برامج دجل وحلقات مفبركة: هل الفنانون حقاً آخر من يعلم؟!

04-11-2009

برامج دجل وحلقات مفبركة: هل الفنانون حقاً آخر من يعلم؟!

فيما مضى كانت برامج اللقاءات الفنية التلفزيونية، تقوم على مبدأ بسيط، وهو أن الفنان يظهر ليقول ما يشاء من أفكار وحقائق عن حياته، وليخفي ما يشاء أيضاً... وغالباً كان الفنانون أقل كذباً وادعاءً، لأن شكل اللقاء التلفزيوني معهم، كان بسيطاً، ومحكوماً بسؤال وجواب، وبمحاورين يسعون جاهدين كي لا يخسروا صداقة الفنان وثقته، وتجاوبه معهم في حال دعوته مرة أخرى للظهور في برامجهم!
مع كثرة اللقاءات والبرامج والمحطات، واستهلاك ظهور الفنانين حتى في برامج الطبخ، دأبت الكثير من المحطات أو شركات الإنتاج على محاولة ابتكار أشكال برامجية جديدة يظهر الفنانون من خلالها... أشكال ازداد فيها الكذب، وتطور فيها التواطؤ، وصار ضيف البرنامج يمثل في كثير من هذه البرامج، أكثر مما يمثل في مسلسلاته وأفلامه.
ويمكن القول في هذا السياق أن '99.99 من برامج الكاميرا الخفية التي يفترض أن ضحيتها نجوم الفن، هي برامج مفبركة بعلم الفنانين وبالاتفاق معهم، وهي مدفوعة الأجر حسب طبيعة المقلب ومدى نجاحه، أو حسب نجومية الفنان ومدى تعاونه مع صناع البرنامج، ثم نجاحه ـ تالياً ـ في إيهام المشاهد أن المقلب الذي تم تمثيله، هو مقلب عفوي جداً، وحقيقي جداً، وأن الفنان كان مستغفلاً بسبب طيبة قلبه الرائعة!
ويبدو أننا أصبحنا اليوم أمام فصيلة جديدة من برامج لقاءات الفنانين التمثيلية... التي يمثل فيها الفنانون أنهم ضحايا كل شيء... فهم ضحايا مقالب الكاميرا الخفية التي يلدغون فيها من ذات الجحر (مرتين)، كما في برنامج (حيلهم بينهم) ثم (حيلهم بينهم كمان وكمان) الذي تعرضه (أم. بي. سي) و(الحياة) في وقت واحد حالياً... والذي لم يتوان عن تكرار بعض ضيوف الجزء الأول من البرنامج، مع الإصرار بأنهم خدعوا بالمقلب ذاته مجدداً... وهم ضحايا أصدقاء ومقربين يفشون أسرارهم على شاشات التلفزيون، وهم يتواجدون معهم في نفس الأستوديو ونفس البرنامج، بل ويهمسون في أذن المذيعة في ذات اللحظة التي تحاورهم فيها، من دون أن يكونوا على دراية بما يحاك لهم في الخفاء... كما في برنامج (آخر من يعلم) جديد قناة (إم. بي. سي) أيضاً!
والواقع فبرنامج (آخر من يعلم) هو نموذج صارخ على الكذب الذي يمارسه الفنانون على مشاهديهم، حين يتواطؤون مع صناع البرامج التلفزيونية، من أجل خلق حالة يفترض أنها تمثل قمة الصراحة وانتزاع الاعترافات، فيما هي قمة الفبركة والتمثيل وتزييف الحقيقة... فمن المعلوم أن الحلفاء السريين الذين يجلسون في الغرفة السرية، ويمدون مذيعة البرنامج بالمعلومات، والذي يدعي هذا الفنان أو ذاك، أنه لا يعرف هويتهم... يتم اختيارهم بترشيح من الفنان نفسه... ولا يجرؤ صناع البرنامج، أن يستضيفوا شخصاً ضمن هؤلاء الحلفاء لا يرضى الفنان الضيف عن وجوده في الأستوديو... وكمثال على ذلك استضاف البرنامج في حلقة من حلقاته السابقة الفنانة وفاء موصللي، شقيقها محمود موصللي ضمن هيئة الحلفاء السريين في الحلقة... وحسب معرفتي الشخصية فالأخ محمود ليس له أي نشاط فني... وهو ليس شخصية عامة، بمعنى لا يمكن لصناع البرنامج أن يهتدوا إليه وإلى الحديث معه ودعوته، ما لم ترشحه شقيقته الفنانة الشهيرة لهذه المهمة... وبالتالي فكيف يمكن أن نصدق أن الأخ محمود ظهر فجأة هكذا في الأستوديو دون معرفة شقيقته وفاء موصللي... بل كيف يمكن أن نبرر أن تسافر ابنتها (نايا) التي تعتبر (فتاة قاصراً) من الناحية القانونية... وأن تعبر الحدود اللبنانية لتصل إلى أستوديو البرنامج الذي يصور في بيروت وتفاجئ والدتها بحضورها، دون أن يكون هذا السفر بإذن من ولية أمرها الوحيدة (بعد وفاة والدها) السيدة وفاء موصللي؟!
وعلى العموم ليست الحلقة المذكورة هي التي فبركت فقط، فجميع الحلقات كانت مفبركة... وجميع الأشخاص الذين قيل إن نجم الحلقة لا يعرف بوجودهم، جاءوا بمعيته، وهو أول من يعلم بوجودهم وليس آخر من يعلم مهما ادعوا عكس ذلك!
أما برنامج (حيلهم بينهم) ثم (حيلهم بينهم كمان وكمان) فلا يقل دجلاً في ادعائه بأن الفنانين آخر من يعلم بالمقلب أيضاً... ومن خلال عملي الطويل في الصحافة الفنية، فإن معظم الفنانين يقابلون محاولات الإيقاع بهم بعنف وفظاظة... وأذكر منذ سنوات طويلة أن أحد هواة برنامج الكاميرا الخفية في التلفزيون السوري، حاول أن يعمل مقلباً بإحدى الفنانات المخضرمات، وربط لها عند باب نقابة الفنانين... فما كان منها عندما اكتشفت وجود الكاميرا... إلا أن خلعت حذاءها وضربته على أم رأسه مطلقة سيلا من السباب والشتائم البذيئة، التي تجعل المقلب غير صالح للعرض الجماهيري مهما 'شفرت' كلماته النابية... وهكذا عزيزي المشاهد فمتى رأيت الفنان النجم، وهو يمسك أعصابه فيبدو حليماً صبوراً وعلى قدر عال من النبل والتهذيب، أو رأيته يمسك لسانه حين يبدو أن أعصابه قد أفلتت أخيراً... فلا يشتم من تحت الزنار ونازل... ولا يسب الأب والأم والمقدسات... بل يكتفي بعبارات قابلة للبث التلفزيوني... من قبل (عيب الكلام ده) أو (انت قليل أدب) أو حتى (اخرس خالص)... فاعرف على الفور أن المقلب مفبرك ومدفوع الأجر... ولا تصدق أن محطة تعرض مقلباً في فنان دون إذنه... لأن بإمكانه أن يشتكيها لنقابته، أو يقاضيها إذا تمادت في عنادها... وفي أضعف الأحوال بإمكانه أن يستعين بصداقاته مع المسؤولين الكبار كي يصدروا قرار منع عاجل في مثل هذه الحالات!
وقصارى القول... كل ما يقدم من برامج تلفزيونية يبدو فيها الفنانون في ورطة، أو محل لعبة استغفال أو إحراج أو كشف مستور... هي برامج مصنعة ومفبركة بهدف تجديد حضور الفنانين الذي صار روتينياً بعد أن استهلكوا كل أنواع الأقنعة والمساحيق وكرروا نفس العبارات لسنوات طويلة في مقابلاتهم التلفزيونية.... وهي برامج مدفوعة الأجر كأي مادة يمثلها الفنان هنا أو هناك... ومن المؤسف أن الكثير من المحطات ما تزال مصرة هي وضيوفها من الفنانين- على استغباء الجمهور والمشاهدين، لدرجة أنها تصر على تمثيل النمرة ذاتها كل أسبوع... بالجدية نفسها، والإصرار نفسه!

