إعادة ترتيب وتنسيق نموذج (الخيار الليبي) في التعامل مع سوريا

12-06-2006

إعادة ترتيب وتنسيق نموذج (الخيار الليبي) في التعامل مع سوريا

تواصل إدارة الرئيس بوش الحديث حول تطبيق (الخيار الليبي) على سوريا، ويعتبر هذا الأمر في حد ذاته فكرة ممتازة. وتتمثل المشكلة في الدروس الخاطئة التي أخذتها إدارة بوش من قرار ليبيا بالتخلي رسمياً عن أسلحة الدمار الشامل والعودة للتوحد والانضمام للمجتمع الدولي. هذا، والنموذج الليبي يمكن في وقت ما أن يتيح و يوفر مساراً للتعامل مع الحالة السورية المعقدة الوضع، والشائكة الملف – بالنسبة للإدارة الأمريكية – وذلك فقط إذا تم تطبيق النموذج بالطريقة الصحيحة.
الطريق الشائك والمتعرج للتسوية:
قبل قرار ليبيا بالتخلي عن أسلحة الدمار الشامل في ديسمبر 2003م، ظل نظام القذافي يحاول لأكثر من حقبة، يقوم بدور يحرك حالة الجمود والبرود. وخلال فترة إدارة جورج دبليو بوش، قامت ليبيا بعدة محاولات لفتح الحوار مع الولايات المتحدة. وفي هذه النقطة، كان الليبيون آنذاك يرغبون في تسليم اثنين من المشتبه فيهم، بتفجير طائرة بان أم – رقم 103- ، كمقابل لعملية فتح الحوار والتفاوض من أجل إلغاء العقوبات وتطبيع العلاقات. هذا، وعلى الرغم من إبداء الليبيين عن رغبتهم من أجل مناقشة، التوقف القابل للتحقق عن الأنشطة الإرهابية، والتخلي الثابت المؤكد عن أسلحة الدمار الشامل، فقد رفضت وزارة الخارجية الأمريكية المباحثات الثنائية.
بمجرد قيام ليبيا بتسليم المشتبه فيهم في قضية طائرة بان أم /103/، وتعليق الأمم المتحدة للعقوبات، فقد قامت إدارة الرئيس كلنتون بفتح محادثات سرية مع ليبيا، وذلك في منتصف عام 1999م. وفي الاجتماع الأول، والذي تم عقده قبل أكثر من عامين على حدوث الحادي عشر من أيلول، اعترف الليبيون بوجود خطر عام مشترك يتهدد الجميع، ويتمثل في الأصولية الإسلامية، و وافقوا على التعاون مع الأمريكيين في محاربة تنظيم القاعدة. وتجاوباً مع الاهتمام الذي عبرت عنه واشنطن حول برنامج الأسلحة الكيمائية الليبي المزعوم، فقد وافق الليبيون على فتح منشآتهم  للتفتيش الدولي، والانضمام إلى اتفاقية الأسلحة الكيميائية. هذا، وقد انصرفت إدارة الرئيس كلنتون آنذاك، عن تتبع مسألة أسلحة الدمار الشامل، بسبب أن أولوية سياستها كانت تركز بشكل ثابت على تنفيذ القرار المتعلق بطائرة بان أم /103/، قبل الدخول في أي التزام مع ليبيا.
مع صدور قرار وانتهاء محكمة لوكربي، قام المسؤلون البريطانيون والأمريكيون، بفتح محادثات مع ليبيا في الأمم المتحدة، من أجل وضع الخطوات التفصيلية اللازمة والضرورية، من أجل إلغاء عقوبات الأمم المتحدة المفروضة ضد ليبيا. وقد توصلت هذه المحادثات إلى صياغة نص، يحدد مايجب أن تقوم ليبيا بتنفيذه من أجل إرضاء عائلات وأسر ضحايا طائرة بان أم /103/، وأن تقبل بتحمل المسئولية عن أفعال وأعمال المسئولين الليبيين ، الذين قاموا بعملية التفجير. وقد أصبح هذه النص لاحقاً، بمثابة الأرضية والأساس الذي استندت عليه المباحثات الثلاثية الأطراف، من أجل حل قضية لوكربي.
بعد وقوع هجمات الحادي عشر من أيلول 2001م مباشرة، طرح نظام القذافي دعماًَ وتأييداً فورياً للحرب ضد الإرهاب. هذا، وقد استمرت المحادثات الثنائية بين المسؤولين الأمريكيين والليبيين خلال عامي 2001م ، و 2002م، ولم تنقطع حتى في الفترات التي تقوم فيها إدارة الرئيس بوش بتصعيد نغمتها الخطابية ولهجتها المتشددة إزاء برامج الأسلحة غير التقليدية الليبية المزعومة. وضمن تناقض ملحوظ، كان القائد الليبي معمر القذافي يواصل التأكيد على المشروعية والقانونية الدولية لصحة الموقف الليبي، مؤكداً بأن مايحدث ما هو إلا عملية خداع ونذاله، لن تستمر طويلاً.
