رحلة العودة إلى دمشق: قاسيون ما زال هنا

29-06-2013

رحلة العودة إلى دمشق: قاسيون ما زال هنا

لا يجد العائد إلى دمشق بعد غياب شهرين بدّا من التفاجؤ. تبدو الصورة مخالفة حتماً للفكرة التي توحي بها نشرات الأخبار، ويبدو طبيعياً أن يتجاهل السائق دعابة من قبيل «قاسيون ما زال في مكانه»، فيعاجلك بسؤال واقعي: «لوين قلت لي رايح عمّي؟»، تاركاً إياك غارقاً في حديث مع النفس: نعم قاسيون ما زال هنا، محتفظاً بالحكاية التي تقول إن أول دم بشري سفك فوقه، حين أردى الأخ أخاه، متيحا للمؤرخين حريةَ أن ينسبوا لآدم قوله: «تغيرت الديار ومن عليها».
هنا تستمر الحياة متأقلمة مع كل الظروف والمستجدات. ما زال نهار دمشق نابضاً، وازدحام السيارات يبدو أكبر مما لمسناه في الزيارة السابقة. يوضح السائق: «نصف الشوارع أغلقت أمام السيارات، وبات علينا أن نسلك طرقاً أطول، ولذلك ازداد الازدحام في الشوارع السالكة، خاصة أن عدداً كبيراً من الذين غادروا العاصمة منذ شهرين قد عادوا إليها بعدما خفّت حدة الاشتباكات في شوارعها».
يتكامل كلام السائق مع ما يؤكده لاحقاً مصدر ميداني سوري يشتري الخضار من احد المحال في دمشق (رويترز) ، قائلا إن «العملية العسكرية الأخيرة في ريف دمشق وسّعت الطوق الآمن حول العاصمة، وحدها السيارات المفخخة ما زالت تحمل مفاجآت الموت».
يتحدث المصدر عن إجراءات أمنية جديدة، تحاول ضبط مسألة السيارات المفخخة، لكن التفجيرات التي استهدفت في اليوم التالي أحياء المزة، وركن الدين، وباب مصلى، توضح أن تلك الإجراءات لن تفي بالغرض بسهولة.

حديث الشارع: لا صوت
يعلو فوق صوت الدولار

أينما اتجهت في دمشق يلاحقك الدولار. هو الحديث الحاضر بقوة بعد الارتفاع الأخير وغير المسبوق في سعره. الجنون أصاب أسعار كل شيء: المواصلات، الطعام، التبغ، الملابس، وحتى الخضار والفاكهة. ثمة إجابة واحدة ستكون حليفتك لدى السؤال عن الأسباب: «غِلي الدولار».
بعض الساهرين في مقهى الروضة وسط دمشق حوّلوا الأمر إلى مادة للتندر. يرتفع صوت شاب، انهمك وأصدقاؤه في لعب الورق على الطاولة المجاورة: «اليوم الخسارة دوبل (مضاعفة)، على غلاء الدولار».
معظم الحوارات اليومية تخلت عن ممارسة هواية التحليل السياسي لمصلحة التحليل الاقتصادي. وكما اعتاد السوريون، على امتداد الأزمة، تتسم تحليلاتهم الاقتصادية بالانقسام الحاد، حيث يصف البعض الحكومة بالعاجزة، فيما يتهمها البعض الآخر بالتلاعب بسوق القطع الأجنبي.
هكذا، يغيب تدريجيا الحديث عن سقوط النظام، ويحضر الحديث عن سقوط الليرة.
لا يعتبر امتداد السهرات في المقاهي إلى ما بعد منتصف الليل الانعكاس الوحيد لإصرار الحياة الشامية على مغالبة كل شيء. الفعاليات الثقافية والفنية عادت إلى الظهور في العاصمة. يشرح أحمد الطالب في كلية الآداب: «منذ يومين أقيمت احتفالية فنية في دار الأوبرا. هناك عرض مسرحي للأطفال على مسرح القباني والصالة تمتلئ يومياً. في مسرح الحمراء أيضاً هناك عرض مسرحي للكبار، وتستمر عروض فيلم سينمائي في سينما الكندي في دمّر، وغداً تقام أمسيتان شعريتان، واحدة في باب توما والأخرى في باب شرقي».

