غسان رفاعي: الاستنجاد بالهوية العربية!..

21-09-2008

غسان رفاعي: الاستنجاد بالهوية العربية!..

ـ 1 ـ الثقافة العربية التي تتمخطر في أندية باريس ومراكزها الثقافية المتنوعة، رثة، ترتدي أسمالاً بالية، وتفتقر إلى الهوية الواحدة، إنها لا تخجل من عرض خلفياتها القطرية، والطائفية، والإثنية، والمذهبية، والشرق أوسطية، لقد سحبت من الأسواق الثقافية الجذور العربية العريقة، على نحو ما كان يبرع في الدفاع عنها مفكرون كبار من وزن الدكتور عبد الله عبد الدائم الذي افتقدناه أخيراً، في وقت نحن بأمس الحاجة إلى نزاهته وألقه، وانتمائه العربي الناضج.

المهيمن على الإنتاج الثقافي المهاجر التنصل من الفكر الوحدوي العربي، واستبخاس دوره الريادي، بسبب الخيبات المتكررة التي تعرض لها، إما لفشل محاولات الوحدة المرتجلة وإما للإخفاق في مواجهة إسرائيل والامبريالية الأميركية، وإما للتواطؤ مع الغزو الاستعماري الجديد لجزء من الوطن العربي، كما حدث في العراق. ‏

وكان من نتيجة هذا الغياب للفكر العربي أن طفت على السطح ثلاثة تيارات لا تزال ترهق الإنسان العربي: أولها الاستنجاد بالجاهلية الغربية الشوفينية، وثانيها الاستنصار بالإسلام المتزمت، وثالثها الانتساب إلى حداثة هجينة، ولكن هذه المخارج الافتعالية أوصلت الإنسان العربي إلى الإحباط، والهزيمة، والعنف وحرمته من القدرة على الانحياز إلى البعد الثقافي والحقيقي المنفعل والمتفاعل الذي خبره في تاريخه الوضاء. ‏

‏ ـ 2 ـ ‏

يخطر على بالي، أحياناً، أن أزور معهد العالم العربي، الذي ينتصب بطوابقه التسعة، وزخارفه الشرقية، غير بعيد عن ساحة الباستيل، وكان يسعدني دوماً أن أقضي الساعات في مكتبته التي تزداد ثراء، يوماً بعد يوم، وقد لفت انتباهي حديثاً أن بعض رفوف المكتبة المفهرسة كانت مخصصة لما يسمى الأدب السني والأدب الشيعي، بالإضافة إلى عناوين أخرى لم تكن مألوفة عندي: الأدب الشامي، والأدب الخليجي، والأدب الشرق المتوسطي، وقد أصابني الكدر لأنني شعرت أن التشظية في عالمنا العربي، قد انتقلت إلى رفوف المكتبات، لتكريس التجزئة، والانتماء الطائفي والاثني، وتذكرت ما كان يقوله الدكتور عبد الله عبد الدائم ـ رحمه الله ـ : «أكثر كارثة ثقافية تهددنا هي تشتت الهوية العربية الموحدة، وظهور البثور الطائفية والعشائرية في إنتاجنا الفكري». ‏

‏ ـ 3 ـ ‏

لقد أضحى هذا المعهد العربي المغروس في قلب العاصمة الفرنسية أقرب ما يكون إلى واحة معزولة يضج بالحركة والصخب، ولكنه يتستر على فجيعة، يقصده المثقفون والمبدعون العرب من كل الملل والنحل، لتحقيق هدفين: أولهما، الهرب من المناخات السائدة في أوطانهم، وثانيهما، الحصول على «براءة ذمة» حضارية، وفي الحالتين لا يصدر عنهم إلا الاستلاب والانفصام، هنا تجري مناقشات ومناظرات وندوات، يشارك فيها عدد كبير من المبدعين العرب حول كل ما يخطر على البال: الحداثة والتراث، التصوف والإلحاد، الأصولية والعلمانية، الانتماء والاستلاب، وفي أعقاب كل لقاء أو مهرجان تتخذ توصيات، ويتفق على تعهدات، ثم يفترق الجميع، على أن يعاودوا الرجوع في مناسبات أخرى، لمناقشة قضايا مصيرية أكثر جدية، والمفارقة ان هناك اتفاقاً «سرياً» بين الجميع على أن ما يجري في المعهد هو ترف لفظي من جهة، يرضي النرجسيين، ولن تكون له ارتسامات، «وسياحة ثقافية» من جهة أخرى، تفتح الشهية، ولكنها لا تشبع من جوع. ‏

ان الهوية العربية للمعهد مستهدفة، وهناك مشاريع ملحة وجادة لتحويله الى «معهد شرق أوسطي» وكما جاء في مقال نشر في صحيفة «الليبراسيون»: أكثر ما يحرج في هذا المعهد هو تسميته، لقد آن الأوان لتغيير هذه التسمية، بعد ان تبدلت معالم العالم العربي، من الأفضل تسميته «معهد الشرق الأوسط الجديد» وإضافة ثلاث حضارات أصلية على نشاطاته: الحضارة الفارسية، والحضارة التركية، وحضارة اسرائيل، ويتعرض المعهد الى محاولات دؤوب «لتغريب» الثقافة العربية، وتشجيع المثقفين العرب على القيام بهذه النقلة. ‏

