الإسلام السياسي ومفارقات الفلسفة الذرائعية للمشروع المجتمعي : تونس أنموذجا

28-12-2011

الإسلام السياسي ومفارقات الفلسفة الذرائعية للمشروع المجتمعي : تونس أنموذجا

سأختار أفراد شعبي
سأختاركم واحدا واحدا مرة كل خمس سنين …
وأنتم تزكونني مرة كل عشرين
عامًا إذا لزم الأمر أو مرة للأبد…
محمود درويش: "خطب الديكتاتور الموزونة"

هل يمكن أن يؤسس الإسلام السياسي النهضاوي في تونس لديمقراطية ويمارسها؟ ولماذا يوسم الإسلام السياسي النهضاوي لدى قطاعات واسعة من التونسيين بديمقراطية شكلية وظاهرية وبالتالي فهي تصب في نهاية المطاف في الدكتاتورية؟ ألغلبة النزعة التيوقراطية عليه ويمينيته السياسية رغم قوله بالثورية؟ أم لأنه لم يحسم موقعه بين تيارات إسلامية كثيرة على يمينه وعلى يساره؟ وهل يمكن أن يتزحزح نحو الديمقراطية؟ ولماذا ينكر الإسلاميون اليمينيون النهضاويون مظاهر الدكتاتورية التي يوصفون بها؟ وإذا وجدت فعلا لديهم؛ فهل هم لا يعونها أم أن الإيديولوجي يزين لهم الدكتاتورية فيذهلون عنها؟ أسئلة كثيرة تطرح بمناسبة صعود الإسلاميين النهضاويين للحكم في تونس. وفي هذه المقالة محاولة للإجابة عن بعض هذه الأسئلة إجابة تتحسس المجال، وهي من قبيل التصورات الأولية التي تجد لها سندا في الواقع العيني بكل أبعاده ولكنها لا تدعي لنفسها أنها بلغت مرتبة الحقائق وبالتالي الأحكام التقييمية النهائية.
 
في إشكاليات الحملة الانتخابية ومفارقاتها:
تجدر الملاحظة في البداية أن الليبراليين واليساريين والتقدميين عموما الذين دخلوا اللعبة الديموقراطية منذ دخولهم الهيئة العليا لأهداف الثورة – بمن فيهم من لم يدخلها أيضا- من الواضح أنهم كانوا قد قرروا أن النهضة قوة وطنية، وربما يعود ذلك – فيما يعود - إلى أصداء حركة 18 أكتوبر 2005 والتفاهمات التي رافقتها والاحتجاج المشترك والأدبيات المنبثقة عنها والتوجهات التوحيدية بين أغلب تيارات المعارضة التي أثمرتها. كما قرروا كذلك أنهم سيعملون معها في إطار الديمقراطية رغم اختلافهم في تقييم فكرها دينيا كان أو مدنيا، وكذلك في خصوص تباينهم حول طرحها السياسي والاجتماعي والثقافي، ومدى قبولها بالديموقراطية والتزامها بها. أما لماذا حصل ذلك القرار، فالإجابة عن هذا السؤال تستدعي بعض التفاصيل التي تحتاج إلى مقال خاص وإن كان بعضها ستتم الإشارة إلى في غضون هذا المقال… ولئن أخطأ هؤلاء المنافسون للنهضة الحساب، المتحزبون منهم والمستقلون، وارتكبوا أخطاء انتخابية كبيرة جدا تخص تصوراتهم وخططهم وفعالياتهم وأنشطتهم…إلخ، وليس هذا مجال تحليلها على كل حال، فإنهم بعد انتخابات 23 أكتوبر لم يختلفوا عميقا في تقييم التجربة؛ فقد ظهرت للجميع أخطاء شكلية وأخرى بنيوية وظهرت لهم أيضا ما يمكن تسميته بخطيئة واقعة التزييف أو إمكانية الانقلاب على النتائج من طرف النهضة، ومعظمها ارتكبتها منذ ما قبل الحملة الانتخابية وفي أثنائها ماعدا الانقلاب عليها لأنها لم تكن في حاجة إلى ذلك بعد اعتراف منافسها بها "طوعا" أو "كرها" من الناحية السياسية طبعا. فمن الواضح، ولكن غير المصرح به، أنهم اعتبروها أخطاء كبيرة ولا تغتفر في الظروف العادية، أي ظروف استقرار الديمقراطية، ولكن يبدو أنهم "قبلوها" عن مضض بسبب الظروف الانتقالية التي تعيشها "التجربة الديموقراطية"! وربما لأن بعضهم وقع في ما يشبهها من أخطاء وإن لم تكن في درجتها وحدتها، أو لأن البعض الآخر فوّت على نفسه فرصة توثيقها…إلخ.

 ولئن قيّموا جميعهم الموقف بأن النهضة ارتكبت خطيئة حين ذهبت بعيدا في اعتباراتها الموغلة في الوسواس أن الكل يتآمر ضدها، فكانت تعمل في سرية تامة على الفوز فيها بأي ثمن ومهما كانت الوسيلة بما في ذلك استعدادها للانقلاب على نتائجها إذا لم تناسبها؛ وهذا ما ظهر من ندوة صحفية متشجنة قبيل الانتخابات حين قال زعيمها أنهم سيلتحقون "بحراس الثورة" في صورة عدم مصداقية النتائج وشفافيتها! لئن كان ذلك فإنني أظن أن عدم خوضهم فيها يعود أيضا - ويا للمفارقة - إلى أمر هو في غاية الغرابة بالنسبة للمنطق العادي ولكن له معقولية ما بالنسبة للمنطق السياسي: لقد خشي المجتمع المدني والسياسي في تونس من تكرار سيناريو التجربة الجزائرية، ومن خشي ذلك هذه المرة لم يكن النهضة بل القوى المنافسة لها! وهذا من غرائب الأمور! فيا ترى ماذا يقف وراءه ومن يديره؟ قد تكون الأيام والأشهر القادمة كفيلة بحل لغزه!

