دمشق: فلاحون يبيعون منتجاتهم على الأرصفة هرباً من ابتزاز الوسطاء

27-05-2012

دمشق: فلاحون يبيعون منتجاتهم على الأرصفة هرباً من ابتزاز الوسطاء

لم يعد عمل الفلاح يقتصر على الزراعة في أرضه وحسب بل تعدت مواهبه ليكون التاجر والموزع لمنتجاته.. إلا أنه لم يخطط كثيراً للزمان أو المكان لذلك العمل, وكان سعيه وراء البيع كل غايته..
 
 أما اتجاهه في هذا الطريق لم يكن إلا هرباً من التاجر المستغل.. وقد يكون وجود هؤلاء الفلاحين على الأرصفة في الشوارع وبين الأبنية السكنية ليس بالمظهر الحضاري لذلك تسعى المحافظة لتنظيمهم فيما سمته «سوق الضيعة» الذي من المفترض أن يفتتح قريباً في دمشق ولكن على ما يبدو أنه لا استجابة من قبل الفلاحين...  في البداية سنتعرف على أسعار السلع التي يبيعها الفلاحون من خلال جولة في أماكن وجودهم في منطقتي (الفحامة والمزة) بدمشق أمس بتاريخ 26/5/2012 ومقارنتها مع الأسعار في منافذ البيع التابعة للمؤسسة العامة للخزن والتسويق ومع متوسط الأسعار في سوق باب سريجة، لنجد أن لا فرق كبيراً بالأسعار والتي اعتبرها الكثير من المستهلكين «أسعار الفلاحين» «عادية» أي ليست أقل من أسعار السوق بكثير من خلال الجدول التالي:
 معاناة يومية
كانت أم صالح – 45 عاماً – تفترش الأرض في ركنٍ تغطيه الشمس على أحد الأرصفة في منطقة الفحامة بدمشق، تلك الأرض التي عرفتها منذ أكثر من عشرين عاماً، أتت من منطقة نبع الفوار في محافظة القنيطرة منذ ساعات الصباح الأولى لتحمل معها أكثر من 90 كيلو غراماً من اللبنة ومثلها من الجبن وتنتظر زبائنها الاعتياديين أو أحد المارة لتبيع ما صنعته يداها من منتجات مزرعتها الحيوانية.. حتى الوصول إلى مكان رزقها لم يكن بالسهل فهي تدفع 1000 ليرة يومياً مقابل أجرة وسيلة النقل التي تقلها وبضائعها إلى المدينة، ولا تغادر ذلك الرصيف قبل أن تنفق ما حملت بالكامل حتى لو حلّ عليها الظلام.. أم صالح لم تصرح بربحها من هذا العمل وتقول: «كل مربحنا نصرفه على التصنيع وخاصةً بعد غلاء العلف، وعلى الرغم من أننا رفعنا أسعار السلع قليلاً إلا أن المصروفات ارتفعت أكثر فنصل في آخر الموسم لا نملك أي نقود».
وتجد سناء (ربة منزل) أن هؤلاء الباعة الفلاحين صادقين في تعاملهم مع المستهلكين أكثر من التجار، فمع أن أسعار سلعهم ارتفعت عما كانت عليه إلا أن السبب غلاء كل تكاليف الحياة بشكل عام، قائلة: لا أشتري إلا من هؤلاء الباعة وخاصةً مكان وجودهم قريب من منزلي ما يوفر عناء الذهاب والبحث عن أسعار أرخص.
فلاحون تجار !!
أبو أحمد – 60 عاماً – فلاح يبيع مما يزرع من خضروات وفاكهة في مزرعته بمنطقة دروشا في ريف دمشق، وينشط عمله في هذه الأيام لكونها مواسم لبيع الفول والبازلاء، ومع أنه لا يبيع أرخص من أسعار السوق بكثير، مشيراً إلى أن الكميات التي يزرعها قليلة نظراً لأن الخضروات تحتاج إلى الكثير من المياه وهي غير متوافرة بالشكل المطلوب في مزرعته لافتاً إلى أن الفلاحين الذين يملكون مساحات زراعية واسعة يبيعون الجزء الأكبر من منتجاتهم في السوق المركزي (الهال) بسعر الجملة وما يتبقى يباع بالمفرق على جوانب الطرقات.
ترى أم ربيع (موظفة) أن بعض المزارعين يبيعون منتجاتهم الزراعية على الأرصفة هرباً من استغلال التجار لتعبهم وجهدهم، وبعضهم يفضل أن ينزل بنفسه إلى سوق الهال المركزي بدمشق ليكون شاهداً على عملية البيع نظراً لغياب الثقة بينه وبين التاجر الوسيط، مشيرة إلى أنها تشتري من هؤلاء الباعة في أغلب الأحيان معتبرة أن منتجاتهم تزرع وتسقى وتنقل وتخزن بنظافة وعناية ولا تحتوي مبيدات حشرية.
هل يزرعون فعلاً؟؟
