غسان الرفاعي: الروليت والحانة والعطب

20-09-2010

غسان الرفاعي: الروليت والحانة والعطب

-1-

يزعم مؤرخ للفكر المعاصر لا يخلو من خفة دم وقلة أدب, أن هناك ثلاث مدارس فكرية جديدة تلقى نجاحاً منقطع النظير في أوروبا الغربية الآن: تسمى الأولى (فلسفة الروليت) وتنتشر في مدينة باريس, وتسمى الثانية (فلسفة الحانة) وتنتشر في مدينة لندن, وتسمى الثالثة (فلسفة العطب) وتنتشر في مدينة روما. وتشكل هذه المدارس الفكرية الثلاث الأعمدة التي تقوم عليها الليبرالية الحديثة الساعية إلى التهام الحضارات المغايرة, واستبدالها بحضارة (متعولمة) تلغي الفوارق بين الناس وتحقق الاستقرار المنشود. ‏

-2- ‏

ويحدد المؤرخ سمات فلسفة الروليت على النحو التالي: إن الإنسان المعاصر لا يقامر بهدف التسلية, أو الإثراء غير المشروع , أو التخلص من الفراغ. إنه يقامر لأنه حيوان ميتافيزيقي ولأنه مصاب بالدوار العقائدي. لقد أصبحت الحياة المعاصرة منظمة تنظيماً حديدياً, وخانقة إلى درجة لا تطاق, ولم تعد هناك وسيلة لثقب هذا النظام, والتخلص من هذا الاختناق إلا بالمقامرة. إن المقامرة, بهذا المعنى, هي استرداد لحرية الإنسان إزاء صرامة الحتمية وعبثية التمرد. ‏

ويورد المؤرخ مثالاً من واقع الحياة اليومية: السيد غاستون موظف نشيط ونزيه في دائرة حكومية, وضعه مريح ضمن المقاييس المتداولة في وسطه ولكنه يشعر بالتعاسة, وإن كان لا يجرؤ على المجاهرة بها, إنه يتوق إلى مزيد من السلطة, ولكنه يعرف أنه لن يستطيع الحصول عليها, ويحلم بالمزيد من المال, ولكنه واثق من أنه غير قادر على امتلاكه, ويطمح إلى المزيد من النجاح, ولكنه متأكد من أنه استنفد كل الفرص التي اتيحت له. ما العمل؟ في أعماقه رغبة معربدة إلى المقامرة, تطفو على سطح شعوره, بعض الأحيان, وإن كان يحبطها, خوفاً أو خجلاً. المقامرة قد تمكنه من السلطة, وقد تأتي له بالمال, وقد تؤمن له النجاح, وهذه (القد) هي أمله الوحيد في استعادة حريته إزاء مجموعة الحتميات التي تحيط به من كل جانب, فلماذا لا يخطو الخطوة التي لا بد منها؟. ‏

-3- ‏

ثم يورد المؤرخ سمات فلسفة الحانة على النحو التالي: ليس صحيحاً أن الإنسان المعاصر يذهب إلى الحانة, بهدف النسيان, أو الابتهاج أو الثرثرة. انه يذهب إلى الحانة لأنه حيوان منفرد معزول, ولأنه مصاب بدوار المشاركة. لقد ألغت الحياة المعاصرة كل وسائل الاتصال المباشرة وغير المباشرة, وهمشت كل العلاقات الصحية بين الناس, حيث يشعر الإنسان أنه وحيد, على الرغم من الكثافة الجماهيرية التي تسحقه, مضطهد على الرغم من آليات الاحترام التي تطوّقه, أعزل على الرغم من كل الضمانات التي تعطي له الذهاب إلى الحانة, بهذا المعنى, هو استجداء للاتصال, تسول للمشاركة الحقيقية, تحرر من الاضطهاد, وهروب من العزلة, وهدم لكل القيود التي تقوم بين الأنا والأنت. ‏

ويورد المؤرخ مثالاً آخر من واقع الحياة: (للسيد مايكل مدرس في مدرسة ثانوية, مستقيم, مثابر, مخلص, مهذب, يقدره مدير المدرسة والمفتش العام, ويحترمه طلابه, ويمتدحون سعة اطلاعه وحبه لعمله التربوي, ولكنه يشعر أنه أعزل, مضطهد, وإن كان حريصاً على عدم إشعار الآخرين بحقيقة ما يعانيه. إنه يعرف أن مدير مدرسته يحترمه لا لأنه يقدره, وإنما لأنه بحاجة إليه, ويعرف أن طلابه يلتفون حوله لا لأنهم يحبونه بنزاهة وتجرد, وإنما لأنهم راغبون في سرقة معارفه. كلما أنهى دروسه وعاد إلى منزله شعر أنه وحيد وأن كل مظاهر المشاركة هي مزيفة ومزورة, إنه وحيد على الرغم من أنه أب مستقيم وزوج مخلص, وحيد على الرغم من أنه مواطن صالح, وحيد على الرغم من أنه إنسان اجتماعي. وهو لهذا كله لا يذهب إلى منزله, وإنما يسترق الخطا إلى الحانة. هنا يحطم قضبان عزلته, ويتحرر من الشرنقة التي تلتف حول عنقه, ويشعر أن هناك آخرين يقاسمونه تمزقه وحرقته, هنا يكتشف بأنه محبوب لا من هذا أو ذاك, بمن تربط بهم روابط محددة, وإنما من جمع غفل, ليس له وجود, وأنه مواطن له حقوق, وإن كانت موهومة, وأنه إنسان كبير في عالم مكتظ بالناس الكبار..). ‏