في مارس 2003م، قبل حدوث غزو العراق ببضعة أسابيع، اقترح المسئولون الليبيون مع الحكومة البريطانية ببدء محادثات مع بريطانيا العظمى والولايات المتحدة تهدف إلى تفكيك وإلغاء برامج الأسلحة غير التقليدية الليبية . وبعد ذلك بثمانية أشهر، قام وزير الخارجية الليبي محمد عبد الرحمن شلغم بإعلان قرار ليبيا بالتخلي عن أسلحة الدمار الشامل، مشدداً على أن بلاده قد قررت بملء "إرادتها الحرة" أن تكون متحررة من الأسلحة المحرمة والمحظورة دولياً. كذلك شدد الزعيم الليبي معمر القذافي والمسئولون الليبيون الآخرون على هذه النقطة في العديد من البيانات والتصريحات التي أعقبت ذلك.
تسييج حظيرة الجمهوريات البرتقالية:
ثمة درساً واحداً واضحاً يتوجب أخذه من النموذج الليبي، يتمثل في عملية قوة الارتباط والالتزام، عند مقارنتها بعملية الإحتواء، وذلك لأنه بمجرد قيام ليبيا والولايات المتحدة بالارتباط والالتزام، فقد حدث بالمقابل تقدماً عن طريق عملية مفاوضات الخطوة خطوة، والتي كان فيها كلا الجانبين ملتزماً بوضوح بما هو متوقع منه، إضافة إلى المعرفة المسبقة الواضحة لتفاصيل الخطوة التالية. هذا، وعن طريق الاتفاق حول الخطوط العريضة لكل مرحلة، فقد حدث مايشبه خارطة الطريق تماماً – إن جاز لنا القول بذلك – بحيث كان الطرفان يتقاسمان وفقها، فهماً وإدراكاً كاملاً واضحاً، لما هو مطلوب القيام به قبل التقدم باتجاه المرحلة التالية.
هذا وفي تباين وتعارض واضح، فقد تأكد بأن استخدام القوة, أو التهديد باستخدامها، غير نافع في المسألة الليبية. ومن ثم فقد كان الاستخدام المتكرر للقوة ضد ليبيا، في عمليات قصف بنغازي ،وطرابلس في عام 1986، فاشلاً لأنه لم يثمر عن إحداث عملية التغيير السياسي المطلوبة في ليبيا بواسطة الإدارة الأمريكية آنذاك.
بل، على العكس من ذلك، فقد جعلت القذافي يحصل على المزيد من الانتباه والاهتمام الدولي وأن يوطد ويدعم موقفه السياسي الداخلي.
في الوقت الذي كانت تمضي فيه المفاوضات بخطى حثيثة قدماً من عامي 2002 و 2003م، كان جون آر بولتون (نائب وزير الخارجية آنذاك لشؤون ضبط التسلح والأمن الدولي) مستمر بشدة في إطلاق الاتهامات غير الدقيقة وغير المنضبطة التي تهدد ليبيا. ويبدو أن ذلك قد كان السبب الذي جعل الليبيين في ربيع عام 2003م يذهبون لمقابلة البريطانيين، بدلاً عن الأمريكيين، من أجل التقدم بعرض رغبتهم في إعلان تخليهم عن أسلحة الدمار الشامل. هذا، وخلال عملية المفاوضات، التي قادت وأدت إلى إعلان ديسمبر 2003م، كان سلوك بولتون عدوانياً جداً، على النحو الذي جعل الإدارة الأمريكية تلجأ في نهاية الأمر إلى منعه بوضوح من الإدلاء بأي تصريحات أو أحاديث عامة أو خاصة عن موضوع ليبيا.
كذلك، هناك درساً ثالثاً يجب أخذه من النموذج الليبي. ويتمثل في أن العقوبات، وبالذات العقوبات الثنائية، لم تمثل في حد ذاتها أي وسائل فعالة لممارسة الضغط من أجل تنفيذ عملية تغيير سلوك الدولة. هذا، وفي حالة ليبيا، فقد كان (إجهاد وإرهاق العقوبات) واضحاً للعيان في النصف الثاني من حقبة تسعينات القرن الماضي، برغم أن العديد من الدول في أفريقيا والشرق الأوسط كانت تتجاهل وتغض النظر تماماً عن نظام العقوبات متعدد الأطراف. ومن ناحية أخرى، فقد قامت الدول الأوروبية بتحدي العقوبات، إن لم نقل بالتجاهل وغض النظر، لبنود قانون معاقبة إيران – ليبيا، والذي قام بتمريره الكونغرس الأمريكي في عام 1996م.
أما على المستوى المحلي الداخلي، فقد استفاد الزعيم الليبي معمر القذافي، من المزايا والفرص، التي أتاحتها له العقوبات، بحيث قام بقمع وسحق المعارضة الداخلية في كافة الأوساط القبلية، والعسكرية، والجماعات الإسلامية.
