رواية "جنود الله" للروائي فواز حداد

18-08-2010

رواية "جنود الله" للروائي فواز حداد

رجل فاقد الذاكرة، مثقل بجراحه، ممدد بين الموت والحياة في سيارة “بيك آب” قديمة تعبر به الحدود العراقية السورية، بعدما كان في وداعه ضابط أميركي وبعثي عراقي، ليجد في استقباله عدداً من رجالات الأمن السوري يتولون إسعافه. من يكون هذا الرجل؟ هل هو عميل أميركي، معارض سوري، أم أنه أحد الذين تطوعوا لنصرة العراق؟ ثم ما هو المصير الذي ينتظره بعد أن يتماثل إلى الشفاء؟
أسئلة عديدة من هذا القبيل يثيرها الغموض الذي يكتنف ظروف الشخصية المحورية في المشهد الاستهلالي الذي رسم معالمه الأديب فواز حداد في روايته الجديدة “جنود الله” الصادرة عن دار الريس، وهي تبدأ أول سطورها بإصرار الرجل الغامض على عطالة ذاكرته طلبا للأمان. يقول: ترتبط الذاكرة بالبصر والبصيرة، بالنسبة الى البصر، أنا لا أرغب في أن أرى، أما البصيرة فما أصابها أشد من العمى.
هو بطل الرواية، ضمير المتكلم، السارد الداخلي الوحيد والشاهد على أحداث لا يرغب في استعادتها، لأنها “تجعله يخشى الحياة”، لكن أسئلة أبطال الرواية المحيطين به وإلحاحهم تجبره على الدخول إلى خفايا ذاكرته السوداء، وعلى وقع الإجابات والحلول التي اقترحها المؤلف انفتح المتن الروائي على اثنين من أسخن الملفات الراهنة في العالم العربي: ملف احتلال العراق وملف التنظيمات الإسلامية المتطرفة.
ولعبة التناسي والاستذكار التي ابتدعها المؤلف أكسبت الحبكة الروائية مناخا من الإثارة والتشويق، ومنحت الراوي هامشا واسعا للانتقال عبر الأحداث والأمكنة من دون التقيد بتسلسلها الزمني المنطقي، وجعلت القصص تنسلّ من قلب بعضها بتلقائية، كما فسحت المجال لتختلط الوقائع الحقيقية بالخيال في بوتقة متناغمة، أكدت على أن الكتابة الروائية هي فن إعادة صوغ مجريات الواقع في سياق يخدم تطلعات البشر في حياة كريمة.
تداعيات الذاكرة رسمت صورة كاتب سوري في منتصف خمسينياته، ملّحد، بلا اسم، عكست تجربته الحياتية وسيرته الذاتية الكثير من تقلبات العصر. ففي فتوته عارض وشارك في التظاهرات، وفي شبابه آمن باليسار لتغيير العالم، لكنه لم ينضو تحت أي من تنظيماته، بل اكتفى بالتنقل بين المقاهي والتنظير للثورة الحتمية القادمة، تزوج من رفيقة فكره نهى، ورُزق بسامر وندى، وحين جاءت مرحلة الانهيارات الاشتراكية الكبرى، وانتصرت الثورة المضادة انتصارا ساحقا، تفرّغ لدراسة الحركات السلفية الصاعدة، ثم انفصل عن عائلته وارتبط بعلاقة عاطفية مع سناء الشاعرة المطلّقة.
لم يخطر في بال هذا الكاتب وهو يبرم عقدا للعمل في إحدى فضائيات دبي، ويخطط لبناء حياة جديدة مع حبيبته، لم يخطر في باله أن سوف تستدعيه لتسأله عن ابنه سامر الذي بات أحد قادة تنظيم القاعدة المسؤولين عن بناء خلايا شبكتها، وغادر إلى العراق للتنسيق مع الجماعة، بينما كان يعتقد الأب أن ابنه الشاب الوسيم يقضي عطلته الصيفية مع رفاقه على شاطئ البحر، بعدما أنهى امتحاناته في كلية إدارة الأعمال في بيروت.