-4- ‏

ثم يورد المؤرخ سمات فلسفة العطب على النحو التالي: يبقى الإنسان الوديع المسالم, الذي يكفي الناس خيره وشره, محافظاً على اتزانه النفسي, وصحته العقلية, واستقراره الاجتماعي, ما دام لم يتعرض لهزة, ولم يصطدم بفاجعة, حتى إذا ما داهمته نازلة تخرجه عن أطواره الطبيعية, وجد نفسه مرغماً على ارتكاب حماقة, تسبب له ولعائلته الدمار والخراب. قد يقاوم متمسكاً برصيده من المحاكمة العقلية. ولكنه سرعان ما يتداعى, ويتسلل إليه العطب وتظهر عليه أعراض التشقق الداخلي, والانهدام السلوكي, وينقلب إلى شخصية من شخصيات ديستوفسكي, يقدم على اغتصاب نفسه قبل الإقدام على اغتصاب الآخرين. ‏

ويبدو أن المجتمع المعاصر مكتظ بهؤلاء المعطوبين الذين يتسلقون المناصب المسؤولة ويتجولون في دهاليز السلطة, غير مبالين بالأذى الذي يخلفونه وراءهم، ولا بالمتاعب التي قد يلحقونها بأصدقائهم والمقربين منهم. ‏

ويورد المؤرخ مثالاً من واقع الحياة اليومية، ويسجل اعترافات موظف حكومي متقاعد: هذا العالم الذي نعيشه عالم مجنون، مجنون. كانت لنا قيم محددة، تنظم حياتنا وتضبط علاقاتنا، وها قد تداعت هذه القيم دون أن يقوم مكانها أي بديل، كنا نؤمن بالوطنية، والنبل، والصدق، والتضحية، والترفع والتفاني، فماذا بقي لنا الآن؟ الوطنية هي في الانتهاز، والنبل هو في تفضيل المصلحة الشخصية، والصدق هو في المخادعة المستمرة، والتضحية هي في إيذاء الآخرين، والترفع هو الانغماس في الصغائر، والتفاني هو التخلع الأخلاقي. كل شيء يتفتت، ويحتضر أمام عيوننا الشاخصة، ولكننا لا نملك القدرة على التغيير، ولا على التأقلم، ماذا نفعل؟. ‏

حاولت أن أقاوم هذا الانهيار بشيء من التماسك الداخلي، والمناعة الأخلاقية، ولكنني فشلت، إذ اكتشفت أن المقاومة نوع من الحماقة غير المبررة. كيف أقاوم والخلل تسرب إلى منزلي وعائلتي، هل تصدّق؟ ابنتي (تساكن) رجلاً في مثل سني، طمعاً في أن تؤمن الحصول على بعض الرفاهية. قالت لي دون خجل: (ماذا تريد مني أن أفعل؟ هذا الرجل يغدق عليّ ويغطي كل نفقاتي ولا يتذمر. قد يملّ مني بعد فترة، وقد يتركني، ولكنني سأجد غيره). بكتني كلماتها، ولكنني فشلت في اقناعها بالتخلي عن سلوكها. ابني عضو ناشط في تنظيم مشاغب، يناضل من أجل الاعتراف بشرعية الشذوذ الجنسي، وهو يرفض مناقشة هذا الموضوع معي، لأنني –حسب زعمه- (رجعي متزمت). منذ شهر تقريباً، ذهبت لزيارة أخي، وهو ميسور الحال بسبب ارتباطاته مع ألمافيا. صافحته بحرارة، بعد أن كنت أقاطعه وطلبت منه أن يساعدني، فوقّع لي شيكاً بمبلغ محترم ونصحني أن أحيا حياة طبيعية، وأن أجابه الأمور بشجاعة وبعد أن دسست المال (المتسخ) في جيبي شعرت بالخجل، ولكنني تجاوزت الأزمة، حينما شجعتني زوجتي قائلة: (ماذا جنيت من استقامتك يا مسكين، أخوك رجل نبيل وشهم..). ‏

(وفجأة قررت أن أفقد عقلي: ذهبت إلى بار مشبوه، وأنفقت ربع ما حصلت عليه من مال، وفي اليوم التالي ذهبت إلى بار مشبوه آخر، وأنفقت ربعاً آخر، ثم توالت سهراتي في البارات إلى أن أتيت على كل ما أملك، كنت أشعر بحاجة ماسة إلى ارتكاب حماقة أو جنحة أو أي شيء آخر. ما قيمة كل ما أفعله وما أبنيه إذا كان متعامل مع ألمافيا قادراً على التغلب عليّ في ليلة واحدة، ومن دون أي جهد. ألم تقل زوجتي إن هذا المتعامل نبيل وشهم؟). ‏

-5- ‏

هل من الضروري أن تكون مؤرخاً للفكر المعاصر، تمتاز بخفة الدم وقلة الأدب حتى تكتشف هذه الفلسفات الثلاث: فلسفة الروليت، وفلسفة الحانة، وفلسفة العطب؟ هل من الضروري أن تسافر إلى لندن وباريس وروما حتى تلتقي نماذج تجسد هذه الفلسفات؟ يكفي أن تبقى في منزلك، وأن تستحضر بعض معارفك حتى تكون مؤهلا لكتابة أطروحة عن هذه الفلسفات. ‏

د. غسان الرفاعي

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...