الحدود الشمالية اللبنانية: المخاوف تكبر من ردود فعل عسكرية واسعة

01-03-2013

الحدود الشمالية اللبنانية: المخاوف تكبر من ردود فعل عسكرية واسعة

لم يعد بالإمكان اعتبار ما يجري على الحدود اللبنانية ـ السـورية في عكار مجرد خروق أمنية عابرة، بل أصبحت أشبه بجولات عنف متلاحقة ترخي بثقلها على مقلبَي الحدود وتستمر كل منها لساعات محددة، وتفرض حالة من الفلتان الأمني قد تؤدي في المستقبل القريب الى تدفيع منطقة عكار ثمناً باهظاً في سلامة أبنائها وممتلكاتهم وأرزاقهم.
ويمكن القول إن الخوف بدأ يتصاعد تدريجياً على طول الشريط الحدودي الشمالي في الآونة الأخيرة، خصوصا في ظل ما يتردد من معلومات حول التنظيم المتزايد للمعارضة السورية المسلحة («الجيش حاجز للجيش عند مدخل وادي خالد (نجلة حمود) الحر») مدعومة من أطراف لبنانية في «14 آذار»، ورفع جهوزيتها العسكرية، إضافة الى السيناريوهات المتعددة التي يتناقلها المعنيون في المنطقة والتي لا تبشر بالخير.
وجاءت الاشتباكات الأخيرة التي شهدتها قرى وادي خالد لتدق ناقوس الخطر، لا سيما بعد الرد العسكري العنيف للجيش السوري النظامي، والذي وجه رسالة واضحة للجميع بأن أي رصاصة تطلق من الجانب اللبناني ستجابه بقصف مدفعي، فضلا عن التهديدات العلنية التي يطلقها مسلحون سوريون من الجانب اللبناني بالانتقام، والذين تخلوا عن حذرهم وبدأوا يستعرضون بعدّتهم العسكرية الكاملة في مختلف البلدات الحدودية، لا سيما في بلدات حكر جنين، قشلق، عمار البيكات، العبودية، ما ينعكس توترا كبيرا على طول الحدود، وتحديدا في البلدات ذات التنوع المذهبي والسياسي، علما أن العشائر نفسها بدأت باتخاذ إجراءات أمنية للحد من نفوذ المسلحين.
وتشير المعلومات الى أن اجتماعا لمجموعات مسلحة سورية ولبنانية عقد في بلدة حنيدر إثر الاشتباكات الأخيرة وجرى البحث في كيفية الرد على الجيش السوري النظامي، ومن المقترحات التي جرى التداول بها، القيام بعمليات خطف أو قتل لأشخاص يعبرون يوميا معبر جسر القمار من المحسوبين على النظام السوري، فضلا عن استهداف صهاريج المازوت المتوجهة الى سوريا، أو تفخيخ بعضها اذا أمكن ذلك.
وأفادت مصادر أنه تم في نهاية الاسبوع الفائت توقيف أحد المسلحين (لبناني الجنسية) إثر تسلله من خراج بلدة السماقية وقد ضبطت الجهة التي اعتقلته كميات كبيرة من المتفجرات بحوزته.
وتتردد معلومات في المناطق الحدودية حول إمكان قيام مجموعات سورية مسلحة بعملية عسكرية نوعية تستهدف أربع أمانات سورية وهي: الجوسة، جسر القمار، الدبوسية، والعريضة، وأنه تم العدول عن فكرة اقتحام أمانة العريضة كونها تحيط بها قرى علوية وهذا من شأنه أن يفسد العملية برمتها.
وتضيف المعلومات أن مخططا شاملا كان يحضر للحدود الشمالية يهدف الى قيام المسلحين من لبنانيين وسوريين بمساندة «الجيش الحر» من الداخل السوري على اجتياح كل المناطق الحدودية دفعة واحدة وصولا الى السيطرة على مدينة حمص من خلال عملية عسكرية حدودية تتزامن مع وتيرة عالية من العمليات العسكرية داخل بعض أحياء حمص ضد الجيش النظامي، لكن هذا المخطط أفشلته عشائر وادي خالد التي رفضت جعل المنطقة منطلقا للقيام بمغامرة من هذا النوع.