ومن جهة أخرى لا ننسَ أن قطاعات كبيرة من الشعب التونسي انكفأت إلى البعد الخلاصي الديني التقليدي بسبب انسداد الأفق والضحالة المعرفية والسطحية الفكرية في عهد بن علي البغيض؛ مما هدد بشراهة- تبدو ظاهرة حينا وخفية حينا آخر- تظهر فيها حركة النهضة ساعية للتغول؛ فتبتلع دينا ومجتمعا بأسرهما متكلمة باسمهما، رافعة شعارا مغريا بأن المدنية هي الدفاع عن الدين، في حين أن ما حصل فعليا هو ابتلاع المدنية داخل حزب مازال في جوهر حركة دينية. وهذه النزعة "الأبوية" هي ما يجعلها الحركة الوحيدة –من ضمن بقية الحركات والأحزاب والفعاليات السياسية الرسمية تقريبا، بجانبها طبعا السلفية والتحرير غير الرسميتين- تبدي حدة من حين إلى آخر سواء في مقاطعة الهيئة العليا للاصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي أو في النزول إلى الشارع كما حصل قبيل الانتخابات. ومن جراء هذه العوامل تجذر في الشارع التونسي نوعان من الفوبيا :

 أ - فوبيا من الإسلام السياسي: حيث سرى ذعر من تضخم النهضة لدى قطاعات واسعة من الشعب: وهنا أستطرد قليلا لأقول إن ثمة إشارات تفيد أن النهضة نفسها لم تكن متأكدة تمام التأكد من صدقية العملية الانتخابية من جهة وصدقية وعود أطراف كثيرة ممن اتصلت بهم لضمان تصويتهم لها بما في ذلك الأفراد العديدون الذين تمت مقاربتهم من طرف النهضة بهذه الطريقة أو تلك لتأكيد ولائهم لها. وربما تكون قد تفاجأت نسبيا بالعدد الذي صوت لها؛ حيث كانت تعمل كل ما في وسعها - بما في ذلك الوسائل الميكيافيلية - لضمان تواجدها في المجلس التأسيسي. وأعود إلى رأس الفكرة لأقول: تمثل أطراف الفوبيا هذه قطاعا واسعا ولكنه غير متجانس في ردود أفعاله سواء أكانوا من النخبة أومن الطبقة الشعبية أيضا التي تصنف على أساس أنها غير مساندة للإسلام السياسي حزبيا أو نقابيا أو في جمعيات مدنية أو ناشطين حقوقيين…إلخ.

وتفسيرات هذا الشعور بالضخامة عديدة ومختلفة حتى باتت هذه الأطراف ترى النهضة أكبر بكثير من حجمها الحقيقي، وبالتالي كان من المتوقع أن يسقط في يدها عن منافستها. وقد حصل هذا جزئيا، وهو ما يفسر تغيب عدد من التونسيين من ضمن من تغيبوا عن الانتخابات، فهذا التغيب لا يفسر فقط بعامل واحد كاليأس أو المقاطعة الإيديولوجية أو اللامبالاة.. ولكن أيضا قد يكون أساسه قناعة بأن القدر مثلا اختار النهضة لهذه الجولة أو أن التوافقات الإقليمية والدولية تسعى لإتاحة المجال للنهضة أن تفوز، أو حتى "الرضا" بموضة أو سحر الإسلام السياسي في هذه المرحلة، حيث ترى عددا كبيرا من الناس مشدودين إلى "حماس" و"حزب الله" …إلخ دون أن يكونوا إسلاميين، ولكن غير المشدودين هم أيضا من المشدوهين بقوة هذه التنظيمات وفاعليتها؛ فيرون النهضاويين -بحدس تكهني استشرافي غريب- فائزين، سواء بمشاركتهم هم في الانتخابات أو بعدمها وهذا يختلف قليلا عما كانت تقوله كثير من الأطراف اليائسة زمن بن علي؛ لأن هذه الأطراف ليست يائسة أو خائفة وإنما ربما اعتقدت أن النهضة قادرة –بالحماس والدعم من الخارج- أن تسرق الأنظار وتهدئ الشارع وتؤسس لحكم فيه شيء من التشاركية وكل ذلك قد ينخدع به الشعب؛ لكن ها هي الأحداث والحقائق على أرض الواقع تعيدها اليوم إلى الفاعلية والبحث عن مخارج، ذلك أن التونسي عرف بأنه يتهرب طويلا من المواجهة ويبحث عن مخارج ولو كانت جزئيا على حسابه، ويرد الفعل أو يتفاعل بمرونة عند الأزمات غير الحادة "فوقعته يخرجها على أنه حركة بهلوانية" أو كما يقال عندنا (طيحة بتكربيصة)، ولكن أيضا هو شهير بالقوة والشراسة عند الأزمات التي يراها لا مخرج لها أو ما ينطبق عليها المثل الشعبي (وقفت الزنقة للهارب) عند ذاك؛ أي متى يشعر بأن وجوده مهدد يلجأ للثورة، وهذا ما لم يعمل له بن علي حسابا وعلى الحكام الجدد أن ينتبهوا إليه.

 ب - فوبيا من "العلمانية الشعبية والنخبوية غير المدجنة" إسلامويا أو نهضويا: وهذا ما يهدد مشروع النهضة بالبقاء معلقا بين الشعب الذي تغلب عليه علمانية ذات طابع خاص وإن كان قد يتبنى بعض المقولات المتفاوتة بين الأفراد والأجيال للإسلام السياسي وذلك خاصة بسبب الإرث السلطاني القابع في اللاوعي الجمعي ولكن في كل الأحوال دون التزام سياسي وتنظيمي وحزبي، وبين الطرف الإسلاموي المسمى "ملتزما": فبالنسبة إلى ما يمكن تسميته علمانية شعبية عامة؛ تواجه النهضة حقيقة اجتماعية تتمثل في المجاهرة بوضوح لقطاعات واسعة من الشعب التونسي بعدم التزامهم ببعض الشعائر، بل كذلك حبهم لشيء من اللهو وإن كان ذلك على حساب بعض مظاهر التدين وفق فهم تونسي للدين مما يظهر في عبارات متداولة في الاستعمال اليومي: «لا تتدخّل بيني وبين ربّي، هذا أمر يخصّني»، وحتى من التزم بالطقوس فكثير منهم يتبنون شعار «إدي الفرض وانقب الأرض». هذا من جهة، وأما بالنسبة إلى علمانية النخبة فتظهر لديها كذلك الخشية أن "تسرق" منها بريقها أحزابٌ وحركاتٌ رفضت ادعاءها صفة "الضحية" الوحيدة وصفة الحركة "المقاومة" الوحيدة أيضا وستستغل اليوم أخطاءها في الحكم؛ مما يجعلها تسعى هي بدورها إلى التضخيم من ذاتها لإيقاع الرهبة في تلك الأطراف مرة أو تبرير تلك الأخطاء مرة أخرى، مع أن تلك الأطراف كما لم تفعل شيئا على الإطلاق عمليا قبل الانتخابات في الحشد والتكاتف لمواجهة النهضة سواء فرادى أو مجتمعين إذا ما استثنينا مسيرات أو ندوات أو خطب اتضح أنها لا تسمن ولا تغني من جوع، فعلى يبدو أنها مازالت كذلك بعد الانتخابات أيضا. واتضح كذلك أن القوى المنافسة لم تستطع أن تشكل ملاذا لأطياف إسلامية تقدمية تحديثية كان يمكن أن تلتحق بها، فيبدو أن هذه الأطراف قد استقر قرارها على منح أصواتها للنهضة معتبرة أنّها صمام الأمان أمام السلفية والتحرير، لتقع هذه الأطراف في منزلق تضخيم هذا الحزب خوفا من سيطرة أحزاب ليبرالية أو يسارية، ويأسا من أحزاب إسلامية أخرى صغيرة.

