«هوامش» طلال سلمان على مسرح الحمرا

23-02-2008

«هوامش» طلال سلمان على مسرح الحمرا

بدأت أمس الأول، عروض مسرحية «أجزاء» التي بناها المخرج الشاب أمجد طعمة على «مجموعة أفكار لطلال سلمان منشورة في هوامش جريدة» كما قال في دليل العرض. والمقصود بـ«الأفكار» هنا هو ذلك المقطع الأخير في الـ«هوامش» المعنون بـ«من أقوال نسمة». فالمسرحية تعرض لثلاثة أزواج، ثلاث ثنائيات عاشقــة، ثنائـي للفصحى (أداه أيهم مجيد آغا ولمى حكيم) وفيه خواطر سلمان، وآخر لمحكية سورية (رغدا شعراني وشادي مقرش) والثالث لراقصين (هما لاوند هاجو ولميس منصور) موزعين بين مقاطع الفصحى والعامية، ولكن ليحكيا فقط بلغة الرقص.
«أقوال نسمة»، تلك الأقــوال الهامســة والمُحبــة، والتي يطلّ فيها طلال سلمان أديباً رفيــعاً إلى جانــب الصحفي المخضرم الذي نعرف، قيلت بشــيء من الصخب وبأداء متوتر ومشحون عاطفياً، من دون أن يكون العــرض قد ركّبها في حوار درامي، أو سيــاق أو شخصــية، وفي الأســاس لا شخصيات في العرض، بل حالات من العشق موزعة على لوحات ومقاطع تمثيلية تحكي عنـاوين مختلفة؛ أوجاع الحب، الشك، الرغبة، الخيانة، المغفــرة، الــتردد، وسواها من حالات. ولعل تكرار الثنائيات هنا يذكــر المرء بفكرة عرض الفرنسي جان كلود غالوتا «99 ثنائيــاً» الذي قدمّه في دمشق في شباط ,2005 والذي راح يقدم تنــويعات لا حصر لها لثنائيات عاشقة، ولأحوال العشق. غيــاب الدراما في ثنائيّ الفصحى جعل المشاهد يتساءل مراراً عن سـرّ النزق غير المفهوم في أداء أيهم الآغا، مثلمــا كنا نجد في ثنائي العامية حشداً مبالغاً به من الكلام والتوتر في أداء مقرش.
يريد المستوى العامي في العرض أن يرسم مشهداً واقعياً للحب، ولذلك اتسم أداء الممثليْن بالواقعية، بلغة أقرب إلى لغة الشارع والحياة، حتى حركة الممثليْن بدت وكأنها تتوخى حركة واقعية، فيما حركة ممثليْ الفصحى أقرب إلى حركة حالميْن، الأداء الحركي لديهما مضبوط كتصميم، فالقول هنا أدب، معادل أدبيّ لثنائيّ العامية، والفرق بين الأداء هنا وهناك كما لو كان المحب هو نفسه مرة في الواقع، ومرة في دفتر المذكرات، بل ان ذلك الدفتر يظهر فعلاً بيد العاشقين، ليصير موضوع جدل بينهما.
طريقة بناء العرض هي امتداد لتجارب سورية شابة عديدة اتخذت نظام اللوحات المنفصلة نموذجاً، حيث لا ناظم حكائياً، ولا دراما تضبط السياق. و«أجزاء»، واسمه قد يوحي بقصدية اقتطاع مشاهد متناثرة من سيِر وأحوال العشاق، لا يخرج عن ذلك النظام. ليس الشكل وحده كذلك، فالموضــوع، الحب، هو أيضاً شبابيّ بامتياز.
خشبة المسرح هي فضاء مكشوف، من غير كواليس، والممثلون على الخشبة طوال العرض. بقعة ضوء على واحد من الثنائيات، والبقية على كراسيهم في عمق المسرح، بإنصات حيناً، وبتعليقات حركية أحياناً أخرى. كان الأزواج يتناوبون اللعب، والروي، أو الرقص، ولقد قدّم لاوند هاجو مع شريكته الراقصة لميس منصور رقصات فاتنة حقاً، بدت وكأنها هي بالذات ما يضبط إيقاع العرض. فضاء الخشبة مرسوم كما لو أنه يريد أن يقول شعراً (ولعله لا ينوي أن يقول دراما)؛ ستائر زرقاء شفافة معلقة في سقف وخلفية المسرح، كرسيان متقابلان، لأحدهما مسند على هيئة ذؤابة شمعة، بينهما طاولة بكأسين وشمعة حمراء مشتعلة، جانباً مقعد طويل كمقاعد الحدائق... لكن كل ذلك بدا رسماً جميلاً أكثر من أن يكون مسرحاً، رسماً يريح العين ويسرّها، أكثر من أن يحاورها.
يريد العشاق في مســرحية «أجزاء» التأكــيد على استمرار حكاياتهم، كــما التأكــيد على واقعيتــها، لذلك كانت تحية الجمهور في ختام العرض ممسرحة هي الأخرى. تحية، ثم يعود الممثلون إلى مواقعــهم كعشــاق موزعين على المسرح، ثم ليدخل المخرج، وهو ممــثل سابــق، يحيّي، يطفئ شمعة العرض، ثم، وبعد إعتام قليل، يظهر وحيداً على مقعد في حديقة، وحيداً بخلاف تلك الثنائيات العاشقة. مشهد يريد أن يروي قصة أخرى عن العشق، العشق الذي لا يصل، ولكن يريد المخرج عبره أيضاً أن يوقّع عرضه كما جرت العادة في أفلام سينمائية عديدة شاهدناها من قبل.
صورة العشق على الخشبة مشهد محبوب للمشاهدين، وكلام الحب مصغىً إليه أينما حلّ، وكذلك تلك الموسيقى الرومانسية الناعمة، والستائر الزرقاء، والشموع، ورقص العاشقين، فهل تكفي تلك المفردات لتصنع مسرحاً؟ ربما أراد العرض أن يكون احتفالاً بعيد الحب، وتوقيت العرض ليس بعيداً عن «الفالنتين»، ولكن المسرح أمر آخر، وهو يستحق احتفالاً من نوع آخر.

راشد عيسى

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...