الخبر الصاعق قلب حياة الكاتب رأسا على عقب، وأشعره بتبكيت الضمير لانشغاله عن ابنه ومسؤوليته عما حدث له، فقرر التكفير عن تقصيره في السفر إلى العراق رغم خطورة الأوضاع والبحث عنه والعودة به إلى سوريا بالاتفاق مع الأمن، وتعهده بأن لا يتعرض سامر إلى التعذيب في حال اعترف بكل ما يعلم، وجرت عملية الدخول إلى الأراضي العراقية بالتنسيق مع الميجر الاميركي ميللر الذي أعطاه جواز سفر مزوّراً لمغترب سوري يود الاستثمار في البلد المنكوب، وتكفّل بإقامته وتسهيل مهمته وحمايته في بغداد.
في العراق ذلك البلد الذي يصفه الكاتب بأنه لم يبق فيه مكان للعقل أو العدالة أو الرحمة، بل للخيانة والوشاية والذبح على الدين والطائفة والهوية والاسم، البلد الذي يعاني سكانه من النقص الحاد في جميع مستلزمات العيش الأساسية، لاسيما الوقود مع أنه يملك أكبر احتياطي للنفط في العالم، والماء وهو بلد ما بين النهرين، في العراق لم تسر الأمور كما كان مخططا لها، بل تشابكت وتعقدت وضاعت خيوطها، فجرى اختطاف الكاتب وتعذيبه والمساومة عليه إلى أن شاءت الأقدار وعلم سامر بوجوده وطلبه إلى إمارته، حيث ينفرد بالسلطة، ويُطاع بلا نقاش، ويملك السجون ووسائل القتل والتعذيب، ويدير العمليات الانتحارية، ويعد المنفّذين بالجنة والحور العين، حينها أيّقن الأب بأنه لن يعود بابنه كما كان يحلم، فقد اتسعت فجوة الخلاف العقائدي بينهما إلى حد التناحر وفقده إلى الأبد، أو كما عبّر لسان حاله: “كأن خديعة الإيمان تقود إلى العماء، وخديعة الشهادة تقود إلى التهلكة، وخديعة الله إلى هذا الكم العظيم من الأذى” (ص394).
مغامرة الكاتب الخطيرة، وتواجده في المنطقة الخضراء التي تقع تحت سيطرة جيوش الاحتلال، ثم انتقاله إلى مناطق نفوذ الجماعات الإسلامية، جعلته شاهدا على أبشع الجرائم من عمليات الخطف والإتجار بالرهائن، إلى التمثيل بالجثث وتعذيب الأطفال في السجون، مرورا بملاحقة وقتل المثّليين وغير المحجّبات، جرائم مروّعة جعلت من “الموت العادي نعمة يصعب الظفر بها”، جرائم يتبارى في اقترافها أولئك القادمون من الغرب لنشر الديمقراطية، وأولئك الذين يعملون لإقامة حاكمية الله على الأرض من السنّة والشّيعة على السواء، ولكل طرف فقهاء دين ومبشّرون يحللون تدمير الأرض وسحق البشر باسم الرب ونشر الفضيلة، وإذا تصادف وظهر بينهم شخص من العقلاء اعترض على التخريب وسفك الدماء، يكون مصيره التخوين والعزل وربما التصفية الجسدية.
فضاء كابوسي نسجته بجرأة عالية رواية “جنود الله” على مدار 453 صفحة من القطع المتوسط، ما يجعل من قراءتها عملية متعبة رغم كل المحسّنات التي حاول الراوي إدخالها على النص كعلاقته بصديقه حسان أو حبيبته سناء، ومن المؤسف حقا أن هذا الكابوس الطويل الذي يجّسم على صدر العراق، لم تصنعه مخيلة روائي ترشّح لجائزة البوكر في العام الماضي، ويسعى لنيلها في أعماله اللاحقة، بل هو جزئيات واقع أشد قسوة قد ينتقل بين ليلة وضحاها إلى أي بلد عربي آخر.
الكتاب: “جنود الله” رواية تقع في 453 صفحة قطع متوسط
المؤلف: فواز حداد
الناشر: دار الريس بيروت/2010
مجلة الكفاح العربي  الاثنين 13 آب 2010

تهامة الجندي

المصدر: الكفاح العربي

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...