سينما الواقع: أغـرار الرقابـة أخطـر من محترفيهـا

25-02-2008

سينما الواقع: أغـرار الرقابـة أخطـر من محترفيهـا

اختتمت أخيراً في دمشق تظاهرة «أيام سينما الواقع»، التي أقامتها مجموعة من السينمائيين الشباب في إطار احتفالية «دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008». وفي حفل الختام عرض الفيلم البرازيلي «سانتياغو»، كما جرى إعلان جائزة الجمهور التي تمنحها التظاهرة بعد تصويت يوميّ واظب عليه الجمهور المميز للتظاهرة، المميز من حيث تلك المواظبة بالذات على حضور هذا النوع من السينما التسجيلية التي لم تجد رواجها جيداً بعد، سوى أن شغف الحضور الشاب أثبت أولاً أن بالإمكان العثور على الجمهور إذا أردنا الوصول إليه، كما أثبت من جهة أخرى رغبة بتسجيل اسم السينما السورية على قائمة الأفلام التسجيلية. جائزة الجمهور، وهي عبارة عن منحوتة صممها الفنان مصطفى علي، بالإضافة إلى مبلغ 150 ألف ليرة سورية، ذهبت للفيلم الصربي «كتاب شوتكا للأرقام القياسية» لأليكساندر مانيتش.
التظاهرة ضمت ثلاثة وعشرين فيلماً، من بينها التشيليّ «مدينة المصورين» لسيباستيان مورينو ماردونيس، الذي يتحدث عن سلطة الكاميرا في مواجهة سلطة الديكتاتورية أيام حكم بينوشيه، وفيلم «سلفادور الليندي» لباتريسيو غوزمان الذي يتناول سيرة الانقلاب الشهير على الليندي. وهذان الفيلمان نالا جائزة الجمهور الثانية والثالثة من دون جوائز عينية. لكن عتباً كبيراً لحق منظمي التظاهرة من زملائهم من »التسجيليين« السوريين، إذ لم تجد سوى ثلاثة أفلام سورية طريقاً إلى العرض؛ الأول هو فيلم الافتتاح «نور وظلال» لعمر أميرالاي ومحمد ملص وأسامة محمد، والثاني هو فيلم أميرالاي «مصائب قوم» الذي يتناول حرب لبنان، والثالث هو «عصفور من حجر» لحازم الحموي وجاء، مع فيلمين آخرين، في إطار التحية لـ«المعهد العربي للفيلم» في عمان. سوى أن المنظمين ردّوا بأن لا معيار لديهم إلا القيمة السينمائية، وبرأيهم لا وجود لأفلام تنافس ما عرض في التظاهرة.
وإذا كان جمهور الأفلام لافتاً فإن جمهور الندوات، ذات العناوين اللافتة والمهمة، كان غائباً. الندوات كانت اختصاصية إلى حدّ كبير وتناولت نظرة شاملة للسياق التاريخي للفيلم التسجيلي، وجاءت الندوات تحت عناوين مثل «سينما وراء الأبواب الموصدة»، و«فن الفيلم التسجيلي، ما بين السينما والتوثيق». لكن اللافت أكثر من أي شيء آخر هو استماتة الاحتفالية في حذف شيخ السينما التسجيلية السورية عمر أميرالاي، الذي قال إن مشاركته في إحدى الندوات قد ألغيت، ثم حرم من قراءة كلمة له في الافتتاح، وقَبِلَ بأن يلقيها أحد غيره، ولكن حتى ذلك منع لاحقاً. أميرلاي قال: «لدينا تجربة طويلة مع الرقابة في سورية منذ السبعينيات، ولكن في أيام نادي السينما، حيث كان المنع يستند إلى محظورات وزارة الثقافة التي لو طبقت فعلاً لما مرّ فيلم في العالم، كان المراقبون محــاورين، وكنا نصل معهم دائماً إلى منطقة وسط، ولم يكن المنع في تلك الأيام يطال السينمائيين أنفسهم. اليوم صرنا نتحســّر على أيــام السبعينــيات حين كانوا يحاورونــك بالفكـر والماركسية وبالوطنية وباللحظة المؤاتية وغير المؤاتية. اليوم قد يكون بعض الأغرار في الاحتفالية، على سذاجتهم وطفولتهم في مجال الرقابة أخطر من محترفي الرقابة».
أميرالاي كتب في كلمته التي لم يكتب لها أن ترى النور في تظاهرة «أيام سينما الواقع»: «إنّ السينمائي التسجيليّ اليوم، عدا اضطراره في ضوء الواقع الجديد للفلاحة في ميدان أنهكه محراث الشاشة الصغيرة وابتذله بصوره الإخبارية المثيرة وتحقيقاته الممجوجة، فإنّ ثمّة عقبة أخرى أمرّ وأصعــب كُتـب عليه مواجهتها، خاصةً في بلدان العالم الثالث، وهي الرقابة البغيضة السياسية والأخلاقية التي تمارسها سلطات رسمية واجتماعية على الأفكار والموضوعات وفق منظومة عبثية من المحظورات والممنوعات التي لا تكبّل حريّة السينمائي التسجيلي في التعبير عن ذاته ومجتمعه وحسب، وإنّما تحرمه وبشكل خاص من ممارسة أبسط حقوقه المدنية والديمقراطية كمواطن في المجتمع الذي يعيش فيه».
وبالطبع غريـب استماتة «عاصمــة الثــقافة» في مــحاولة حذف أميرالاي في الوقت الذي تستميت فيه بالاستنجاد بمن لا يريد لاسمه ذكراً فيها، ونعني بالقول أدونيس، الذي ما زال موقــع الاحتفالــية الالكتروني يحسبه في لجنتها الاستشارية، علماً أن الشـــاعر الســوري أعلن على رؤوس الأشهاد أن لا علاقة له لا باللجنة الاستـشارية ولا بأي لجنة أخرى. ومع العلم أيضاً أن أعضاء فعليين في تلك اللجنة يشكون من أن أحداً لا يستشيرهم ولا حتى يعطيهم علماً بشيء.
أخيراً لا بد من القول إن تظاهرة »أيام سينما الواقع ٍُّٔ ٍُّٓ »، وهي التي قدمت نفسها بتغطية إعلانية رفيعة المستوى، واختارت أفلاماً عالية السوية، كما استضافت خبرات عالمية رفيعة الشأن، تبشّر بالتأسيس لنوع سينمائي، وجمهور له، وكذلك بالتأسيس لتظاهرة ثقافية نوعية، تآلف فيها الجمهور على نحو يذكّر بأهداف الثقافة النبيلة التي ترمي أولاً الوصول إلى الناس، ووصول هؤلاء بعضهم إلى بعض.

راشد عيسى

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...