صدى القصير
يتردد في الغوطة

حين كانت وحدات من الجيش السوري تخوض معركة القصير، مدعومة بعناصر من «حزب الله»، كانت وحدات أخرى تواصل العملية العسكرية في ريف دمشق، وخاصة في الغوطة. نجاح الجيش في حسم المعركة الأولى لمصلحته انعكس مكاسب ميدانية حققها في المعركة الثانية، خاصة مع توقف تدفق الأسلحة الوافدة من القصير إلى ميليشيات المعارضة في ريف دمشق، لكن هذا لا يعني بالضرورة توقع حسم عسكري يشمل كامل ريف دمشق قريباً، فالمعركة هنا مختلفة، ليس بسبب التباين الكبير في مساحة رقعتي المعركتين فحسب، بل بسبب عوامل أخرى تتصل بأعداد المسلحين ودقة تنظيمهم.

«لواء الإسلام» الرقم الصعب

يشكل تنظيم «لواء الإسلام» الرقم الصعب في معادلة ريف دمشق العسكرية. التنظيم المتشدد يتزعمه الشيخ زهران علوش، ابن مدينة دوما التي يحلو للمعارضين من أبنائها تسميتها بـ«خزان الثورة السورية».
وتأسس التنظيم في بدايات الأزمة السورية، وكان قوامه عدداً من السوريين العائدين من «الجهاد في العراق» قبل أن يتوسع لاحقاً. علوش، الذي كان معتقلاً لدى الأمن السوري وأفرج عنه قبل اندلاع الأزمة بعام تقريباً، هو من متخرّجي «الجامعة الإسلامية» في المدينة المنورة في السعودية، ويعتبر والده الشيخ الوهابي عبد الله علوش أحد المقربين من العائلة المالكة في السعودية حيث يقيم.
ويؤكد مصدر معارض لـ«السفير» أن «لواء الإسلام» هو الفصيل المسلح الأقوى في ريف دمشق، ويتسم بالتنظيم الدقيق، وبوفرة الأسلحة الموجودة بين يديه. ويجزم بأن معركة الجيش السوري مع «لواء الإسلام» لن تحسم بسهولة «هذا إن حسمت أساساً».

المدنيون هدف يومي
لقناصي حرستا

باتت ظاهرة «قناصي حرستا» هاجسا يؤرق كل من يضطر إلى مغادرة دمشق أو الوفود إليها عبر بوابتها الشمالية الرئيسة (أوتوستراد حرستا ــ البانوراما).
القناصون التابعون لـ«الجيش السوري الحر» يستهدفون أي سيارة تعبر الطريق السريع، من دون التمييز بين مدنية وعسكرية، بما في ذلك حافلات نقل المسافرين، وقد سقط نتيجة ذلك عدد من الضحايا المدنيين، ومن مختلف التوجهات السياسية. مثلا، كانت المحامية رنا الشاعر واحدة من الضحايا، بحسب ما أعلن المحامي ميشال شمّاس الذي قال إنّ الشاعر «سقطت برصاص قناص غادِر لدى مرور الحافلة التي تستقلها على طريق حمص ـــ دمشق، فيما كانت قادمة إلى العاصمة لتتولى الدفاع عن موكّل أمام المحكمة المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب».
استهداف الحافلات دفع عددا من شركات النقل إلى إيقاف رحلاتها بين دمشق ومعظم المحافظات السورية، فيما بدلت شركات أخرى مركز انطلاق حافلاتها ليصبح في منطقة التل في ريف دمشق. ونتيجة لذلك يترتب على الراغب في مغادرة دمشق أن يستقل سيارة خاصة تقله من دمشق إلى التل، عبر طرق بديلة لا تمر بحرستا، وهذا ما فعلناه.
وعلى مداخل مدينة التل، يتمركز حاجز عسكري تابع للجيش السوري، يتولى تفتيش السيارات والتدقيق في هويات راكبيها. تحاول سيدة تشاركنا وإياها سيارة واحدة أن تقدم لأحد العسكريين بعض الفاكهة، فيعتذر العسكري بشكل قاطع. نتجاوز الحاجز ويتمتم السائق: «بيخافو تكون مسمومة»، فيما ترفع السيدة صوتها بالدعاء: «الله يحميهن، لولاهن كنا تبهدلنا من زمان».
تحدث نفسك وأنت تهم بمغادرة دمشق بفظاعة المفارقة، إذ ثمة سوريون آخرون يعتبرون هذا العسكري مجرماً قاتلاً، وتسرح في البعيد متأملاً قاسيون الذي ما زال في مكانه.

صهيب عنجريني

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...