إن نظرة ولو عجلى على المسار الانتخابي- ولا تزال الحال هي نفسها تقريبا ما بعد الانتخابات أيضا - تكشف لكل ذي عينين أن منافسي النهضة كانوا شبه ذاهلين عما اختصت به النهضة دون غيرها من اللاعبين، بما في ذلك بعض الأحزاب الصغيرة ذات المرجعية الدينية؛ أعني استغلالها المفرط لأقصى درجات الاستغلال وضعية الضحية في عهد بن علي، والأهم أيضا توظيفها للساحات والفضاءات والمناسبات الدينية كلها دون استثناء، رابطة بين الدين والسياسة، رافعة شعار الجهاد الانتخابي، معتبرة أن الانتخاب هو إدلاء بالشهادة أمام الله بـ"أحقية" النهضة للحكم! لاحظ أنهم يتحدثون عن الأحقية لا الجدارة؛ حيث لم يوظف أحد هذه الساحات انتخابيا غير النهضة، ولم يستفد أحد من المنافسين التقدميين الذين يطرحون مشروعا مجتمعيا مخالفا من أي فضاء مواز أو فرصة مواتية، ولم يستغلوا صفة الضحية، ولا أحد غير النهضة استفاد أيضا إلى حدود كبيرة ومبالغ فيها من تفشي الخوف “المشروع” على الهوية العربية الإسلامية بعد سلسلة من التظاهرات الفنية والأدبية (أفريكا آرت) والنشاط الإعلامي ثقافيا وفنيا وسينيمائيا (بيرسيبوليس خاصة) التي فهمت خطأ ووظفت إلى أبعد الحدود في تبرير “الشحن المقدس” الذي مارسه هذا الفريق بادعاء كونه يحمي “الأغلبية المؤمنة”؛ فقد تعامل الطرف النهضاوي مع قضية الهوية الملغومة هذه كما تعامل معها رجال الحركة الوطنية التونسية عبر عديد محطات الصدام مع المستعمر الفرنسي مثل حادثة الجلاز وأحداث التجنيس؛ فإذا جاز للوطنيين أن يفعلوا ذلك في وجه المستعمر، أفيجوز لطرف من أبناء البلد الواحد الذين تجمعهم المواطنة وقيم الثورة وكذلك ولو بعض رصيد نضالي مشترك ضد الفساد والاستبداد، أن يوظف هذه الوسيلة في وجه مواطنيه ؟ لقد كان هذا وبالا على كل الأطراف الأخرى المباينة لطرح النهضة حتى تلك التي لم تنخرط في مناقشة هذه المسائل والتي كانت هي أيضا على الضفة الأخرى للنهضة- وهذا حقها - فعدّت من فرقة الكفر والخروج على الأمة…

وقد انتبهت الأطراف التقدمية فعلا لهذا التصرف الميكيافيلي من جانب النهضاويين تجاه أحداث ثقافية وفنية تريد أن تؤسس للحرية في التعبير بعد سنوات عجاف من الكبت والثقافة الهابطة والتملقية، ونقدواهذا التوظيف الرخيص، ونظموا فعاليات للتعبير المضاد للشحن النهضاوي "المقدس" الذي بلغ أوجه مع فيلم "بيرسيبوبوليس" فهل كان ذلك النقد كافيا للتخفيف من فاعلية الشحن المقدس وقوته التأثيرية الشديدة؟! لقد رأى العالم رجل الشارع البسيط يندد بمن "ينتهك حرمة الذات الإلهية" ويربط بينه وبين العصيان والشذوذ والخروج عن الأمة !!! وهذا وحده كاف لتغيير وجهة النظر الانتخابية لدى عدد غفير هم مدنيون وتحديثيون في سلوكهم اليومي لكن النهضة نجحت في العزف على الوتر الحساس في وجدانهم ومخيالهم في الوقت المناسب. وهذا وإن "يحسب" لها ظرفيا فلا نظن انه سيكون – وللأبد - ورقة رابحة انتخابيا! فكثيرا من الناس استفاقوا على إمكانية أن تلجأ النهضة - وقتئذ- للقضاء كما هي حال مسار مقاضاة الفيلم حاليا، لذلك فقد باتوا يتساءلون وقد شعروا بخديعة ما: حقا لماذا - إذن - لم نر النهضاويين وقتها يلجؤون للقضاء كما هو الأمر اليوم؟… وهذا مع غيره من الخطايا، مع عجز ربما شبه محقق من تغيير واقع الحال، ستجعل الناخب التونسي يفكر ألف مرة في المستقبل لمن سيمنح صوته فعلا!