ـ 4 ـ ‏

معرفتي بالدكتور عبد الله عبد الدائم ـ هذه القامة الثقافية الشاهقة ـ قديمة إذ رافقته وهو استاذ في جامعة دمشق، ثم وهو وزير للتربية والاعلام، ثم وهو في مؤسسة اليونسكو، وكنت ألقاه في باريس ـ حيث كان يقيم منذ فترة ـ بشكل منتظم، إما في المقاهي القريبة من مسكنه في ضاحية انطوني، وإما في مقاهي وسط باريس، وكنت أشعر دوماً انني أمام طاقة استثنائية، وخزان متجدد من المعارف، واستقامة فكرية نادرة، وكان الاستماع إليه، وهو يتحدث بحماسة، وصدق ونزاهة، مكسباً متجدداً. ما أروع توهجه وهو يشيد بالحضارة العربية ومزاياها وخصائصها الاستثنائية، ثم وهو يتفجع على الحالة التي وصل إليها العرب، من تفكك، وتجزئة وتخلف، ثم وهو يتعمق في إظهار أخطار الصهيونية، وما تخطط له من مؤامرات تستهدف الوجود العربي كله، ثم وهو يتغنى بالوحدة العربية وضرورتها وهيمنتها. ‏

مازلت أذكر جلسة معه، ومع الدكتور عبد السلام العجيلي ـ رحمه الله ـ في مقهى الفلور في حي سان جرمان دوبريه، ومازالت أصداء أقواله تهز مشاعري حتى الآن، كان يقول: كم أنا فخور بانتمائي الى هذه الأمة، وكم يحزنني ألا نكون في مقاس مكانتها، أكاد أختنق حين أستعرض الهدر الذي نمارسه، ونحن نفرط بكل شيء: بثرواتنا، بمستقبلنا، هل أنا محبط؟ مازلت أثق بأجيالنا الجديدة، وان بدأت أخاف، يخيل إلي أننا مقبلون على كوارث متجددة على الدوام، يهددوننا بصراع الحضارات، وبنهاية التاريخ، وبالعولمة، ويلصقون بنا عار الارهاب، ولكن؟ هل نحن قادرون على المقاومة؟ ‏

وروى لنا الحادثة التالية: في اجتماع ضم مندوبين من 90 دولة في قاعة اليونسكو، خطر لمندوب دولة من دول أميركا اللاتينية ان يطرح السؤال التالي: من منكم يضمن أن بلاده ستبقى على الخارطة بعد خمسين عاماً؟. وكان يجلس الى جانبي مندوب دولة عربية كبرى، فإذا به يهمس في أذني: لا ضمانات لدي، لقد فسخت الوحدة التي كنا نحلم بها بين مصر وسورية، وقد تتعرض دول عربية الى التفسخ والتجزئة، ان لم يكن الى الزوال، في مستقبل قريب: ويبدو ان «مزحة» المندوب العربي بدأت تتحقق بعد تلاطم الانشقاقات والاشتباكات بين مواطني كل دولة عربية على حدة. ‏

ـ 5 ـ ‏

تلح على بعض مثقفينا، بعض الأحيان، الرغبة في «محاكمة الذات» ويسكنهم الشعور بأنهم متهمون، وانه لا يمكن ان تستقيم الأمور، قبل التحرر من عقدة الاثم التي يعانون منها، وهناك اتهامان موجهان الى جيل بكامله من «المخضرمين» أولهما ممارسة الغوغائية، وتتجلى في تشطير المواطنين الى زمرتين، في كثير من التعسف والمكابرة: الاشرار والأخيار، وقد تبين لهذا الجيل ان هذا التشطير مؤذ، أخرق، مزور، وان هناك الكثير من الأشرار المفترضين الذين يتفوقون على الأخيار، استقامة ونزاهة، وان هناك الكثير من الأخيار الذين ثبتت انتهازيتهم وتعهرهم، وثانيهما الاستفراد بالاستبداد والتعصب، وفرض انتعال حذاء صيني على كل المواطنين، والتسلح بهذا الاستبداد لاقامة محاكم تفتيش «عثمانية» شكلاً ومضموناً، وقد اكتشف هذا الجيل أن المعاصرة لم تعد تتحمل قيام مثل هذه المحاكم، وأن الأوان قد حان لتحرير الانسان العربي من أصفاده. ‏

ـ 6 ـ ‏

من المؤلم أن تختفي قامات ثقافية كبيرة من الساحات، في زمن رديء يفسح المجال أمام الطحالب والزواحف كيما تملأ الفضاء غثاثة وضحالة، لقد افتقدنا جيلاً بكامله من المبدعين الملتزمين الذين كانوا منارات أضاءت طريقنا، وعبأتنا لمجابهة التحديات. أتذكر أصدقاء وزملاء عبد الله عبد الدائم مثل سامي الدروبي وحافظ الجمالي وبديع الكسم وحكمت هاشم وكامل العياد وانطون مقدسي الذين ارتحلوا، واحداً تلو الآخر، وانطفأ اشعاعهم كالشموع الذابلة، تاركين وراءهم صحراء قاحلة لا يسكنها الا المرتزقة والمنافقون، ولماذا لا نعترف، ولو على استحياء، بأنهم كانوا بوصلات نهتدي بنورها، ونقتفي خطواتها؟ كلنا أمل بأن المستقبل سيكون وضاء، وان الانسان العربي سيحتل مكانه في التاريخ المعاصر، مرفوع الرأس، موفور الكرامة. ‏

د. غسان رفاعي

المصدر: تشرين


إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...