وعلى أبواب سوق الخضر في منطقة الشيخ سعد بالمزة التقينا أم عبدو – 70 عاماً – تبيع ورق عنب وجارنك حملتها من أرضها في خان الشيح بريف دمشق لتجمع القليل من النقود كقوت يوم أولادها، وعن ربحها اليومي تقول «الله عليم» لا يهمني إلا الستر والصحة على الرغم من كل المشاق التي أعانيها في هذا العمل حيث أقضي يوماً كاملاً على هذا الرصيف متحملة كل الظروف الجوية في الصيف والشتاء، وهذا ما يعانيه أيضاً جاسم – 53 عاماً - أحد الفلاحين الذي يبيع مختلف أنواع الحشائش (نعنع – بقدونس – فجل – بقلة – بصل – خس) في المزة، وعن اختلاف أسعار السلع بين الفلاحين حسب المنطقة يقول: النوعية تختلف من أرض إلى أخرى والزبائن يختلفون حسب المكان وفي النهاية الفلاح هو من يحدد السعر حسب العرض والطلب.
أبو عادل (موظف متقاعد) يشتري من هؤلاء الفلاحين عندما يكون في طريقه إلى سوق الخضر على الرغم من أنه على يقين أن أغلبهم يشترون بضائعهم من السوق المركزي (الهال) ويبسطون فيها في أماكن تجمع السكان الذين يبحثون عن أسهل الطرق لشراء حاجياتهم، وهذا ما أكده أيضاً أحد الباعة في السوق الذي يقول بالصوت العالي: «أنا وكل الباعة في السوق نشتري من سوق الهال» إلا أن الفلاحات بشكل خاص يرددن عليه بالحلفان أنهن يبعن مما يزرعن.
المحافظة تقدّم خدماتها..
ولتنظيم هؤلاء الفلاحين قامت محافظة دمشق بتخصيص أراض من أملاكها لإنشاء ما سمته بـ «سوق الضيعة» ليكون مكاناً للباعة الفلاحين حصراً يستخدمونه لبيع منتجاتهم في سوق مخدّم بكافة المستلزمات بدلاً من افتراش الأرصفة والطرقات، وهذا ما أشار إليه المهندس جمال حبايب مدير شؤون الأملاك في محافظة دمشق حيث تم إنجاز كل الأعمال التنفيذية لتجهيز السوق الأول الذي سيكون في شارع الثلاثين بمنطقة المخيم وخلال الأيام القليلة القادمة سيتم الانتهاء من تجهيز السوق الثاني في منطقة الزبلطاني، ومشاريع «سوق الضيعة» ستكون مجهزة بالمياه والكهرباء والصرف الصحي والإنارة والتصريف المطري والتزفيت إلى جانب مسؤولية المحافظة عن نظافة السوق وحمايته والعناية به، وكل هذه الخدمات بالإضافة إلى مكان (عرض 2 متر وعمق 3 أمتار) مخصص لكل فلاح سيقدم بشكل شبه مجاني على أن يتقدم بطلب للمحافظة مع شهادة منشأ من الوحدة الإرشادية الزراعية في منطقته حصراً على أن يكون السوق خاصاً بالفلاحين فعلاً، وحسب الدراسة المطروحة للجنة المختصة في المحافظة فإن كل سوق سيضم ما لا يقل عن 200 محل، ويضيف أن الغاية من إنشاء مشاريع «أسواق الضيعة» – التي ستشمل مناطق أخرى فيما بعد – هي تخفيف الأعباء عن الفلاحين والحد من استغلال التجار لهم، والافتتاح سيكون في بداية حزيران القادم إلا أن هذا التاريخ يتوقف على عدد الطلبات المقدّمة من قبل الفلاحين مع العلم أنه لن يتم منع الفلاحين من التبسيط في أي من الأماكن المخصصة لذلك.
رأي الفلاحين
بالمقابل يبدو أن فكرة «أسواق الضيعة» لم ترق لبعض الفلاحين واستغربها بعضهم الآخر ولكل منهم أسبابه، ولدى سؤالنا فيما إذا سيذهبون إلى تلك الأماكن ليبيعوا فيها رزقهم اختلفت الإجابات أيضاً.. فأم صالح لا تعرف مكاناً في كل دمشق غير منطقة الفحامة التي هي بالقرب من كراج السيارات التي تقلها من وإلى القنيطرة – كما تشرح – وعلى الرغم من أنها سمعت بهذا المشروع فهي ترفض الذهاب لسبب آخر، فبعد عملها عشرين عاماً في المكان نفسه حصلت على الكثير من الزبائن اليوميين فهي ستحتاج إلى عشرين سنة أيضاً حتى تجمعهم من جديد، وأبو أحمد أيضاً يرفض الذهاب قائلاً «من سيذهب إلى الزبلطاني ليشتري ربطة بقدونس أو كيلو غرام بندورة؟؟ وتكون أجرة الطريق أكثر من فرق السعر بين السوق والبقالية المجاورة لمنزله؟، وهذا ما وافق عليه الكثير من المستهلكين القاطنين في منطقة الفحامة مشيرين إلى أنه من سيتوجه إلى ذلك السوق سيشتري حاجاته من السوق المركزي (الهال) بسعر الجملة وبالكميات التي يحتاجها.
إلا أن أم عبدو التي استغربت الفكرة ولم تكن قد سمعت بها، أجابت من دون أن تفكر ملياً «تُشكر المحافظة سنذهب مادامت كل هذه الخدمات متوافرة وبعدها بدأت تسأل عن تفاصيل المشروع والمكان ووقت البدء والشروط ثم بدلت إجابتها بكلمة «لا أدري».

لمى علي

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...