 من جهة أخرى، لقد تناهى إلى سمع الأطراف التقدمية أن النهضاويين كانوا يعملون على تجميع التبرعات للوافدين والأشقاء الليبيين، ولكنهم لم يكونوا متأكدين أن هذا الصنيع يحقق للنهضاويين أسبقية أكيدة وسلطة مادية ومعنوية واضحة المعالم في نصرة الأخوة الأشقاء وتوفير الحاجيات لهم نقدا وعينا وتأطيرا وتأهيلا لمرحلة العودة؛ فتكونت مؤسسات ضخمة بقيادة النهضة لإدارة أزمة داخل الدولة، وبفضلها تحرك النهضاويون لاختراق وتدجين كل الأجهزة والهياكل بما في ذلك هياكل الهيئة العليا "المستقلة" للانتخابات وهيئاتها الفرعية؛ مما أنتج وضعية المسيطر على الأمر في كل الجهات، فكان التأثير على الناخبين ووضعهم رهن إرادة النهضة حتى قبل حلول موعد23 أكتوبر2011 على قدم وساق بسباق محموم لا هوادة فيه. وقد تبين لاحقا أيضا قبيل الانتخابات ببضعة أيام أن النهضة قد تكون تلقت دعما ماديا من جهات إقليمية ودولية في كنف السرية التامة، وأنه ربما كان من العسير فعلا إثبات مصادر ذلك المال السياسي المشبوه على الرغم من رواج أخبار في الصحافة الوطنية والإقليمية والعالمية وكذلك فيديوهات على شبكات الفيس بوك تشير إلى هذا المال وإن كان يربط بدعم منظمات إسلامية عاملة في مجال المجتمع المدني! وفي خصوص التمويل السياسي وشؤون متصلة، ينظر على سبيل المثال مقال: Islamisme: l’étrange jeu Américain en Tunisie في الموقع الآتي:
http://www.slateafrique.com/70997/i…

إن منافسي النهضة التقدميين- الليبراليين خاصة أكثر من اليساريين- وإن وقفوا على هذه الأخطاء الجسيمة فيبدو أنهم فضلوا طيّ صفحة الانتخابات متجاوزين صدمتها وانكساراتها بسرعات متباينة أيضا، معتبرين أن ما شابها وصاحبها من تجاوزات خطيرة من طرف النهضة لن يثنيهم عن دفع المسار الثوري-الديموقراطي إلى الأمام، آملين أن الحراك الآني والتجارب القادمة أيضا كفيلة بتجاوزها بما هي أول تجربة انتخابية تتم في إطار يمكن تسميته "ديموقراطي" وإن كان منقوصا ومهزوزا. فهل بدأ قطار المسار الديموقراطي يستعيد سيره؟

الأجندة الخفية للمشروع المجتمعي " لحركة النهضة":
يمكن القول إنه على الرغم من هذه المواقف الإيجابية للتقدميين تجاه حركة النهضة وتجاه الانتخابات عامة، فقد تفاجأ الجميع مجددا حين وجدوا أنفسهم مع الأيام محشورين مرة ثانية في زاوية غموض المشروع المجتمعي النهضوي الذي بدأت أطراف قيادية نهضاوية تفصح عنه في سلسلة من المواقف والتصريحات المريبة. لهذا فإن الكثير من التونسيين عامة- بما في ذلك كثير من الذين صوتوا للنهضة - يتجهون يوما إثر يوم للاستنتاج أن التغيير الديمقراطي في تونس عسير بسبب تلك المواقف والتصريحات، ومن أهمها على سبيل الذكر لا الحصر تصريح السيد راشد الغنوشي حول نية تعويض نظام التبني بنظام الكفالة، وتصريح السيدة سعاد عبد الرحيم حول الأمهات العزباوات، وأخيرا تصريح الأمين العام حمادي الجبالي حول الخلافة الراشدة السادسة الذي يبدو أنه سيذهب في اتجاه تجذير اللعب على المخيال الإسلامي من أجل محو ما تبقى من صورة باهتة للفترة "الجمهورية" الأولى ببعض مكاسبها الاجتماعية والثقافية المحدودة وطنيا ولكن المهمة بما في ذلك من ناحية إشعاعها على الصعيد الإقليمي. فكيف يمكن للتقدمين أن يتعاملوا مع اشتغال البنى النفسية والاجتماعية والثقافية الكامنة في اللاوعي التونسي والتي يبدو أنها تؤْثِر المتن العربي التقليدي – المحدّث في الحكم الذي مازالت تحكمه صورتان: صورة مشتقة من المخيال الإسلامي يرتسم فيها الخليفة والسلطان والباي بكل ما توحي به من العلو والجاه والغلبة، وصورة مشتقة من الفترة الجمهورية الأولى التي وسمها بورقيبة بكاريزما شخصيته كمناضل وطني وزعيم سياسي شعبي ونخبوي في الوقت ذاته، تونسي عربي مغاربي أفريقي في ملمح من ملامحه وغربي في الوجه الآخر في الآن نفسه؟

يبدو أن التونسيين اعتقدوا أن الخمسين عاما الماضية وإن لم تلغ الجانب التقليدي فإنها حجّمته كثيرا أمام الوجه التحديثي، فرغم كل ما فعله بن علي للإيهام بالتمسك بالهوية من بهلوانيات إسلاماتية لترضية قطاعات واسعة من الشعب ترغب في مزيد من إضفاء الطابع الإسلامي على الحياة، فإن الشعب بذكائه الفطري أدرك الجانب الفولكلوري الوهمي في تلك المظاهر وأدرك أيضا أنها كانت موظفة للترضية ولتغطية النهب والقمع الاستبداد والفساد. ولهذا يمكن القول إن التونسيين مالوا لصالح الصورة الأولى؛ أي المتن العربي التقليدي كما حاولت إبرازه حركة "النهضة" وبدرجة ما "العريضة الشعبية"، مع انتظار تطعيمها بملامح من الصورة الثانية؛ أي المتن العربي المحدث. وسكت عنه ذلك "المؤتمر من أجل الجمهورية" في شيء من الحياد الإيجابي لصالحه أيضا، وكذلك فعل "التكتل من أجل العمل والحريات" الذي حرص دائما على عدم الدخول في صدام تجاه هذا الفهم للهوية. وربما اعتقد التونسيون أن الفائزين في الانتخابات قد يكونون قادرين على تجسيم الصورة التي يحلمون بها بوجهيها؛ أي بما في ذلك حتى في وجهها التحديثي. وفي كل الأحوال يبدو أن الشعب سيستفيق شيئا فشيئا على أن المضمون المدني والديموقراطي وربما الوطني والشعبي أيضا في كلا الصورتين شاحب وباهت، خاصة بعد المداولات الطويلة بين ثالوث الحكم المرتقب خلف الأبواب المغلقة! وهنا يطرح الإشكال العميق والخطير الآتي: ما السبيل الكفيلة بتحويل التونسيين من جديد إلى الوجهة المدنية مع التمسك بالديمقراطية ودون صدام وفوقية نخبوية خلافا لما كان عليه الأمر سابقا في أغلب الأحوال، وكم سيستغرق ذلك من الوقت، وهل سيتمكن المجتمع التونسي من تحمل كلفة التدافع والتنافس وربما الصراع بين المشروعات المطروحة بحدة غالبا؟