(المستقلة): جدية لكنها طريفة!

تعتبر قناة (المستقلة) التي يملكها ويديرها ويقدم برامجها الصحافي التونسي محمد الهاشمي الحامدي... من أكثر القنوات طرافة في هذا الفضاء العربي... فندواتها قد تستمر لساعات في وقت يبدو كأنه لا قيمة له... وضيوفها يثرثرون أحياناً وكأنهم يجلسون في بيوتهم ومع زوجاتهم وليس أمام مشاهد يجب أن يعرف أول هذا الحديث التلفزيوني من آخره... أما الجانب التقني فلا يقل طرافة عن المحتوى... لأن (المستقلة) تبدو مستقلة عن كل أبجديات الصورة التلفزيونية فهي تفتقر عملياً إلى أبسط الشروط التقنية في تقديم الصورة التلفزيونية المتعارف عليها، ومن المؤكد بعد سنوات طويلة على انطلاقتها، أنها لا تضم في طاقمها أي فني يمتلك خبرة معقولة بتقنية التلفزيون.. وإلا لكنا رأينا لقطة متوازنة تعي معنى مسافة الرأس أعلى الكادر، وتدرك شروط تفريغ أو إسقاط الصورة في الكروما أو (البلو بوكس) وتراعي في الانتقال من ضيف إلى آخر أثناء تصوير الندوات، أن تكون هناك اختلافات في صورة الخلفية وراء الضيف... حتى لا يكون الانتقال من ضيف إلى آخر أشبه باستخدام طاقية إخفاء من قبل... دستور يا أسيادنا!
من المؤسف أن (المستقلة) تنتمي نظرياً إلى القنوات التلفزيونية الجادة أي التي تهتم بطرح موضوعات مختلفة عن ثقافة الفيديو كليب ومسابقات النصب والاحتيال وفتيات الخلاعة... لكنها في واقع الحال تفتقر إلى مشكلة بسيطة وصغيرة: الجدية في صناعة قناة تلفزيونية تستحق الاحترام!

محمد منصور

المصدر: القدس العربي

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...