وبالنتيجة، يمكن القول بأن عملية تغيير النظام لم تكن بتاتاً إحدى مكونات الخيار الليبي . وبحلول مطلع نوفمبر 1999م، قام السفير رونالد أي نويمان مساعد نائب وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا، بتلخيص هذه النقطة بشكل مختصر، وذلك عندما قارن بشكل استفزازي بين العراق وليبيا بقوله: "إن ليبيا ليست مثل العراق، ونحن لانسعى للإبقاء على العقوبات المفروضة، حتى يتم تغيير النظام في طرابلس". هذا، وفي الوقت الذي كانت فيه إدارة بوش ترفض القيام بعملية تغيير النظام في الحالة الليبية، كانت في نفس الوقت، خلال فترة سعيها المحموم والمسعور من أجل غزو الاحتلال العراق، تقوم بإغلاق كل السبل والمنافذ أمام محاولات ليبيا من أجل تحقيق الامتثال والتطابق مع اتفاقيات عدم انتشار الأسلحة. وقد كان صعباً على البيت الأبيض آنذاك أن يقبل بالمحاولات الليبية الهادفة إلى نزع السلاح، دون أن يكون ذلك مصحوباً بإجراء التحولات السياسية اللازمة لجعل ليبيا دولة "برتقالية" النموذج.
هذا، وبسبب الانهماك التام والانشغال بموضوع العراق، فإن مجرد الحل التفاوضي مع ليبيا، كان من الممكن أن يقوض آنذاك حجة وذريعة الإدارة الأمريكية المتعلقة بإزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة. والتي كانت آنذاك، حجة وذريعة ضرورية من أجل شن الحرب ضد العراق.
وفي نهاية الأمر، فقد حقق القرار الليبي بالتخلي عن أسلحة الدمار الشامل نجاحاً ملحوظاً إيجابياً في صالح ديبلوماسية ضبط التسلح التقليدية التي تعتمد على الصبر والاستمرارية. هذا، واستناداً على البدء بنظام القذافي، فإن هذه العملية في واقع الأمر تحتاج بقدر كبير إلى الارتباط والتلازم مع لعبة الدبلوماسية، التي كانت تبرع في تطبيقها بقدر واسع النجاح إدارة الرئيس كلنتون. ولكن ما حدث يتمثل في أن أمر اللعبة الدبلوماسية إزاء ليبيا قد وقعت في أيدي إدارة بوش، والتي استمرت في تطبيق السياسات التي قام بوضعها آخرون..
قوة التشويه:
من أجل مفاوضات مكثفة، شديدة التعقيد، فإن التفاصيل التي أدت إلى تخلي ليبيا عن أسلحة الدمار الشامل كانت شديدة الوضوح بشكل مذهل، وبرغم ذلك، فقد سعت إدارة الرئيس بوش إلى تشويه عملية التفاوض.
وقد صور البيت الأبيض القرار الليبي باعتباره نتاجاً لاستراتيجية تطبيق الضربة الاستباقية في العراق، وأيضاً أشار الرئيس بوش في أحد خطاباته الرسمية، إلى أن قرار القذافي كان نتيجة، تم التوصل إليها، ليس بفضل الجهود الدبلوماسية الدؤوبة، وإنما بسبب غزو العراق. كذلك ، أشار كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي السابق، في مارس 2004م في مقابلة له مع جيمس كيتفيلد، قائلاً بأن سياسة الولايات المتحدة في كل من أفغانستان والعراق قد أثرت بشكل حاسم على القذافي.
هذا، وفي الوقت الذي تقوم فيه إدارة الرئيس بوش بتشويه الخيار الليبي، فإنها تدهشنا بالكامل – بشكل يثير الاستغراب – خاصة عندما ننظر لأعداد الصحفيين والمراقبين الكبيرة، التي فشلت في فهم وإدارك ماهية العملية التي أدت إلى القرار الليبي.
وفي مارس 2004م، على سبيل المثال، قام معهد المسعى الأمريكي التابع للمحافظين الجدد بنشر ورقة بحثية عنوانها : ((الحذر والاحتراس إزاء النموذج الليبي)).
وقد ركزت على القمع الداخلي الذي قام به القذافي، و"النزعة المغامرة الدولية"  تجاهلت هذه الورقة بقدر كبير العملية التي قادت وأدت إلى إعلان التخلي عن أسلحة الدمار الشامل.
وفي منتصف أكتوبر 2005م، قامت صحيفة التايمز اللندنية بنشر مقالة تقول" إن هناك قائمة طويلة من التنازلات المحزنة" التي تطالب بها إدارة الرئيس بوش من أجل استخدام "صفقة القذافي" للتوصل مع سوريا إلى حالة التهدئة.
كذلك نشرت صحيفة الأوستريان مقالة مشابهة، تحدثت عن التنازلات المطلوبة بواسطة البيت الأبيض من أجل القيام بـ " صفقة القذافي" حتى يتم إنهاء حالة انعزال النظام السوري (عن التوجهات الأمريكية). هذا، وفي الوقت الذي توجد فيه أمثلة أخرى، يمكن الاستدلال بها، فإن النقطة الأساسية تتمثل في أن كثيراً من المحللين قد انضموا إلى البيت الأبيض، في تجاهل أسلوب الخطوة خطوة .. الذي جعل (نموذج ليبيا) يحقق النجاح.


الجمل: قسم الترجمة
الكاتب : رونالد بروساندجونس
المصدر: أف بيف

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...