لقد جاءت المواقف النهضاوية الخطيرة والتصريحات اللافتة للنظر المذكورة سابقا مصحوبة بحملات بلغت حد التجريم والتكفير للأطراف المنافسة للنهضة والتهجم على المربين والأساتذة، خاصة النساء في الجامعات والمدارس فيما يتعلق بلباسهن، وتحريم ومحاولة مقاطعة مادة التربية الفنية، وتعنيف لفظي وتهجمات عصبية عنيفة ضد بعض المدرسين في أثناء التدريس لاسيما في أثناء مناقشة بعض الموضوعات التاريخية أو الدينية، وكتابة عبارات تدل على التكفير والتخوين على سيارات بعض الإعلاميين والفنانين والمربين والناشطين ضمن فعاليات المجتمع المدني، وآخرها وأقواها طبعا أحداث النقاب التي وصلت حد احتجاز عميد كلية الآداب وتعنيفه والاعتصام في الكلية من طرف سلفيين يساندهم النهضاويون من طرف خفي ويدعمونهم لوجستيا، وهو حدث جديد كل الجدة مازال في تفاعلاته الساخنة والقوية وأهمها الإضراب العام لأساتذة التعليم العالي في كل أنحاء تونس، والتظاهر أمام المجلس التأسيسي في باردو الخميس 1 ديسمبر 2011 احتجاجا أيضا على مشروع التنظيم المؤقت للسلط العمومية ووضعية شهداء الثورة ومطالب أخرى عديدة أهمها مرة أخرى الاستجابة الفورية لاستحقاقات شعار الثورة المركزي؛ الكرامة والحرية ويمكن تلخيصها فيما يأتي: الفصل بين السلطات الثلاث وعدم تجميع السلط في يد رئيس الحكومة-عرض الدستور على استفتاء شعبي- البث المباشر لمداولات المجلس التأسيسي واللجان المنبثقة عنه- استقلالية القوات المسلحة- الاهتمام بمطالب الثورة في إيجاد شغل كريم للعاطلين عن العمل- تعميق توجهات الجامعة نحو الصبغة الشعبية والتعليم ديمقراطي والثقافة الوطنية ذات الآفاق الإنسانية- عدم أدلجة التعليم… إن ما حصل فجر يوم 2 ديسمبر 2011 من تهجم أطراف منسوبين إلى النهضاويين على شركائهم في الوطن المعتصمين سلميا أمام المجلس التأسيس في باردو الذين رأوا أن من واجبهم ممارسة حقهم الدستوري في الاعتصام الذي لا يعطل سير الحياة المدنية، وما حدث في كلية الآداب بمنوبة وتجاه معتصمي باردو من تجاوزات، يؤشر للدكتاتورية الغابية للمنتصر الذي يثبت يوما إثر يوم أنه مازال بعيدا عن تبني المبادئ المدنية في جوهر فكره وممارساته.

وعن حملات التكفير والتخوين في الفيس بوك التي انطلقت بعيد 14 جانفي بقليل حدث ولا حرج وسيأتي الحديث عنه؛ مما جعل المجتمع التونسي يتحول شيئا فشيئا –ظاهريا طبعا وهكذا يراد له أن يكون- إلى مجتمع ديني لا مجتمع مدني وسياسي، تكتسح فيه ثنائية المقدس والمدنس كل الفضاءات والشؤون، ويصنف على أساسها الفاعلون الاجتماعيون والسياسيون والفنانون والحقوقيون…إلخ، فدعونا نتذكر أن أغلب المنافسين للنهضة، من ليبراليين ويساريين، استبشروا خيرا وانتاب الكثير فرح غامر لما رأوا الدمعة حرّى من عيني راشد الغنوشي على قناة الحوار وهو بعد في لندن عند سماعه لصرخة الحرية من ناصر العويني "بن علي هرب…" في شارع الحبيب بورقيبة الخالي من المارة في أثناء منع الجولان يوم 14 جانفي المجيد، وقال الغنوشي عن بن علي معقبا: "إنه رجل لا قلب له".

 غير أن راشد الغنوشي نفسه بعد فترة من قوله تلك العبارة، تحدث عن انتصار أردوغان في الانتخابات التركية وعمن يخالفون أردوغان، فمما قاله: "هذا يوم آخر من أيام الله انتصرت فيه عدالة الإسلام على قوى الفساد …" فصنفهم على أنهم " قوى الفساد" و"أعداء الحرية"، وصار عدد من التونسيين يقولون: هذا الرجل في السياسة -حتى لا نظلمه- لا قلب له هو الآخر . ولنترك ذاك الحدث الذي لم يعره التونسيون يومها كبير اهتمام ولنذهب إلى خطاب 13 نوفمبر 2011 الشهير حين تحدث فيه أمين عام الحركة عن " الإشارات الربانية " إلى "الدورة الحضارية الجديدة " التي ستتجسد في إحياء "الخلافة الراشدة" ، وبالتالي تأسيس الخلافة الراشدة السادسة" حيث مثل النظرة النهضوية القديمة الجديدة على ما يبدو والتي هي في طور إعادة التشكل أو على الأصح إعادة الإيحاء، والتي يعاد الترويج لها على وقع زخم الانتخابات وانتصار النهضة "العريض" فيها. و كأنه حين يتحدث عن الإرهاصات الربانية يشير كذلك إلى واقعة سيطرة الإسلاميين في المجلس الانتقالي بليبيا وتصريح مصطفى عبد الجليل بتبني الشريعة الإسلامية، وكذلك إلى بوادر دالة على فوزهم في مصر…الخ.

إن ما تقدم - وما سيأتي ذكره أيضا- ليبين أنه في حالة الحركات أو الأحزاب الدينية حتى التي تستخدم بعض استراتيجيات القوى الناعمة والتي هي في جوهرها تكوين مذهبي أو فرقي (نسبة إلى الفرق الدينية) فإنّ الوثوقية (الدوغمائية) بما هي تشبث بالمواقف القديمة مكون أساسي من فكر النهضة ذو أبعاد عديدة يعسر الفكاك منها. وأن هذه الوثوقية بالذات هي معمل الدكتاتورية. وفيما يأتي محاولة لبيان أهم عوامل نشأة الدكتاتورية وتمظهراتها لدى النهضة، وحاولة تحليل أهم مرتكزاتها.

