الشاعر علي الجندي آخر ظرفاء دمشق: وداعاً

08-08-2009

الشاعر علي الجندي آخر ظرفاء دمشق: وداعاً

كان ماجناً ظريفاً وسيماً ونسونجياً بامتياز. عاش للشعر وللحياة ولم يسع إلى شيء آخر غير ذلك.. كنا نلتقيه أبداً مع كوكبة الشعراء: محمد عمران وممدوح عدوان وفايز خضور في مطعم «الشرفة» أفضل إنجازات اتحاد الكتاب العرب منذ تأسيسه.. وكنا نحب شتائمه الفنية الناعمة ونتتبع مناكفاته مع محمد عمران وممدوح عدوان وزوجته الثانية الكاتبة دلال حاتم التي كان يلقبها بـ"دلال دوبا" نسبة إلى رئيس إدارة المخابرات آنذاك  اللواء علي دوبا، حيث كانت دلال تراقب كل تحركاته واتصالاته على مدار الساعة، وكان محمد عمران يعلق ضاحكاً بأن على دلال أن تطمئن إلى إخلاص علي لأنه لم يعد بمقدوره فعل شيء مع النساء سوى مرافقتهن إلى الحمام ليبول معهن، بينما يرد علي فيقول "ولم تكن الفياغرا قد اخترعت بعد" بأن محمد لم يعد يستطيع استخدام شيئه لذلك فإنه يعاشر النساء بصرّته، فنضحك جميعاً وأكثرنا ممدوح الذي كان يمدّ في قهقهته وكأنما يريد أن يقذف بحزنه دفعة واحدة من على سطح الطابق الحادي عشر حيث تقبع طاولات الشرفة وبهجة الكؤوس العامرة..
أفضل ما قدمه لي علي الجندي، بالإضافة إلى دواوينه ومحبته وشتائمه، هو دعمي في تسويق الفضيحة الوطنية عبر حكاية بقرتي "عدلا" التي اشتريتها بمكافأة جائزة القصة القصيرة التي قدمت لي في مصر عام 1988/ حيث كتبت سيرة البقرة عدلا تحت عنوان «أربعة أظلاف وقرنان» وهي سيرة نقدية ساخرة تحكي تاريخ هزائم الوطن العسكرية والسياسية والاقتصادية، ثم قدمت المخطوط مع طلب انتساب عدلا إلى اتحاد الكتاب العرب مذيلاً بموافقة الشاعرين محمد عمران وعلي الجندي ومباركة من الشاعرين ابراهيم الجرادي وأحمد يوسف داوود، ولم يُقبل طلبها آنذاك حرصاً على تماسك الوحدة الوطنية وديمومة الثورة الإشتراكية ..
قبل عامين كان آخر لقاءاتي بيعسوب الشعراء وظريف دمشق الراحل علي الجندي في اللاذقية، التي أنهى ترحاله فيها، وكان قد التزم بيته كأبي العلاء المعري، فأقنعته بالخروج بعدما قلت له: يا أبا لهب، كيف ستكتب شعراً إذا لم تخرج وتلتقي بالحسناوات وتشم عطرهن المتدفق مثل بحر اللاذقية.. وعندما جلسنا في مطعم فينوس اجتمع ندلاء المطعم حوله فنظر إلي وقال: مين هدول؟ قلت هؤلاء عناصر مخابرات مكلفين بمراقبتك فيما لو فكرت بكتابة شعر حديث، ثم سألته: هل تعرف الفرق بين الكهل والشيخ؟ قال: لا. قلت: الكهل هو الذي يخرج من التواليت وينسى سحابه مفتوحا أما الشيخ فهو الذي يدخل ويخرج وينسى سحابه مغلقاً، فضحك وقال: ما زلت في مرحلة الكهولة إذاً.
 وأنهي أخيراً بقصيدة الشاعر الراحل محمد الماغوط التي يرثي فيها بدر شاكر السياب حيث يقول:

يا زميل الحرمان والتسكع
حزني طويل كشجر الحور
لأنني لست ممدداً إلى جوارك
ولكنني قد أحلّ ضيفاً عليك
في أية لحظة
موشحاً بكفني الأبيض كالنساء المغربيات
لا أحد في البيت
لا أحد في الطريق
لا أحد في العالم
تشبث بموتك أيها المغفل
فما الذي تريد أن تراه
كتبك تباع على الأرصفة
وعكازك أصبح بيد الوطن


نبيل صالح

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...