يريدون لأن المعارضة لهم تكون في حدودها الدنيا.
• أربيل: استغلت فرصة الاقتحام العسكري التركي المحدود بأن سحبت قواتها جنوباً وتفادت الخسائر وفي الوقت نفسه وفر لها ذلك المزيد من الفرص الإضافية مثل تعزيز علاقاتها ببغداد وطهران إضافة إلى إضعاف خصومها داخل الساحة الكردية طالما أن الانسحاب التركي المفاجئ هو بمثابة إعلان الانتصار لدبلوماسية أربيل.
• واشنطن: استغلت فرصة السماح والموافقة لأنقرة تمهيداً لاستغلالها في المواقف القادمة. واستغلت فرصة توفير الحماية لحلفائها في أربيل. بكلمات أخرى، استطاعت واشنطن أن تتعاون مع أنقرة في شن الاقتحام العسكري وأن تتعاون مع أربيل في صد الاقتحام العسكري وإخراج القوات التركية.
* السياسة الخارجية التركية في مفترق الطرق:
سيناريو التراخي أدى إلى توزيع المكاسب على خط أنقرة – أربيل – واشنطن، وتشير الحسابات إلى أن:
• أنقرة قد كسبت ورقة الردع لأنها أثبتت قدرتها على اقتحام الشمال العراقي للحيلولة دون حدوث سيناريو إعلان استقلال كوسوفو في شمال العراق.
• أربيل كسبت ورقة "الأمر الواقع" طالما أن الاقتحام العسكري التركي لم يؤدي إلى القضاء على الشخصية الاعتبارية لإقليم كردستان وحكومته وبعد الانسحاب التركي تكون حقيقة إقليم كردستان قد أصبحت أمراً واقعاً في المنطقة.
• واشنطن كسبت ورقة "المناورة على الخطوط التكتيكية" لأنها نجحت في التعاون مع الطرفين بالشكل الذي قبله الطرفان المتخاصمان وخرجت واشنطن بعد انتهاء الصراع محتفظة بعلاقاتها مع أنقرة ومع أربيل.
الآن، وبعد انتهاء سيناريو "التراضي" سوف تكون الملفات والجولات القادمة أكثر صعوبة وعلى وجه الخصوص أمام واشنطن، لأن نجاح مناورة واشنطن على الخطوط التكتيكية ليس معناه أن مناورة واشنطن على الخطوط الإستراتيجية ستنجح.
إن تفاهم واشنطن وأنقرة حول مستقبل شمال العراق ممكن الحدوث ولكن على واشنطن الاستعداد لدفع الثمن الذي لن يكون بأقل من القيام مسبقاً بضم تركيا فعلياً إلى الاتحاد الأوروبي، وبعدها قد تستطيع أربيل إعلان سيناريو كوسوفو، فهل ستستطيع أمريكا إقناع الأوروبيين بضم 70 مليون مسلم سني تركي ضمن شعوب الاتحاد الأوروبي؟ وهل سيطول عمر إدارة بوش والحزب الجمهوري بما يتيح لهم الوقت الكافي لإقناع الفرنسيين والألمان والسويديين والنرويجيين بقبول الأتراك ضمن القوميات الأوروبية الآرية والأنجلو-ساكسونية!!
تفاهم واشنطن – أربيل سوف يؤدي إلى القضاء على تفاهم واشنطن – بغداد وتفاهم واشنطن – طهران الجاري في المنطقة الخضراء حالياً، إضافة إلى أنه سيؤدي إلى إرباك التوازنات الداخلية ضمن قوام التحالف الكردي المسيطر على شمال العراق، وما هو هام يتمثل في أن تفاهم واشنطن – أربيل سيكون النجاح فيه مشروطاً بنجاح تفاهم واشنطن – أنقرة. بكلمات أخرى، إذا كانت واشنطن هي الرابح الأكبر في مجال المناورة التكتيكية على المدى القصير الأجل، فإنها الخاسر الأكبر في مجال المناورة الإستراتيجية على المدى الطويل لأنها:
• لن تستطيع (في نهاية الأمر) ضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.
• لن تستطيع (في نهاية الأمر) إقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق دون أن تدفع مقدماً ثمن ضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

 


الجمل: قسم الدراسات والترجمة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...