 إن دكتاتورية الحركات الدينية الإسلامية اليمينية، والنهضة جزء منها، ناشئة أولا عن بنية نفسية تتعامل مع الآخر المخالف بالتقليل غالبا من قيمته الأخلاقية، بل تصل إلى حد الاستنقاص من آدميته وإنسانيته فضلا عن إلغاء فعلي لمواطنته ؛ فعلى الرغم من "الاعتراف " بهذه المواطنة على الصعيد الظاهري والشكلي للخطاب الرسمي ، يتم انتهاك هذا الاعتراف المعلن يوميا وفعليا من خلال الممارسة العملية والسلوكيات التي تندّ عن الأنصار والقواعد وحتى المتعاطفين لطبيعة العمل التجييشي العقائدي المستمر الذي يخضعون له، وتعكس إلى حد بعيد ما يمكن اعتباره شبه إجماع سكوتي يمتد من القواعد ليبلغ القيادات والعكس صحيح أيضا، فلا تجد تلك القواعد "رادعا" لها لدى القيادات بل لعله يكون ضربا من توزيع للأدوار بين الخطاب الرسمي المعد للإعلام وهو ما تقوم به القيادات العليا والخطاب الشعبي المعد للتجييش ومحاصرة الخصوم وكسب الأنصار ومهما ما تقوم به القيادات الوسطى وحتى الدنيا شديدة الحماس… ويتم التعامل مع الآخر المختلف كشرٍّ موجود لكن من المأمول إزالته بأسرع الأوقات وأقرب السبل؛ لأنه – عند النهضاويون، ومن المؤكد عند من هم على يمينهم أيضا– من الفئة التي تردّت "في أسفل سافلين" ، وهذا كثيرا ما يظهر في حملات التسفيه والتخوين والتكفير، وفي مصطلحات عديدة تبثها القواعد الحركية من خلال صفحاتها على الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي ويرددها أنصار الاتجاهات الاسلاموية والمتعاطفين معها في حالة من التجييش والغليان، كمصطلح الشلائكيين (اللائكيين) والسباب والشتائم والقهقهات الشامتة والكيدية…والأمثلة أكثر من أن تحصى.

وأما على الصعيد الفكري والعقدي، فمن سمات الدكتاتورية الفكرية أو العقيدية لدى الحركات الإسلاموية اليمينية، البنية الذهنية الواحدية الاتجاه وعدم استساغة التعامل مع الآخر بمنطق الاستقلالية، والنظر إليه نظرة دونية باعتباره ذا فكر تائه أو منبتّ أو خارج عن الأمة…إلخ، وصحيح أن هذا المرض يصيب العقل الدغمائي عامة ولكن درجة التفاوت هي التي تحكم كيفية انتقال فكر من الرهانات الوثوقية والواحدية إلى الرهانات المرنة والتعددية وهي سمة تتوفر في الفكر التقدمي لا سيما المعتدل ومن العسير أن تتوفر في فكر ينسب نفسه للديني لاسيما إذا كان يمينيا وعلى درجة من التطرف؛ فهو فكر واحدي وثوقي يتشبث دائما بمصادراته ويقترب أكثر فأكثر من الأصول الجامدة خاصة في حالتين: حالة الشعور الأقصى بالخطر وحالة الشعور الأقصى بالانتصار. ومن خصائص التوتاليتارية العقيدية البارزة أنها تربط الدنيا بالآخرة ربطا آليا كثيرا ما يكون صوريا وسفسطائيا، وتخلط بين الداريْن لتنصب نفسها حكما وقاضيا بدل الله. فهذه الدكتاتورية الفكرية - المسماة بالتوتاليتارية – وإن أظهرت من حين إلى آخر استعدادا للحوار هو في الحقيقة مهاترات، فهي نقيض لفكر التعدد والاختلاف الحقيقيين ؛ حيث تقوم هذه البنية الذهنية التوتاليتارية على مصادرات(Postulates) وثوقية ومغالطية وغير قابلة للنقاش؛ لأنها تدعي العصمة بما أنها تستمد "صوابيتها" و"استقامتها" من الدين. وتزعم لنفسها – أقرت بذلك أم لم تقر - سلامة التفسير والتأويل للنص الديني …إلخ، مهما تواضعت وتصاغرت أمام هذا النص !… إنها لا تقوم على الفرضيات الحقيقية (Hypotheses) القابلة للبرهنة أو الدحض؛ فالفرضيات الحقيقية السليمة تنسب نفسها للمنطقي والفلسفي؛ أي للبشري، أما المصادرات المتصلة بالمجال الثقافي والاجتماعي فتنسب نفسها للإلهي أو المتعالي، وحتى إن نسبت نفسها إلى البشري – في صورة القياس أو الاجتهاد أو غيرها من الآليات الفقهية - فإنها تنزلق من الفرضية إلى المصادرة فتقوم -غالبا في إحدى المقدمتين الكبرى والصغرى على حد عبارة المناطقة- بتحويل الفرضية إلى المصادرة وبالتالي فهي لا تقرّ بقصورها وبإمكانية ورود الخطأ إليها عمليا وإن اعترفت بذلك نظريا؛ فالخلافة تظهر لدى النهضاويين ومن هم على يمينهم معطى عقدي لمضمون معاشي بكل أبعاده. إنها في الآن نفسه تجربة دين وحياة ، إنها قابلة للتصحيح مثلا إذا اعترتها أخطاء ولكنها عندهم ليست نظام حكم قابل للتجاوز. وبالتالي يتضح يوما إثر يوم مركزيتها القصوى في فكر النهضة السياسي، ولذلك فهي إحدى المصادرات التي ستكون محورا مهما للتجاذب الفكري والسياسي ثم العقدي بالضرورة؛ وتلك هي المنهجية التي تتبعها النهضة للإيقاع بالخصوم في شرك الزندقة والهرطقة؛ إذ تسحبهم إلى ساحتها الفكرية ثم توظف مسارات التبكيت والإحراج الديني المنظم، وسريعا ما تكيل لهم تهم التنكر للتراث والماضي، والعلمانية الزائغة واليعقوبية والتغريب…إلخ، وبالتالي اللاوطنية وربما المروق من الجماعة المؤمنة…

