افتتاح أولى جلسات نادي الذاكرة في مقهى الروضة

17-02-2008

افتتاح أولى جلسات نادي الذاكرة في مقهى الروضة

لم يكن رواد مقهى «الروضة» في شارع العابد الذي يطل برأسه على مبنى البرلمان في دمشق بزاوية منحرفة، يعنيهم ما يحدث في إحدى زوايا المقهى، وهم يرون ظهر الاثنين الفائت كاميرات تلفزة، نصبت على بعد أمتار منهم تتجه عدساتها إلى «استاند» مرتفع قليلاً بألوان متعددة يحمل شعار دمشق عاصمة للثقافة العربية كخلفية اتخذت أمامها د. حنان قصاب حسن أمين عام الاحتفالية، مكاناً لها على أحد كراسي الخيزران إلى جوار الكاتب الأديب الدمشقي نصر الدين البحرة (1934) وهو يفتح بوابات من الذاكرة على دمشق المدينة والمكان والأحداث والحياة لمسافة زادت على القرن مما عاش وخبر وسمع وقرأ مفتتحاً أولى صفحات «نادي الذاكرة» كنشاط ثقافي يقام «ثاني اثنين من كل شهر» ضمن فعاليات دمشق عاصمة للثقافة العربية. 
 فقط ثلة من المهتمين و«بعض الأصدقاء» إلى جانب عدد من الصحفيين جاؤوا إلى المقهى هذه المرة، ليسمعوا أحاديث وأخباراً عن الذكريات الدمشقية، وتجمعوا على طاولاتهم المحدودة في المكان على شكل صندوق مفتوح بينما الطاولات الأخرى على امتداد المقهى التي تضم خليطاً من الكتاب والمثقفين والفنانين وشرائح اجتماعية أخرى متنوعة، تابعت أحاديثها ونقاشاتها وممارسة ألعاب التسلية، كل تبعاً لاهتمامه وكل يغني على ليلاه، يبحر في واد والراوي يسرد ذكرياته في واد آخر في صورة معبرة لا تحتاج إلى تعليق!!
لفيف الحضور وإن أعطى آذاناً مصغية وهو لا يتجاوز عدد أصابع اليدين، بدا كأنه يعرف جل ما جاءت به ذاكرة البحرة الذي أدرك- ربما- أنه اختار المكان الخطأ على حيوية الفكرة ودلالات المكان ورواده، ولو ذهب إلى أحد مدرجات الجامعة مثلا للقي آذاناً كثيرة تصغي لحديثه ولوجد بين أوساط الشباب من يسأله بفضول ويستفز ذاكرته للاستفاضة في بعض التفاصيل أو المنمنمات التي ميزت فصولاً حية ما قبل ستينيات القرن الماضي ولحقبة زادت على المئة سنة من تاريخ دمشق.
لم يكن حديث البحرة، منصباً على مسألة بحد ذاتها ولم يكن سرداً تاريخياً أو مقارنة بين الأمس واليوم إنما كان متشعباً متنقلاً من حدث إلى آخر ومن قصة أو حكاية إلى أخرى، انطلق من أبواب دمشق إلى مقاهيها ودور السينما فيها وأساطين الفن والغناء العربي، يوم غنوا على مسارحها مثل أم كلثوم ورفيق شكري ومحمد محسن ومحمد جمال ونور الهدى ومن الفنانين يوسف وهبي وعبد اللطيف فتحي ونهاد قلعي وسعد الدين بقدونس ونعيمة عاكف وغيرهم.
في حديث الذكريات، بدت دمشق مدينة من سحر، إذ لا تلوث ولا ازدحام ولا إشغالات للأرصفة، مدينة تعج بالحيوية، نضرة خضراء فبردى مثلاً الذي طالما تغنى به الشعراء، وكان «تورا» أحد فروعه في الخمسينيات- حسب البحرة- طامياً وكان السباحون يتسابقون فيه ويمرون من صخرة مجوفة فيه، حفر عليها مجهول لمجهولة العبارة الشهيرة «اذكريني» ومر على «تورا» وقت كان الناس فيه يتجمعون في الانتظار، كي تقلهم الزوارق إلى مقهى «النهرين».. ودمشق مثلاً التي كانت تتناثر فيها دور السينما بالعشرات يوم كان عدد سكانها بمئات الآلاف هي اليوم بالملايين، وبالكاد تقبض فيها على عدد قليل جداً من دور السينما عدا كون بعضها خرائب مهجورة، واللافت في حديث البحرة قوله أنه شاهد عام 1939 فيلم «ذهب مع الريح» في سنة إنتاجه وهو الفيلم المصنف على أنه أحد أهم عشرة أفلام في تاريخ السينما واليوم وبعد مرور نصف قرن وقد بات العالم قرية وسط الانفتاح الفضائي والتقاني، تجد من يأتي بفيلم حديث الإنتاج ويتحدث عنه كأنما في الأمر إنجاز غير مسبوق وكانت دور السينما تلجأ إلى وسائل جذب سماها البحرة «ميوزك هول» تتضمن رقصاً وغناء ومشاهد كوميدية حية أما اليوم فإن بعض دور السينما تلجأ إلى عبارة «بلّش.. بلّش.. عرض متواصل..»!! وهم بذلك لا يختلفون عن «وشيشة الكراجات».
نالت المقاهي نصيباً وافراً من حديث البحرة ونقلاً عن نعمان قصاطلي في أحد كتبه الذي أعادت وزارة الثقافة طباعته في نسخة غير موفقة على حد تعبير البحرة، وصل عدد المقاهي سنة 1879 إلى مئة مقهى وكان عدد سكان دمشق آنذاك 157 ألفاً، أقل من عدد سكان مشروع دمر حالياً واليوم لا تجد في دمشق سوى ثلاثة أو أربعة مقاه على اعتبار أن المقهى تبعاً للبحرة «ليس مكاناً لإضاعة الوقت إنما مكان تتنفس فيه الروح عدا كونه أشبه بندوة ثقافية» وكان كبار الكتاب والمثقفين، يرتادون المقاهي، وروى البحرة كيف أن أديب الشيشكلي وقبل أن يصبح رئيساً للجمهورية كان يتعمد أن يمر من أمام مقهى «البرازيل» وهو في طريقه إلى الأركان فيأمر السائق بالتمهل ليرى من كان جالساً في المقهى وعندما يصل إلى مكتبه يتصل برئيس الشعبة الثانية (أو المكتب الثاني) ويقول له أرسل عنصراً إلى المقهى ففيه فلان وفلان وفلان ليسمعهم (شو عم يحكو عليَّ) وعندما حضر الرئيس الشيشكلي معرضاً في النادي العربي قال لخالد العسلي (مصمم الشعار السوري) «موعيب عليك تحكي عليَّ هيك وهيك».
وفي دمشق أيضاً أواخر الأربعينيات كانت «الوساطات» شغالة فمستثمر خيمة «كراكوز وعيواظ» الذي كان يؤدي فيها «أبو عزت» (الكراكوزالي) ألعابه وفنونه في حي مئذنة (الشحم) من أقرباء نصر الدين البحرة لذلك كان يسمح له بالدخول يومياً ومن معه مجاناً، وقريب آخر له كان موجهاً في المدرسة وكاد البحرة يرسب في الصف الثامن بسبب «كراكوز وعيواظ» لولا توسط قريبه الموجه له.

علي الحسن

المصدر: الوطن السورية


 

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...