وقد أصبحت القناعة راسخة لدى قادة العشائر بالعجز عن السيطرة على نشاط المجموعات المسلحة التي قد تنقلب على أهالي المنطقة وتفرض نفسها على أرض الواقع إذا نجح مخططها، وهذا يعني تدمير كل المناطق الحدودية وتعريض سلامة الأهالي للخطر ودفعهم الى النزوح، من أجل تحقيق مكاسب سياسية وإعلامية ومالية لبعض المستفيدين من بعض فصائل المعارضة المسلحة والجهات التي تدعمهم لبنانيا واقليميا.
كما يبدو واضحا أن الاشتباكات الأخيرة التي وصفت بأنها كانت «الأعنف منذ سنتين»، جعلت الكثيرين يعيدون النظر في حساباتهم، خصوصا أنها لم تتوقف إلا بعد مناشدات وجهها عدد من فاعليات وادي خالد ممن يتواصلون مع الضباط السوريين.
وتؤكد مصادر أمنية  أن الجيش السوري النظامي عمل منذ فترة على تعزيز وجوده وتدعيم قواته بسلاح المدفعية والراجمات، واستحدث نقاطاً عدة تزامنا مع العمليات التي يشنها على مدينتي القصير وحمص، وهو يوقع خسائر فادحة في صفوف المقاتلين، الذين يُدفنون سرا من دون الإفصاح عنهم، لأنه فور شيوع خبر وفاة أي سوري في منطقة وادي خالد فهذا يشكل دليلا واضحا على وجود «الجيش الحر» في المنطقة.
ويؤكد عدد من أبناء وادي خالد «أن الاعتماد لا يقتصر على المسلحين الموجودين في المنطقة، بل إن ما يزيد الأمور سوءاً هو التنسيق الحاصل مع بعض المجموعات المسلحة في طرابلس والتي تقوم بين الحين والآخر بالتسلل الى الحدود وفتح جبهات مع الجيش السوري النظامي ومن ثم الانسحاب والعودة، لافتين الانتباه الى وجود تنسيق وإمدادات تصل الى المسلحين على الحدود الشمالية من مختلف المناطق اللبنانية، والدليل على ذلك كما يقول المتابعون هو عملية إدخال مجموعة تلكلخ اللبنانية والتي كان عرابوها يتابعون انتقالها على جانبي الحدود».
في المقابل، تشير معلومات أمنية أخرى الى تراجع نشاط المجموعات المسلحة على الحدود الشمالية عن السابق وانكفائها إما الى الداخل السوري أو الى البقاع، وذلك بفعل تراجع المساعدات العسكرية التي كانت تصل الى هؤلاء، إضافة الى التدابير الاستثنائية التي يتخذها الجيش السوري النظامي والذي حرص على إقفال كل المعابر غير الشرعية بإحكام، وقد أوقف هذا الأمر تدفق الجرحى عبر الحدود كما كان يحصل سابقا.
وتؤكد هذه المعلومات أن الاشتباكات التي تحصل ناتجة من قيام مسلحين بمحاولات تسلل الى الداخل السوري تصطدم بالجيش النظامي وتترجم تبادلا لإطلاق النار، وأن الجديد بالأمر هو اعتماد الجيش النظامي قوة مفرطة في الرد بشكل غير مسبوق.
وتوضح المعلومات نفسها أن تدابير الجيش السوري على الحدود ساهمت بإفشال سيناريو إيجاد موطئ قدم للمعارضة المسلحة على طول الحدود الشمالية لتشكيل عامل ضغط على النظام ومؤازرة المقاتلين في الداخل عبر شن عمليات عبر بعض المعابر لإشغال الجيش النظامي، إلا ان ذلك لا يلغي حقيقة وجود مقاتلين سوريين غير منظمين لكنهم يتحركون على الارض العكارية ويقومون بتسهيل تسلل المقاتلين الى الداخل السوري انطلاقا من خبرتهم في هذا المجال.
لكن ثمة خلاصة يمكن الخروج بها، وهي أن الجيش السوري سيصعّد من رده العسكري عند كل خرق أمني جديد يحصل في المنطقة الحدودية، على غرار ما حصل نهاية الاسبوع الفائت، الأمر الذي سيضع المنطقة بكاملها على المحك الأمني، في وقت تعلو أصوات الأهالي مطالبة بأن تكون هذه المنطقة تحت السيطرة الكاملة للجيش اللبناني.

غسان ريفي

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...