وعلى الرغم من معارضة شاملة من طرف قوى الحداثة لما صرح به الأمين العام للحركة فإن بوادر ومؤشرات ظاهرة كقولة رضا بالحاج رئيس حزب التحرير بأن ما قاله حمادي الجبالي حول الخلافة الراشدة السادسة هو من قبيل "التوبة السياسية" تدل على أننا سنجد النخب الإسلاموية في النهضة والسلفية والتحريرعلى الأرجح –عندما يقل الضغط عنهم وينجحون في تهدئة الأمور ثم شيئا فشيئا إحكام القبضة على آليات الحكم والسيطرة- سنجد هذه النخب منخرطة شيئا فشيئا في مناقشة سبل تأسيس تلك الخلافة أتدريجيا تكون أم بأكثر إسراعا ومتى تكون طوعا ثم متى يجب ان تتحول إلى قسر. وسيتم- إلى حد ما- الحوار حول مكوناتها بحيث يبحثون مدى اتسامها بالميسم التراثي كما عند التحرير وبضرب من العصرنة والتحديث كما يتوقع أن تحاول النهضة إسباغها عليها، ولكن –عند هذا وذاك سوف لن يجوز القول بالاكتفاء بالتأسي بها والاستلهام منها بعض عناصر الإيجابية ، فكيف بالقول بتجاوزها بالنسبة إلى الكثرة الغالبة فيهم. إن هذه المصادرات المشتقة من تأويل معين في صميم الايديولوجيات والعقائد الدينية هي التي تغلب على فكر النهضة في مقابل الفرضيات القابلة للإثبات أو الدحض التي هي سمة أساسية للفكر السياسي الحداثي المشتقة من الفكر الفلسفي والعلمي.

وهكذا نتبين أنه ليس في السياسة المذهبية والفرقية - وبالتالي لدى الحركات الدينية عامة والإسلاموية خاصة - مجال لحسن نوايا التي قد يطالب بها الفرقاء السياسيين المدنيين؛ لأن الحركات الدينية هي حركات ما قبلية الإيديولوجيا وذات أحكام وثوقية (دوغمائية). و لذلك، فإن إيديولوجيتها مكتملة ومنغلقة حتى وإن ادعى أصحابها الاجتهاد والانفتاح، بل على العكس تماما؛ فهناك – أي في أفق الانتظار- يكمن خطاب أو تمش معاكس لما هو معلن قد يفاجأ به أكثر الناس تعاطفا معهم وقربا منهم بل حتى بعض المنتمين إليهم، وهذه حال الشيخ عبد الفتاح مورو مثلا –وقد قيل إنه عاد إلى حضن النهضة ثانية - وبعض الأطراف الأخرى مثله. وعلى المعارضة –إذن- الاستعداد للوجه الآخر للعملة.

لقد ثبت عمليا أن اللعبة الديمقراطية وجوهرها العملية الانتخابية مع الإسلامويين اليمينيين حين التأسيس انبنت من طرفهم وبشكل غير معلن في حلٍّ من اليقينيات والتوافقات-ماعدا الخارجية!- رغم إصرارهم ظاهريا على القول بالتوافق- ولعلهم يقصدون التوافق الإقليمي والدولي !- وهنا تبرز للعيان مجموعة من الاحتمالات بناء على الإخلال بقواعد اللعبة الذي حصل في الدهاليز السرية والأروقة الخلفية للانتخابات وظهور إشكالات متعددة في هذه القضية:

أ- هل سيسفر حكم الإسلاميين القادم فعلا عما تخشاه قطاعات واسعة من الشعب التونسي ربما بما فيهم من منح صوته للنهضة في الانتخابات الأخيرة؛ أي هل سيفسر عن تطبيق عملي – ربما بالتدريج والتسويف والمراوغة وغير ذلك من الألاعيب التي لا حصر لها…- لمقولة "الدورة الحضارية الجديدة " و"الخلافة الراشدة السادسة" المزمع إنشاؤها - كما جاء على لسان أمين عام النهضة -ربما في المدى المتوسط إن لم يكن منذ المدى القريب؛ أي هل حكم النهضة سيكون، إذن، ردة عن الوعود التي قطعتها على نفسها حين قبلت العمل السياسي المدني، وبذلك تكون قد خدعت الجميع حين تقدمت لنيل تأشيرة حزب يذكر في جملة مبادئه أنه سيحمي الثوابت الجمهورية … هل سنكون عندها إذن وجها لوجه لا مع "ازدواجية الخطاب"، حيث لن يعود له مبرر وقتها بل مع الوجه الآخر للخطاب الذي يناسب ما يسمونها مرحلة التمكين. وسيرفع الستار نهائيا أيضا عن مبدأ التقية الذي اشتقته حركة "النهضة" من حركات سياسية أخرى في المجال الإسلامي المعاصر لاسيما الإخوان والثورة الإيرنية خاصة، وتعودت عليه في أيام المنع والسرية، واستمر أيضا متذبذبا في المرحلة الانتقالية هذه بما يفسر صدور التصريحات من النقيض إلى النقيض وحتى التصريح الواحد من طرف أحد قادتها سريعا ما نجد له تأويلاته متعددة من طرف ناطقين آخرين باسمها خاصة عندما يثير ردود فعل متباينة؟!

ب- لماذا يُصرّ الحرس القديم في حركة النهضة كما يحلو للبعض تسميته- هذا إذا كان فيها فعلا حرس جديد، وإذا كان هذا الجديد أكثر جدة من قديمه !!! - على خطاب التقوقع على الذات الإسلاموية الحركية في حين أنّه من المفروض أن يتمّ التفكير في آليات التموقع النهائي في المجال السياسي لما بعد الثورة باعتبار أن الحركة روجت لنفسها على أساس أنها حزب مدني وديموقراطي وتعددي ذو مرجعية دينية، حتى اعتبرها خصومها يمكن أن تمثّل إضافة خاصة للمجال السياسي، ومال معظم الفرقاء بمن فيهم قطاعات واسعة جدا من اليسار الجذري إلى اعتبار أنها لم تعد جسما غريبا على سياق المجتمع التونسي المعاصر؟… ولماذا ليس من الممكن فعلا أن يتحول حزب النهضة من حزب ديني إلى حزب ذي خلفية دينية، كما هي حال الأحزاب الديموقراطية المسيحية في الغرب التي أخذت موقعها في الديمقراطية الغربية؟ أليس ذلك نتيجة الفكر التوتاليتاري وإن ارتدى لبوس المدنية والتعددية؟!…

ج- وإذا كان أغلب الإسلاميين اليمينيين من ذوي الخلفية الإخوانية في السياق السني (وولاية الفقيه في السياق الشيعي) ما يزالون يصرون على اختلاف يرونه جوهريا بين الإسلام والمسيحية (واليهودية بدرجة أقل) في مسألة علاقة الدين بالدولة، وبالتالي يتمسكون بإدماج الدولة في الدين إدماجا تاما من الناحية العملية تنتهي بالدعوة إلى الخلافة (الإمامة في السياق الشيعي) والدولة الإسلامية التي تحكم وفق الشريعة، فهل من الممكن عمليا إذن – والحال هذه- أن تتم صياغة مشروع حداثي لجمهورية ثانية على أسس نظرة لا تمتُّ بصلة واضحة وعميقة حتى للفكر الخلدوني الذي لمّح إلى أن الخلافة كانت استثناء وجيزا في التاريخ ؟ إنه عمليا أمر عسير جدا بسبب الوثوقية الإيديولوجية وكذلك بسبب إشكالية تعددية الأصوات الناشزة لا المنسجمة ، وازدواجية الخطاب في صلب حركة النهضة بما هي حركة وحزب في الوقت نفسه، وباعتبار أن تلك الأصوات تتناقض بدل أن تتكامل، ويخالف بعضها بعضا بدل أن تختلف لتتوحد وينتصر فيها الجناح الأكثر وثوقية على الجناح الأقل تزمتا. ذلك أن الوجه التحديثي داخل النهضة يمثل قلة غير ذات تأثير، هذا إن وجدت فعلا؛ فهذا التيار "التنويري" الذي يقول بعضهم بوجوده في صلب االنهضة – وهو غير مؤكد عندي - يذكرنا باضطراب منهجية الفكر الاعتزالي الذي بدا تحرريا في جوانب، شديد المحافظة في جوانب أخرى، اختلافيا وتسامحيا في بعد من أبعاده وصداميا دوغمائيا في جانب آخر هذا إذا جاز التمثيل أصلا! وهو في الحقيقة تمثيل بعيد؛ حيث لا نجد لهم فكرا ولا نسمع لهم تنظيرا كما كان شأن كبار المعتزلة. وهل للمجتمع التونسي طاقة احتياطية أخرى لتحمل نضج هذا التيار "الاعتزالي" أو "الأردوغاني " الصغير داخل النهضة وخارجها كما يحلو للبعض تسميته، وانتظار تبلوره ثم انتظار بلوغه أكثرية ما في الحركة الإسلامية عامة في تونس؟!

وإذا كان ذاك أقصى من يمكن أن يبلغه الفكر "العقلاني" الاعتزالي أو حتى المقاصدي من "التسامح" و"الاختلاف في القرون الوسطى، أ فيجوز أن يستمر الوضع على ما هو عليه في عصرنا هذا؟! إنها المفارقة الزمانية (Anachronism ) التي لم يعد عصرنا يحتملها رغم كثرة الجماهير التي قد تكون تتبناها وهو ليس مؤكد لأن المرحلة الانتقالية مضطربة بطبيعتها؛ فهي لا شك أنها نخبة وكثرة معا "كغثاء السيل" لا يمكنها أن تؤسس الفكر العقلاني للحداثة بل ما بعد الحداثة التي إن لم نحسن الاندراج فيها فقد نجد مجتمعنا قد ازداد عزلة على هوامشها على الرغم من الإدعاء الذي نسمعه من هنا وهناك في تحالف الحكم الانتقالي المرتقب – وخاصة الأطراف النهضاوية - حول التوافق الدولي لحكم الإسلاميين في تونس كما جاء في أحد تصريحات أمين عام الحركة المرشح عمليا لرئاسة الحكومة للقناة الوطنية على إثر ظهور نتائج الانتخابات، وما جاء على ألسنة وزراء خارجية بعض البلدان الغربية بالاستعداد للتعاون معهم . وفي هذا الصدد تجدر الملاحظة أنه من الغريب أن تستمد حكومة ما حكمها –فعليا - من التوافق الاقليمي والدولي، لعلمها بهشاشة ثقة المجتمع فيها رغم "فوزها " العريض ظاهريا المشكوك فيه فعليا والمضخم عمليا ، وهذا حديث ذو شجون وله تفاصيل أخرى يضيق المقام عن ذكرها؛ فالكيانات المزروعة غالبا هي التي تقوم على التوافق الدولي المزعوم! أفيكون وصول الإسلاميين إلى الحكم حدث دولي ذو صلة وطيدة بنظام العولمة؟!

يمكن أن نستخلص إذن أنه إذا كان تبلور ظهور الأحزاب الديمقراطية ذات الخلفية الدينية في الإطار الغربي قد حصل بالتدريج وعبر الصراع، فإن الظرفية الحالية والشوط الذي قطعه التحديث في تونس لا يتحمل التأجيل وانتظار نضج تحول "النهضة "من حزب ديني إلى حزب مدني ذي خلفية دينية، هذا إذا كان ممكنا فعلا أن يتحولوا إلى حزب مدني! فالمستقبل إذن غامض ومفتوح على المجهول. ثم إن أمر هذا التحول العسير بل ربما يكون "مستحيلا" بسبب الجوار وتأثيرات بعض البلدان العربية التي شهدت مؤخرا مسارات ثورية وصعد فيها الإسلام السياسي إلى الصدارة ، وتلك المرشحة له في قادم الأيام كاليمن وسوريا لن تكون هي الأخرى بمعزل عن موضة الإسلام السياسي العامة. ومع ذلك فإن المتفائلين يقولون أنه قد يظل الانتقال الديمقراطي العام لكل المجتمع بما فيه الإسلاميون ممكنا في تونس لأنها ذات خصوصية تحديثية ويشبهها لبنان إلى حد ما، وسوريا إلى درجة ما أيضا. إنهم يرون قواها التقدمية الواسعة قد استفاقت من صدمة الحلم وطيش الفكر السياسي بعد الانتخابات، وهي في طريقها إلى استخلاص العبر من المراوغات والكمائن التي أوقعت فيها، والمهاوي التي ألقت بنفسها فيها أثناء الانتخابات، ويلاحظون استنفار المجتمع المدني العريق فيها لطاقاته السلمية والإبداعية لمقاومة النكوص البادي في الأفق! لننتظر- إذن - ونرى.

العربي بن ثاير

المصدر: الأوان

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...